انضم إلينا
اغلاق
ثقافة الطعام الإسبانية تطيل العمر.. هل لها جذور عربية؟

ثقافة الطعام الإسبانية تطيل العمر.. هل لها جذور عربية؟

  • ض
  • ض

فكرة البقاء على قيد الحياة آسرة، فأي نصيحة أو معلومة مُذَيّلة بأنها تُطيل العمر فهي كفيلة بأن تقبض على كامل انتباهنا، ولكن الأمر لم يعُد مُجرد نصيحة؛ بل تخطى حدود النصح ليستند إلى دراسات تُثبت -فعلا- أن اتباع خطوات مُعينة واجتناب أُخرى كفيل بأن يُطيل العمر. كشفت دراسة نُشرت مؤخرا أن إسبانيا ستكون موطنا للناس الأطول عمرا، ويعود هذا للثقافة الغذائية في إسبانيا. فعلى ماذا تعتمد هذه الثقافة؟

 

وفقا لمعهد التقييم والقياسات الصحية في سياتل، الولايات الأميركية، فإن السمنة تُعد التهديد الأكبر للصحة وطول العمر، ويليها ارتفاع ضغط الدم والسكر في الدم، والتدخين وشرب الكحول. وما تفعله إسبانيا بامتياز هو احتواء نظامها الغذائي على حميات جيدة تحتوي على الكثير من الخضار والفواكه التي تتمتع إسبانيا بقوة إنتاجية ضخمة لهذين الصنفين. وبسبب إنتاجها القوي؛ فإن هذه الأصناف ليست حكرا على فئة مُعينة من الناس، ولا تعتمد على المستوى المادي للفرد، فكلها أصناف في متناول الجميع. كانت اليابان في السنوات السابقة هي المُتربعة على عرش الصدارة بمتوسط عمر لسكانها يصل إلى 85.7 وهو الأعلى على مستوى كوكب الأرض. ولكن إسبانيا سلبت التاج وأرجعت اليابان للخلف قليلا بمتوسط عمر للإسبان يصل إلى 85.8 بحلول 2040 وفقا لما نشرته مجلة لانسيت الطبية على الإنترنت.(1) 

          

                       

هل للحكومات دور في حل المشاكل الصحية؟
في تصريح للدكتور كريستوفر موراي، وهو مدير معهد التقييم والقياسات الصحية في جامعة واشنطن، يقول: "أرى أن أفضل وأسوأ نتائج للسيناريوهات المطروحة يُمكن تفاديها في حال تدخلت الحكومات في نص بعض القوانين المُتعلقة بالتدخين، وتحسين إمدادات المياه النظيفة، وتقليل السمنة أو الحد من تلوث الهواء". واستكمالا لهذه النُقطة، فقد نُشرت دراسة سابقة تُوضح الخطر الذي تُسببه الوجبات السريعة، بعيدا عن السمنة التي هي بالضرورة نتاج حتمي لهذه الوجبات، ولكن الدراسة كانت تتمحور حول قابلية الجسم لإدمان بعض المكونات التي تحتويها هذه الوجبات والتي تتماثل تماما مع المخدرات، من ناحية امتصاص الجسم لها، وتفاعله معها، وردة فعله بانقطاعها.(2)

         

الباحثون الذين أشرفوا على هذه الدراسة تساءلوا عن دور الحكومة أيضا في هذا الشأن، فإن كان الخطر جليا وواضحا، بل وندفع ثمنه مالا وصحة، كيف لا تتخذ الحكومات موقفا في منع استخدام بعض المواد في هذه الوجبات؟ قالت إيريكا شولت، الأستاذة في علم النفس بجامعة ميشيغان، في بيان لها: "إذا ارتبط تناول بعض الأطعمة التي لها خصائص إدمانية بإدمان بعض الناس على تناولها، فقد يؤثر هذا على إرشادات التغذية، بالإضافة إلى مبادرات السياسة العامة مثل تسويق هذه الأطعمة للأطفال". رُبما هذا ما يُثقل خطى بعض الحكومات تجاه تغير كبير كهذا.(3)

                 

                     

كيف تفوّقت إسبانيا؟
فرناندو دي لا فوينتي الذي يُدير محلا صغيرا للخضار والفواكه منذ 47 عاما والذي يبلغ من العمر الآن 61 سنة يقول بأنه لم يُفاجأ حين علم أن الباحثين يقولون بأن النظام الغذائي في إسبانيا هو من أحد الأسباب التي جعلت الإسبان الأطول عمرا، ويُعلق على هذا قائلا:(4)
  
   
"أن يخلو النظام الغذائي الإسباني من حصة يومية كبيرة من الخضار والفواكه هو شيء يصعب تصوره!"

يرى كونسويلو بوراس، وهو محاضر في علم وظائف الفسيولوجيا في جامعة فالنسيا، أن أسلوب الحياة أهم عامل في ارتفاع متوسط العمر المتوقع. ويُضيف:

"إن إسبانيا، وغيرها من بلدان البحر الأبيض المتوسط الأخرى، تُقدّر حقا ثراء الروابط الأسرية وأهميتها. ليس هذا السبب الوحيد ولا الشيء الأكثر أهمية، ولكني أعتقد أنها معادلة تُشبه المُكافأة: إذا كنت تعيش بشكل جيد، فستعيش لفترة أطول"

     
   

   

ويرى أيضا أن العوامل الجينية الوراثية تلعب دورا مهما في إطالة العمر، ولكنه يقول حتى وإن لم تكن تتمتع بهذه الجينات التي تُطيل عمرك فإن نمط حياتك كفيل بالتعويض. يقول الباحثون أيضا إن نظام الرعاية الصحية المجانية الشامل في إسبانيا يساعد الناس على العيش لفترة أطول من البلدان الأخرى، ولكنهم يرون أيضا أن الثقافة الغذائية في البلاد، ناهيك بوفرة إنتاجها، تُعد العامل الأول الذي سيجعل الإسبان الأطول عُمرا.(5)

        

2040 تحمل الكثير!
في الدراسة المتخصصة بحساب متوسط العمر لكل دولة في العالم، والتي يبلغ مجموعها 195 دولة مع كل الأقاليم، لم يقدم الفريق توقعات بالنسبة لمتوسط العمر المتوقع والنتائج الصحية المحتملة فحسب، بل أيضا بأفضل وأسوأ سيناريوهات الحالات. ويقول الفريق إنه من المرجح أن تشهد جميع البلدان زيادة طفيفة في متوسط العمر المتوقع، ولكن الارتفاع سيكون أبطأ من ذي قبل. ومن المرجح أيضا أن تتقدم المملكة البريطانية مع زيادة العمر المتوقع من 80.8 سنة في 2016 إلى 83.3 سنة في 2040.
         

كذلك من المتوقع أن يكون متوسط العمر للدول التي صُنّفت في المرتبة الدنيا -تصاعديا- كالتالي: ليسوتو في الجنوب الأفريقي بمتوسط عمر 57.3 سنة، جمهورية أفريقيا الوسطى بمتوسط عمر 58.4 سنة، زيمبابوي تُسجل 61.3 سنة، وأخيرا الصومال بمتوسط عمر 63.6 سنة في 2040. ويحذر فريق الدراسة من أن احتمالية عودة فيروس الإيدز ستزيد مع انخفاض متوسط الأعمار المُتوقعة.

 


       

وبالنظر إلى كل هذه المُعطيات فإن التميز ليس في الإسبان لأنهم إسبان، ولكن النظام الغذائي المذكور والرعاية الصحية يمكن توفيرها واتباعها كفرد بغض النظر عن حدود الدولة التي تقطنها، القليل من الخضار والفواكه والقليل من الأسماك واللحوم والقليل من كل شيء، والكثير من الروابط الأسرية، إلى جانب الأصدقاء، كفيل بأن يُهيئ لك نمطا سليما يجعل جسدك قادرا على الاستمرار بصحة جيدة لعمر أطول. وإن كُنا نرى غياب الحكومات عن التدخل الذي يُفيدنا كمجتمع كبير كنَصّ بعض القوانين التي تحد من التدخين، أو التضييق على بعض محلات الوجبات السريعة وإلزامها باستبدال بعض المكونات التي تضر الجسد وتقوده للإدمان -تماما كالمُخدرات-؛ فلا يجب أن يغيب عن ذهننا مُصطلح "الرقابة الذاتية".

                         

تعزيز الرقابة الذاتية ينبع من داخل الفرد الذي يرى نفسه مسؤولا عن هذا الجسد الذي يُساعده على القيام والعمل والجري واستكمال كافة ما تستلزمه الحياة من البشر. غياب بعض العوامل التي تُهيئ الوصول للهدف الأكبر لا يعني -بالضرورة- غياب الهدف ككل. ففكرة البقاء على قيد الحياة لفترة أطول -فعلا- فكرة آسرة تستحق بذل بعض الجهد، ولكن البقاء طويلا دون صحة لا يستحق الجهد. وكما قيل قبلا إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء، فنحن نرى هُنا أن الدراسات أكّدت أن الصحة -حقيقة- تاج على رؤوس بعض الشعوب التي رفعت تاجها على رأس المجتمع كاملا وأطالت متوسط عمره!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار