انضم إلينا
اغلاق
بروباغندا التعقيم.. لماذا خلقنا عالما يعادي البكتيريا؟!

بروباغندا التعقيم.. لماذا خلقنا عالما يعادي البكتيريا؟!

  • ض
  • ض

في عام 1674 وبينما كان أنتوني فان ليفنهوك يُركّب عدسات بعضها فوق بعض للحصول على كفاءة إبصار لم يكن أي ميكروسكوب يصل إليها في ذلك الوقت، ليُمارس هوايته وفضوله باستكشاف كل صغير في جسم الإنسان كالجلد والشعر، وبينما كان يتفحص قطرة ماء على قطعة قماش؛ اكتشف عالما كاملا حقيقيا قائما بذاته! وبالرغم من أنه كان يجهل ما قد رآه -في حينها- فإن ما اكتشفه كان له أهمية عظمى في تاريخ البشرية.

 

فضول ليفنهوك الذي لا يُرى إلا بعدسة صغيرة تلتصق بعينه منح العالم بأسره بصيرة مُكبّرة ليتعرف على كائن دقيق، لا نراه بالعين المجردة، ينتشر في الهواء والماء وعلى سطح جلدك، يُسافر من قارة لأخرى بكل سهولة على متن طائرات أنت صنعتها، ولتدفع ثمن تذكرته وتُجلسه بجانبك، ليصل من قارة إلى التالية مُحمّلا بكل الأمراض المستوردة في غضون بضع ساعات! البكتيريا، الفيروسات، الفطريات، والديدان. كائنات تحيط زوايا حياتك، منها ما ينفع جهاز مناعتك، ومنها ما يستهدفه ليدمره عن طريق تخفيه في أماكن لم تكن تعتقد أنها مستعمرات مؤذية تعيش في بيتك، أو توجد في الأماكن العامة. [1] [2]

     

         

بروباغندا التعقيم!
منظفات، تطهير، تعقيم، القضاء على 99% من الجراثيم! لا تخلو أي قناة من الحملات الدعائية التي تدعو للقضاء على البكتيريا، المنافسة بين الشركات المصنعة منقطعة النظير، جميعها تُشعرنا أننا نعيش في فُقاعة كبيرة مليئة بالوحوش الصغيرة التي يجب قتلها بسرعة والقضاء على ما يقترب من 100% منها! ولكن هل كل ما يروج له صحيح؟ الجراثيم بأنواعها الكثيرة التي لا يُمكنك إطلاقا أن تتخيل أعدادها يُعد الجزء الأكبر منها مُفيدا لجهاز مناعتك، وعلى العكس، فإن عزل نفسك عن كل الجراثيم قد يُضعف مناعتك وتُصبح هشة جدا في التصدي لأبسط الأمراض، عليك أن تتعرض للجراثيم لتمرين جهازك على محاربتها وليس العكس.

         

 

في مقابلة أجراها بيل غيتس مع إد يونغ لمناقشة كتابه "I Contain Multitudes" الذي يقدم تفاؤلا واقعيا بأن معرفتنا المتنامية بالميكروبيوم البشري ستؤدي إلى فرص جديدة عظيمة لتعزيز صحتنا. كان عنوان الحلقة "عليك أن تُقَدّر الجراثيم"، يقول يونغ في كتابه:

"لقد كُنا نعتمد لفترة طويلة على هذه الكائنات، ثم خلقنا عالما مُعاديا لها رغم حاجتنا الكبيرة إليها"

 

ليس فقط في استخدام الصابون والمطهرات التي نستخدمها ولكن أيضا في المضادات الحيوية التي نستخدمها بإفراط، لقد كانت استجابة الجسم للمضادات الحيوية استجابة عبقرية، ولكننا أضعفنا هذه الاستجابة. ففي كل مرة نمنح الميكروبات هذه المضادات فنحن نقف في وجه نظامنا البيئي الميكروبي (الميكروبيوم). يُضيف يونغ:

"عندما يختفي أصدقاؤنا القدامى -الميكروبات-، سيختفي هذا الحاجز ويمكن للأنواع الأكثر خطورة أن تستغل الشواغر الإيكولوجية".[3]


أين تحتمي هذه الكائنات المجهرية؟
   

 - إسفنجة المطبخ: في دراسة شاملة تضمّنت 14 إسفنجة مطبخ غنية بالسكان الميكروبية، والتي نُشرت في التقارير العلمية، أكّد الباحثون أن الإسفنجة هي أفظع الأماكن المنزلية. وعلاوة على ذلك، يبدو أن أي محاولة تعقيم لها هي مجرد محاولة تحرير مؤقت لما فيها، والتي تعود للاستعمار من جديد بمجرد بدء عملية جديدة لغسل الأطباق. يُعلق ماركوس إيغيرت، قائد البحث:

       
"بعد مراقبة امتدت طويلا، يبدو أن أي محاولة للتعقيم هي فعلا فاشلة، بل وقد تزيد من تكاثر الجراثيم في الإسفنجة نفسها. أرى أن استبدالها بشكل أسبوعي قد يكون أفضل من تعقيمها". [4] [5]

                     

- هاتفك: هذا الجهاز الصغير الذي لا يستغني أحدنا عنه حتى في وقت قضاء حاجته في دورة المياه، وهنا تكمن الإشكالية. لطالما كان مخطط التشتيت واردا في دورات المياه، كقراءة بعض المجلات الملقاة، أو تفحص الملصقات على علبة الشامبو. ومواكبة لهذا العصر الرقمي فإن الحظ الأكبر الآن هو لملء فراغ الوقت عن طريق الهاتف، دورات المياه عموما هي مستعمرات لأنواع مختلفة من الجراثيم، فبينما أنت تنتهي وتغسل يديك بالماء والصابون ستعود لتمسك هاتفك الذي التقط كل شيء ولم يُعقم من كل ما علق به، فتوقف عن أخذ هاتفك لدورة المياه! [6]



- منشفة اليد: معظم الناس لا يقومون بغسل أيديهم لمدة كافية للقضاء على الأوساخ والجراثيم العالقة، نتيجة لذلك فإن كل ما كان عالقا في اليد سيجد مكانه للاستقرار في منشفة اليد والانتشار بسرعة بمساعدة الرطوبة والجو الدافئ. ينصح تشارليز غيربا، بروفيسور في علم الأحياء الدقيقة، بغسل مناشف اليد فورا بعد يومين من الاستخدام. [7] 

- حاملة فرشاة الأسنان: في تقرير جاء في عام 2011 وجد أن 27% من حاملات فُرش الأسنان تعتبر بيئات ومستعمرات حية للبكتيريا المُسببة للأمراض. فبينما تستخدمها أنت كل ليلة للمحافظة على أسنانك نظيفة قد تكون فرشاة الأسنان نفسها محاطة بالبكتيريا. لذا يُنصح بتخزين فرشاة الأسنان بمكان مكشوف غير مغلق، مع المحافظة على وضعية متجهة برأس الفرشاة للأعلى -عدم تركها بوضع أفقي على رف المغسلة-، ترك مسافة بين كل فرشاة وأخرى، وتعقيم حاملة فُرش الأسنان على الأقل مرة أسبوعيا. [8]

 

- أغطية الوسائد: الوسادة هي المكان الأكبر الذي يجب أن تقلق بشأنه، حيث يميل الكثير لإهمال هذه البقعة التي تلتصق بوجهك لمدة تمتد لساعات، تلتقط ما في الجو وما في بشرتك وتتخزن في قماش دافئ وبيئة رطبة تُرحب بتكاثر الجراثيم، ينصح الخبراء بغسل أغطية الوسائد مرة أسبوعيا وعدم إهمال تغيير الوسادة كلها في حال تغير لونها، فهذه إشارة إلى أنها لم تعد آمنة لبشرتك أو صحتك. [9]

  

- لوحة المفاتيح (Keyboards): إن مكتب البيت أكثر عرضة من مكتب العمل لأن يكون مستعمرة للجراثيم، حيث يتخذ الفردُ البيتَ مكانا للراحة والحرية المطلقة لأن يعمل بينما يأكل ويستخدم جهازه، ولأنه أيضا الجهاز الذي يستخدمه كل أفراد الأسرة، وإن كان هناك قط أو حيوان أليف فهذه فرصة أكبر لانتشار الجراثيم واختبائها بين المفاتيح مما يُضاعف انتشار أنواع عديدة من البكتيريا المسببة للأمراض. يُنصح بتنظيفه يوميا بالمناديل المبللة، حيث تتكاثر الجراثيم في الفراغات ما بين المفاتيح. [10]

 

- مجففة الأيدي في الحمامات العامة: وفقا لدراسة حديثة فإن مجففة الأيدي هي آخر الأماكن التي قد تود أن تستخدمها، إن هذه الأجهزة تسحب الهواء من الحمام (المليء بالبكتيريا) وتدفعة مرة واحدة على يديك! وُجد في المساحة التي تقع تحت هذه الأجهزة ما يُقارب ستين مُستعمرة، وفي بعض الحمامات وصلت إلى ما يُقارب 254 مُستعمرة! كما أن المجففة لا تُجفف الأيدي بالكامل، لذلك فإن البكتيريا تجد مكانا رطبا للاستقرار به بعد اندفاعها من المجففة. ينصح الخبراء باتباع الطريقة التقليدية لتجفيف الأيدي في الأماكن العامة عن طريق المناديل الورقية. [11] [12] [13] [14]

 

- النوادي الرياضية: من البديهي معرفة أن البكتيريا تجد وسيلة للانتقال والانتشار عن طريق لمسنا للأجسام من حولنا، وهذا ما تؤكده دراسة أُجريت على المُعدّات والآلات المختلفة الموجودة في النوادي الرياضية، لتجد أن الأوزان الحرة ومقابض الآلات تعيش عليهما مستعمرات من البكتيريا المطابقة تماما لتلك التي تنمو في دورات المياه! فإن كان النادي الذي تقصده لا يوفر لك ميزة تنظيف الآلات قبل استخدامك لها، فافعل هذا بنفسك. [15]

 

- قائمة الطعام: تقول الدراسات إن هناك بعض قوائم الطعام التي تحتوي على 100 ضعف من البكتيريا أكثر من المرحاض! فهناك عدد مهول يُمسك هذه القائمة كل يوم، لذلك يُنصح بتعقيم يديك جيدا بعد أن تطلب طبقك. [16]

 


-عربات التسوق: من الصادم أن تعرف أن مقبض عربة التسوق قد يحتوي على 11 مليونا من الكائنات المجهرية المختلفة! وفي دراسة أُجريت على بعض عربات التسوق وُجد أن البكتيريا القولونية هي الأكثر شيوعا، ويُعلّق غيربا المسؤول عن البحث: "إن البكتيريا الموجودة في عربة التسوق تفوق أعداد البكتيريا في دورة مياه المتجر! حيث إن دورات المياه تُنظّف بعكس عربات التسوق التي لا تحظى بتعقيم روتيني". [17] [18]

- الصراف الآلي: يُمكن لفيروس الإنفلونزا أن يعيش على الورقة النقدية لمدة 17 يوما! الأوراق النقدية ولوحة مفاتيح الصراف الآلي يتساويان في حجم البكتيريا التي توجد عليهما. تطمح الشركات إلى البدء بتصنيع شاشات مقاومة للبكتيريا للحد من انتشار الإنفلونزا بين المستخدمين. أفضل ما يُمكنك فعله في الوقت الراهن هو أن تستخدم القلم عوضا عن لمسها بيدك. [19] [20]

                          

شعرة تفصل بين الحرص والهَوَس!
 إن الحرص على إبقاء الأسطح نظيفة لامعة لا يجب أن يأخذ مجرى القلق والهوس والشعور بالتهديد طوال الوقت بأن هناك وحوشا غير مرئية تسبح في محيطك وتخطط لتسميمك أو قتلك! الاهتمام بالنظافة والتعقيم ضروري ما لم يتجاوز حدوده الطبيعية التي تُبقي الأجواء من حولك صحية سليمة لقضاء يومك بكل أريحية. هناك اضطراب نفسي يُسمى "الخوف من الجراثيم" (fear of germs) يرتبط هذا النوع من القلق باضطراب الوسواس القهري، وهو رهاب شائع جدا وأُصيب به الكثير من المشاهير مثل مايكل جاكسون، وميغان فوكس، وهو الخوف من التلوث والجراثيم والإصابة بالمرض.

 

أحد المسببات لهذا القلق هو رؤية أحد أفراد العائلة (الوصي أو المسن) الذي يهتم بشكل كبير بالتنظيف والتلوث والخوف من الجراثيم؛ حيث يُؤثر ذلك بسهولة على تطور هذا السلوك لباقي أفراد العائلة. وهُنا رسالة موجهة لربة المنزل، حيث إن الاعتدال ينبغي أن يكون سيد الموقف. بل ويتفق بعض المختصين على أن الشخص إذا شعر بأعراض المبالغة في تكرار التنظيف للمكان نفسه، والهوس بشراء مواد التنظيف، والخوف الشديد من فكرة مشاركة الأغراض والأشياء الشخصية مثل المنشفة أو المشط، والخوف من الجراثيم لمدة تزيد على ستة أشهر، عليه أن يتابع مع طبيب قبل أن تتطور حالته ليعيش وسواسا يُهدده ويسلبه راحته لأسباب وهمية وغير حقيقية! [21]

 

 

نترك رحم أمهاتنا بدون جراثيم، ولكننا عندما نمر عبر قناة الولادة، نبدأ بجذب مستعمرات بكتيرية كاملة. في الوقت الذي يستطيع فيه الطفل الزحف، كانت قد غطته سحابة هائلة غير مرئية من الكائنات الحية الدقيقة، مئة تريليون أو أكثر. إنها في الغالب بكتيريا، وتأتي إلينا من جميع الاتجاهات، من أشخاص آخرين، طعام، أثاث، ملابس، سيارات، مبانٍ، أشجار، حيوانات أليفة، حتى الهواء الذي نتنفسه. يتجمعون في جهازنا الهضمي وأفواهنا ويملأون الفراغات بين أسناننا، ويغطون جلدنا، ويطوّقون حناجرنا.

 

نحن يسكننا ما يصل إلى عشرة آلاف نوع من البكتيريا، أغلبها مفيد، ولا يستدعي الرعب أو الخوف الذي يتحول إلى اضطراب نفسي عند البعض والقلق من مصافحة الناس أو الوجود في صالات السينما أو الأماكن العامة! المُطهرات أو كل أدوات التعقيم وظيفتها الأساسية أن تُجنّبنا من أن نتعرض لتلك الضارة، ولكن ليس من المفيد أن يُقضى على هذا العالم الموازي الذي اعتمدنا عليه في تطوير صحتنا حتى وصلنا إلى هُنا. هذا العالم الخفي لا يحتاج إلى كل خطط الأمان التي يُروج لها، فبإمكانك أن تحيا حياة طبيعية دون أن تقضي على 99% من الجراثيم، واحرص على أن لا توفر بيئة مناسبة للمستعمرات التي قد تتحول إلى عدو خفي! 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار