انضم إلينا
اغلاق
"ابحث عن شغفك".. لماذا تعد أسوأ نصيحة على الإطلاق؟

"ابحث عن شغفك".. لماذا تعد أسوأ نصيحة على الإطلاق؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"إذا كان الشغف هو شيء كامل وجاهز، وكل وظيفتك هي أن تجوب العالم بحثا عنه، فتلك هي فكرة مجنونة"

 (جورج والتون)


إذا حدث ووقفت في أحد المدرجات بالجامعة ثم سألت بصوت عالٍ: "من منكم يبحث عن شغفه؟"، فغالبا ما ستكون إجابة الغالبية من الجالسين بالإيجاب، ومن منّا لا يبحث عنه؟ من الذي لا يريد أن يجد تلك الموهبة المدفونة في جوانب شخصيته كي يخرج بها للنور ويعمل -أخيرا- في وظيفة الأحلام، لطالما سحرت أفلام كـ "بيوتيفل مايند" (Beautiful mind) خيالنا، علمتنا أن الشغف هو حجر الأساس في الإنجاز، وأن الموهبة هي سر الإبداع، فلا يمكن لنا أن نمارس عملا نحبه إلا ونحن غارقون في النشوة أثناء أدائه، تلك النشوة التي تلهينا عن كل شيء في الخارج، أليس كذلك؟


حسنا، الأمر ليس بتلك السهولة، لقد تربينا على أن هناك نوعين من الناس، نوع ذكي وآخر ليس كذلك، نوع يتمكن بسهولة من العزف على الجيتار، أو الرسم، أو الكتابة، وآخر لا يمتلك تلك الموهبة، وجزء مما نتحدث فيه هنا هو -في الحقيقة- صحيح، لكنه ليس صحيحا كفاية ليخدم إجابة كاملة عن سؤال "الشغف"، هناك بالطبع ما يمكن أن نسميه "الذكاء"، والذي يتنوع بدرجات مختلفة بين البشر، لكن حينما نتأمل مجموعة التجارب المثيرة للانتباه، والتي قام بها كل من "ليزا بلاكواي" من جامعة كولومبيا و"كارول ديويك" من جامعة ستانفورد، فقد نحتاج إلى التوقف قليلا، وإعطاء الأمر بعضا من الوقت للتفكير.

   

من فيلم بيوتيفل مايند (مواقع التواصل )

  

ما الذي يقيسه الذكاء؟

في التجارب(1)، تم تقسيم الطلبة في المرحلة الثانوية إلى مجموعتين، تلقت إحداهما كم تحفيز كبيرا، وبعض الدروس المبسطة تتخللها تأكيدات على أن الذكاء هو أمر يمكن تطويعه ورفعه، بينما تلقت المجموعة الثانية كم تحفيز أقل مع دروس عن الذاكرة، بعد ثمانية أسابيع من التدريب حقق 85% من الطلبة بالمجموعة الأولى نتائج مرتفعة؛ في مقابل 54% للطلبة العاديين، نتائج مشابهة(2) حصلت عليها "أنجيلا لي داكوورث" من جامعة بنسلفانيا بعد مجموعة من الدراسات على ما يقرب من 500 طالب، في الواحدة منها.

  
يدفعنا ذلك لتأمل الدور الذي يمكن أن تلعبه أفكارنا عن الذكاء والشغف في حياتنا، تلك الأفكار التي تقع بشكل ضمني في خلفية سلوكنا. في تلك النقطة تبدأ كارول ديويك في تطوير فرضيتها شيئا فشيئا لتقول إن عقولنا، نحن البشر، تتبع منظومة أو قناعة عقلية من اثنين(3)، المنظومة العقلية الثابتة (Fixed Mindset)، تلك التي يتصوّر عقلك معها أنه مُصمم لأداء وظائف محددة وبقدرات ثابتة لا تتغير مع الزمن، بالتالي فأنت مقتنع بأنه لا حاجة إلى المقاومة من أجل مستوى أفضل، دراسيا على سبيل المثال، أو اجتماعيا كذلك، فالأمر شبه محسوم.

  
من جهة أخرى فإن هناك منظومة عقلية، أو قل آلية تفكير، على قناعة بإمكانية النمو (Growth Mindset)، تلك التي تعتقد بأنه من الممكن أن نحسّن من قدراتنا العقلية، لأن أدمغتنا تعمل كعضلاتنا، مع التمرين المناسب يمكن أن تصبح أفضل، وما بين هذه المنظومة والأخرى، تتفرع تلك الاعتقادات لتؤثر في كل شيء آخر بحياتنا، بداية من الأداء الدراسي، وصولا إلى اختيارنا للوظائف الأنسب لنا، لكن إحدى نتائج اعتناق معتقدات المنظومة العقلية الثابتة هو ذلك الوهم الكبير الذي نسميه بـ "الشغف".

    

منظومات عقلية

فحسب دراسة أخيرة(4)، أجراها بول أوكيف من جامعة ييل، بالتعاون مع دويك وجورج والتون من ستانفورد، لم يكن الهدف هو فحص المنظومات العقلية الثابتة والنامية من جهة الذكاء، كعادة هذا المجال البحثي، لكن هذه المرة عكفت المجموعة على دراسة تكيف اهتمامات الطلبة مع واقع العالم المعاصر، ذلك الذي لم تعد فيه النطاقات البحثية منغلقة على نفسها وأقل اتصالا مع الأخرى، بل أصبحنا في عالم تتداخل فيه التخصصات (Interdisciplinary) وتعبر بين نطاقات عدة (Transdisciplinary) بحيث تتشارك مجموعة من الفروع المعرفية معا من أجل إيجاد حلول لمشكلة واحدة.


في خمس دراسات(5) متتالية وجد الفريق البحثي أن هؤلاء ذوي المنظومات العقلية الثابتة واجهوا مشكلات في استكشاف النطاقات المعرفية المختلفة عن اهتماماتهم. على سبيل المثال، في التجارب، عرض الفريق على مجموعة من الطلاب مقالة أكاديمية مثيرة وممتعة في نطاق خارج تخصصهم، والذي كان العلوم أو الآداب في هذه الحالة، هنا أبدى أصحاب المنظومات العقلية النامية اهتماما واضحا بتوسيع قدر معارفهم في المجالات التي تبتعد كثيرا عن تخصصاتهم، بينما حدث العكس مع المجموعة الأخرى.


للوهلة الأولى تظن أن هذا شيء طبيعي، بمعنى أن الخروج عن التخصص ربما قد يكون مضرا لصاحبه، لكن على الرغم من ذلك فإنه في مرحلة من حياتنا نحتاج فيها إلى استكشاف كل النطاقات الممكنة قبل التخصص، أو في مراحل ما قبل اختيار الوظائف، فإن عقولنا في حاجة إلى أن تكون أكثر انفتاحا على الأفكار الجديدة، بدلا من قناعات ضارة كـ "الشغف"، والتي يظن المرء خلالها أن هناك شيئا واحدا فقط يمكن له أن ينجح فيه.


لفهم خطورة تلك الفكرة دعنا نتأمل نتائج الدراسات والتي تقول إن المنظومات العقلية تؤثر بقوة على قدرات المرء على تحفيز نفسه، الأمر الذي يؤثر -بدوره- في متابعة اهتماماته. في إحدى تلك الدراسات على سبيل المثال، أثار الباحثون اهتمام الطلاب بعلم الفيزياء الفلكية من خلال جعلهم يشاهدون مقطع فيديو ممتعا من تصميم الغارديان حول فكرة ستيفن هوكينغ عن الثقوب السوداء، بعد ذلك قرأ المشاركون مقالة أكاديمية مليئة بالصعوبات حول الموضوع نفسه.

  
هنا استجاب(6) أولئك الذين تلقوا دروسا سابقة للتجربة حول "المنظومة العقلية الثابتة"، تلك التي تقول لهم إن كل شخص له قدرات محددة، باهتمام مع مقطع الفيديو المرح، ورغب عدد منهم بالفعل في أن يتعرّف إلى الموضوع بشكل أكبر، لكنهم فقدوا مزيدا من الاهتمام فور ظهور الصعوبات، ويرجع ذلك -حسب تلك الدراسة- إلى أن الأشخاص الذين لديهم منظومات عقلية ثابتة يميلون إلى توقع أن السعي وراء نطاق حديث في حياتهم سيكون أمرا سهلا نسبيا، لأنهم بالأساس يعتقدون أنه لا يوجد تدرّج في التعلّم، فإما أننا نعرف الأشياء أو لا نعرفها، لذلك مع مواجهة الصعوبات الأولى في التعلّم فإنهم لا يتعاملون معها كصعوبات من الأساس، بل كأشياء "لا تهمهم"، أو -بالتعبير الأكثر شهرة- ليست "الشغف الخاص بهم"، وهنا تحدث المشكلة.


ذلك لأنك، في حالة كتلك، ستظل لفترة طويلة من عمرك، نتحدث هنا عن عشر سنوات وربما أكثر، تبحث عن شغفك، تتنقل بين كتب المبتدئين في نطاق الفيزياء، على سبيل المثال، فتقرأ "الكون في قشرة جوز"، وتتحفز جدا لتعلّم الفيزياء، ثم تقرأ "الكون الأنيق"، ثم "نسيج الكون"، وكلاهما لبراين جرين الفيزيائي الشهير، وتشاهد "كوسموس" لتيل ديجراس تايسون، لكن ما إن تصطدم بصعوبة المواد الدراسية الحقيقية في أي من مساقات جامعة ييل أو معهد "أم آي تي"، حتّى تتدخل منظومتك العقلية لتقييم الوضع الجديد، فتوهمك بأن صعوبة تلك المواد الدراسية لا تعني أنها "صعبة" بالفعل، ولكن لأنها ليست شغفك.

خرافة الشغف

حسب وجهة النظر تلك، فإن الشغف هو فقط صورة عقلية زائفة تتعلق بمدى خوفنا من التغيير، محاولة نقنع ذواتنا بأن هناك شيئا واحدا فقط نبرع فيه، لكن ما يحدث هو نوع من المناورة الغاية في الذكاء، كسل متنكر يحاول منعنا عن التقدم، في كتابها "المنظومة العقلية: السايكولوجيا الجديدة للنجاح" ترى دويك(7) أن أصحاب المنظومات العقلية الثابتة يميلون بشكل أكبر إلى تجنب التحديات، فالعالم بالنسبة لهم هو: "إما أنني ذكي وموهوب كفاية لتعلم العزف على العود، وإما أنني لست ذكيا كفاية لفعل ذلك"، تلك الأفكار تدعونا للتقوقع حول ما نملك من قدرات محدودة، بل وتدفعنا للخوف من الدخول إلى نطاقات جديدة، ليس فقط لأننا لا نعرف، بل لأننا نتصور أن قدراتنا العقلية هي أهم شيء في حياتنا، بمعنى أوضح، يجب أن نظهر دائما بمظهر الأذكياء.

    

     
أضف إلى ذلك أنه قد ظهر أن هؤلاء المؤمنين بفكرة الشغف الثابت المحدد والمعروف سابقا، حسب دراسة أخرى(8) صدرت قبل عدة أعوام من قسم علم النفس بجامعة ميتشجن، يميلون بشكل أكبر للبحث في وظائفهم عن المتع اللحظية والسريعة وليس المتع المستقبلية الأكثر أهمية، بمعنى أنهم يقعون بسهولة في أسر وظائف قد تبدو أكثر إمتاعا للوهلة الأولى لكنها لا تقدم على المدى الطويل أجرا جيدا أو فرصة أكبر للتطوير، أما أصحاب المنظومات العقلية التي تؤمن بالنمو فكانوا يعطون الأولوية للوظائف التي تطوّر من مستوياتهم المهنية، الاجتماعية، والمادية كذلك.


بل ويتطور الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، فمع معتقدات كتلك يتلقى أصحاب المنظومات العقلية الثابتة النقد بصعوبة، فهم يعرفون أنه لا مجال لتطوير قدراتهم العقلية والمعرفية، بالتالي فإن النقد الموجه لهم هو نقد لجوهرهم، لما هم عليه، هنا يشعر الواحد منّا بالتهديد الدائم من وجود من هم أذكى أو أكثر موهبة منه، وتتولد بداخلنا مخاوف من الدخول لأي نطاق جديد إلا في حالة واحدة، وهي أن تكون ثمار هذا العمل واضحة، والمكسب مضمونا.


بالتالي فإننا، حسب المنظومة العقلية الخاصة بنا، نوظف كل شيء ناحية اتجاه واحد، على سبيل المثال سوف يستخدم أصحاب منظومة النمو النقد كحافز لتطور مستقبلي، لأن عقولهم بالأساس تقبل بفكرة النمو، كذلك في كل شيء آخر، ستكون البيانات التي نتحصل عليها من العالم الخارجي، أيًّا كانت، هي أداة تغذية رجعية لتثبيت قناعتنا بمحدودية قدراتنا إذا كنّا من أصحاب المنظومات العقلية الثابتة، أما منظومة قابلة للنمو فسوف تستخدم بيانات العالم الخارجي من أجل تطوير ذواتنا لمستوى أفضل.

      

الوقوع في أسر الكسل

وقوعنا في أسر المنظومات العقلية الثابتة، بحسب دويك، هو إذن إيقاف لتطور قدراتنا، لا شك أن هناك عباقرة وأذكياء في كل مكان، ولا تحاول تلك الفرضية الخاصة بها أن تقول إن كل الناس يمكن أن يكونوا أذكياء كأينشتاين، أو أن كل الناس ذوو قدرات عقلية متشابهة، في النهاية فإن الذكاء يلعب دورا واضحا في مستقبلنا، لكن غض البصر عمّا يمكن أن يتسبب به اعتقادك حول أمور كالشغف أو الذكاء أو الموهبة هو كذلك أمر ذو ضرر واضح على مستقبلك، بداية من اختيارك الدراسي ووصولا إلى وظيفتك النهائية التي ستستمر في ممارستها لباقي عمرك.

   


ترى دويك، في قفزة أخرى شاهقة تتحدى الكثير من الأفكار في عالم "الذكاء"، أن المنظومة العقلية التي تقبل النمو هي أمر يمكن تعلّمه، يمكن تحويله إلى مساقات دراسية احترافية تبدأ مع الطلبة في سن صغيرة، وقد أصبح كتاب دويك، فور ظهوره قبل نحو اثني عشر عاما، هوسا في المنظومة التعليمية البريطانية، ما أدى إلى توجيه نقد(9) (10) (11) لاذع إلى هذا النطاق البحثي، والذي استمر في النمو على مدى عدة عقود، لكنه رغم ذلك يحوي جانبا من الهشاشة العلمية، إنها الأزمة الرئيسة التي تواجهها الكثير من نطاقات علم النفس.


لكن في النهاية، فإنه في عالم يزداد تعقيدا وترابطا، بحسب أوكيف ورفاقه(12)، فإن التعامل مع الاهتمامات المتنوعة على أنها قابلة للتطوير أمر مهم لتشجيع الابتكار حيث إن هناك حاجة واسعة إلى حلول جديدة ومتعددة التخصصات، لكن أهم ما يمكن أن نستنتجه من هذا النطاق البحثي يمكن أن نجمله في اقتباس الفيلسوف والروائي الإيطالي امبورتو ايكو من كتابه "يوميات روائي ناشئ"، والذي يقول فيه: "لقد تعلمت أثناء كتابة روايتي الأولى أشياء كثيرة، أهمها أن الإلهام كلمة سيئة".


ويعني إيكو أن الحديث الذي يقدم الإبداع في العمل على أنه عرض جانبي للإلهام، الوحي، الموهبة، الشغف، هذا المركب السحري القادم من السماء، هو فقط أقرب ما يكون لكليشيه يُستخدم لأغراض الاستهلاك الصحافية وبرامج المساء الممتعة كي يصنع هالة من القوة حول العبقرية وكأنها لمحة من كون آخر، بينما في الحقيقة لا يوجد في الإبداع أكثر من الالتزام ببذل جهد منتظم على مدى زمني طويل لكي تصل إلى نتيجة عظيمة، الشغف -حسب دويك- هو شيء يمكن العمل عليه، شيء يمكن أن يبدأ صغيرا، أو حتّى عشوائيا، ثم ينمو مع الوقت والجهد فيصبح محبة حقيقية لأداء مهام متعلقة بالكتابة، الرسم، عزف الكمان، تدريس الفلسفة للأطفال. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار