هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"كراش كورس".. حينما يكون المساق أفضل من الكتاب!

"كراش كورس".. حينما يكون المساق أفضل من الكتاب!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

بحلول العام 2010 بدا وأن العالم يتجهز لحقبة جديدة تماما فيما يتعلق بالشأن التعليمي، قبل هذا التاريخ بأربعة أعوام كان سلمان خان، المواطن الأميركي ذو الأصول الهندية البنغالية، قد أنشأ ما نعرفه حاليا باسم "أكاديمية خان"، وخلالها قدّم أكثر من ألفي مقطع فيديو تعليمي لخدمة طلاب المدارس، بدأت الفكرة لأن خان كان يُدرّس الرياضيات لابنة عمه نادية عبر الإنترنت، مع تقدم مستوى نادية طالب الأصدقاء والأقارب بالمساعدة الدراسية، فرفع الدروس إلى موقع يوتيوب كي يستفيد الجميع منها.

لم يكن أحد ليتخيل ذلك، لاقت تلك الفيديوهات القصيرة شعبية واسعة، بحلول عام 2011 جلبت الأكاديمية لدروسها القصيرة أكثر من 45 مليون مشاهد، ما لفت انتباه رؤوس الأموال، والمؤسسات التعليمية بكافة أنواعها، لهذا النشاط الحديث نسبيا. في تلك الفترة كانت غوغل قد بدأت مبادرة جديدة من نوعها، لم تنجح فيما بعد، لإعطاء المنصة قدرا ضخما من الإنتاج الأصيل، تضمنت إنشاء 100 قناة على يوتيوب بغرض تقديم أفكار جديدة ومختلفة، في تلك النقطة يظهر في الصورة الأخوان جرين (جون وبراين) لبدء نشاط تعليمي ظهر تحت اسم "كراش كورس" (Crash Course)، إحدى أهم قنوات يوتيوب حاليا.



خلال السنوات الثمانية السابقة حدث ما يمكن أن نسمّيه بـ "مفردة تعليمية" على الإنترنت، تطورت المنصات التعليمية بسرعة وجودة غير مسبوقة، وتدخّلت أكبر الجامعات للمساهمة في هذا الزحف الجديد خشية أن يأتي يوم ويفقد التعليم بصورته المعروفة أناقته أمام الطلبة، وجدت "كراش كورس" في خضم ذلك كله قبولا واسعا بالنسبة لطبيعة المادة التي تقدمها، من المعروف أن الفيديوهات القصيرة، غير المرتبطة بسلسلة أو مساق، والتي تقدم مادة مدببة في عناوينها، سوف تجتذب الجمهور بسرعة وكثافة مليونية، لكن بالنسبة لقناة مساقات كان الأمر مغامرة ناجحة، بحلول نهاية 2018 لاقت القناة ما يقترب من مليار مشاهدة، في نحو 40 مساقا فقط، نتحدث هنا عن دولة صغيرة تلتف بالكامل حول هدف واحد وهو خلق مجتمع يهتم بالتعليم.

سر الخلطة
 هناك في الحقيقة أسباب عدة تقف خلف هذا النجاح الذي حققته قناة "كراش كورس" في هذا المجال، دعنا نبدأ من مدة الحلقة الواحدة، والتي تدور دائما حول عشر دقائق فقط. نحن نعرف أن العلامة الأساسية التي تلاحظها في أي مساق مقدم عبر الإنترنت هي الفارق الشاسع بين عدد مشاهدات الحلقة الأولى والحلقة الأخيرة، في الكثير من الأحيان يتخطّى ذلك حاجز 90% من المشاهدات، لكن في "كراش كورس" لن تجد ذلك واضحا، في مساق الفلك الذي يقدمه فيل بلايت، على سبيل المثال، كان عدد من شاهدوا الحلقة الأخيرة هو نصف عدد من شاهدوا الحلقات الأولى.

ذلك لأن عشر دقائق للحلقة الواحدة هي مدة سحرية، يمكن لشخص عادي أن يتحملها ويتقبل تكرارها لمدة 47 مرة، قد يمل قليلا مع اقتراب النهاية، وتصبح الدقائق ثقيلة شيئا فشيئا، لكن مدة الحلقة القصيرة تقاوم ذلك الملل، تدفعك للتحمل من أجل أن تتم مهمتك بنجاح، لكن على الرغم من ذلك فهناك فارق كبير بين أن تصنع مساقا يتكون من 7 محاضرات مدة ساعة للواحدة منها، وآخر يحتوي على المادة نفسها للمدة نفسها لكن بعدد 42 محاضرة، وهو أنك ستضطر لبذل الكثير من الجهد كي تخلق قصّة لكل حلقة منها، وهذا هو ما نجحت "كراش كورس" في فعله، حيث تمتلك كل حلقة، بدرجة ما، حكاية خاصة بها، وعنوانا رئيسا تتفرع الحلقة لخدمة موضوعه، ويمكن أن تشاهد كلًّا منها بشكل منفصل أثناء البحث عن معلومات بعينها.
   


هنا يتدخل الأخوان جرين، المقدمان الأساسيان للقناة، ليحققا درجة عالية من الحرفية في صناعة المساقات، عبر فكرة ذكية تتضمن خطّي عمل، بجانب اللهجة الساخرة الممتعة التي يستخدمها كلٌّ منهما في تقديم المادة المعرفية، الأول هو العمل على استخدام أكبر قدر ممكن من الكلمات البسيطة للتعبير عن المفاهيم المعقدة في أثناء شرحها، والثاني هو تحدي ذكاء المشاهد بحيث يشعر بالفخر في نهاية كل حلقة، فقد أنجز الكثير وتعلم أشياء معقدة ويمكن له أن يتعلم المزيد، تلك الخلطة السحرية تتمكن دائما من لفت انتباه المشاهدين.

من جهة أخرى فإن إحدى مزايا مساقات "كراش كورس" هي درجة التقسيم الواسعة داخل الحلقة الواحدة، فلا تمر دقيقة إلى ثلاث دقائق إلا وهناك شيء جديد للحديث عنه، يساعدك ذلك على تحمل الوقت لأنه ينقل تركيزك من نقطة إلى أخرى مثيرة للاهتمام، كما يعمل مقدمو الحلقات بشكل دائم على إدخال فقرة أو اثنتين ذات آلية تقديم مختلفة لدفع الملل، كل تلك الأسباب مع تصميم واجهة رائعة للحلقات هي ما تسبب في إقبال كبير ناحية مساقات "كراش كورس".

لماذا "كراش كورس" أفضل من الكتب؟
 تستهدف قناة "كراش كورس" ما يُسمى بطلبة التعيين المتقدم (Advanced Placement)، وهي برامج تعليمية تقدم مناھج وامتحانات على مستوى الکلیة لطلاب المدارس الثانویة، ما يجعل منها مصدرا مثاليا لراغبي الدخول إلى مجال بعينه وفتح الأبواب الأولى الأساسية والمهمة فيه، بمعنى أوضح، لو افترضنا أنك الآن طالب بكلية الهندسة، لكن لسبب ما تود أن تتعلم عن التحرير الجيني وآلياته الحديثة البديعة، يتطلب ذلك أن تبدأ بدراسة البيولوجيا الأساسية قبل الدخول إلى عالم البيولوجيا الجزيئية ثم التحرير الجيني.

إذا قررت خوض تلك الرحلة عبر الكتب فقط، خاصة كتب العلم الشعبي، فإن الأمر سيكون معقدا حقا، لعدة أسباب أهمها هو أنك لا تمتلك منهجية احترافية للتقدم شيئا فشيئا، تعمل "كراش كورس" على تقديم منهج شامل يتقدم حسب خطة مرسومة جيدا تأخذك من نقطة إلى أخرى، وهي ليست معقدة لدرجة جامعية ولا مبسطة بدرجة المرحلة الثانية، بذلك تقدم "كراش كورس" لك المرحلة المثالية للدراسة، تلك التي تقع بينهما.



ما يميز هذا الفريق إذن، بجانب قدرته البديعة الكوميدية على تقديم المعلومة، وكذلك المحتوى شديد الإتقان والتنظيم والدقة، هو أنه لا يقدم ذلك كله على طريقة الوثائقيات التي غالبا ما تستلزم الكثير من المؤثرات والحكايات التاريخية أو غير التاريخية بحيث تتمكّن من تمرير المعارف لأكبر قدر ممكن من الناس دون ملل لكنها في أثناء ذلك تفقد جزءا من القدرة على التعبير عما يعنيه هذا المجال المعرفي، أما هانك وفريق عمله فقادرون دائما على الوقوف عند حد فاصل بين الفصل الدراسي، والفيلم الوثائقي.

بالتالي يمكن لنا أن نقول، في تلك النقطة، إن إتمام مساق واحد فقط من تلك السلسلة، لتكن "تاريخ العالم"، يعني إتمام قراءة أكثر من كتاب. في المعدل ينطق الشخص الطبيعي ما يصل إلى 11 ألف كلمة في الساعة الواحدة، ونتحدث هنا عن شخص طبيعي وليس هانك جرين، ما يعني أنك خلال مدة المساق كله تستمع إلى ما مقداره كتابان كاملان من الكلمات، بغض النظر عن الآليات التوضيحية الرائعة التي يقدمها المساق والتي تساعد فيما لا تستطيع الكتب أن تقدمه، وهو تقديم عشرات المفاهيم والمعاني الإضافية عبرها أو فقط عبر لغة جسد المقدم وطريقة تقديمة للمعلومة.

من جهة أخرى فإن استقبال المعلومات بعدة طرق، السمع والمشاهدة والمشاركة بتدوين الملاحظات، بالطبع بجانب المشاركة الفعّالة مع مجتمع يهتم بالتعلم، عبر التعليقات أو وسائل التواصل الاجتماعي، يعطي للمساقات قوّة لا تساويها أبدا القراءة في كتاب، لذلك يمكن القول، بدرجة واسعة من الثقة، إنه لتعلّم تاريخ العالم بشكل مبسّط، أو أساسات البيولوجيا أو علم النفس، فإن ما تقدمه قناة "كراش كورس" هو لا شك أفضل مقدمة ممكنة كبديل للكتب.



أما بالنسبة لحاجز اللغة، فتلك ميزة إضافية، معظم مساقات "كراش كورس" مترجمة للعربية، كل ما تحتاج إليه هو فقط أن تُغيّر إعدادات الترجمة أسفل الفيديو، لكن على الرغم من ذلك، إذا وددت استخدام المساقات كأداة للتعلّم، فإن اللغة هي أمر لا يمكن تجاوزه إلا بتعلمها، للأسف لن تجد الكثير من المحتوى العربي القوي والرصين. حاليا، لتعلم العلوم، وأخذ محاضرات مهمة في الموضوعات التي تحبها، يجب أن تتعلم اللغة الإنجليزية وتتقنها. فيما بعد، وخلال السنوات القادمة، يمكن أن نجد محتوى عربيا أكثر قوة، خاصة بعد ثورة معرفية نشهدها حاليا، لكن حتّى تحين تلك اللحظة، لا توجد حلول أخرى.

ترشيحات بخمسة مساقات من السلسلة
 في تلك النقطة من حديثنا معا دعنا نقوم بترشيح مجموعة من أفضل ما قدمت هذه القناة، ولنبدأ بمساق علم النفس (Crash Course Psychology)، يقدمه هانك جرين، في 40 حلقة مدة الواحدة تتراوح حول عشر دقائق، مع تقديم مبسط لأهم موضوعات علم النفس، متضمنا مقدمة مبسطة للعلوم العصبية، ويمكن لك الاستزادة في ذلك الجزء من حلقات الجهاز العصبي المبسطة بمساق آخر بالقناة نفسها يقدمه هانك غرين أيضا، إنه مساق (Anatomy and Physiology Crash Course)، يتنقل المساق بك في الموضوعات الرئيسية لعلم النفس كالذكاء، الشخصية، الحس، الإدراك، الذاكرة، الوعي، النوم، الاضطرابات المزاجية، اللغة، نمو المعرفة، الذكاء، إلخ، مع تلك الموضوعات يمكن أن تحقق مقدمة جيدة للغاية، ثم إن أثار أي منها انتباهك يمكن لك أن تنطلق للبحث خلف هذا الموضوع بعينه، بذلك تضعك القناة على الطريق.


كان مساق علم النفس هو أول ترشيحاتنا نظرا لأهميته الشديدة، ذلك لأنه من النادر، إلى الآن، أن تجد مصدرا يقدم أساسات علم النفس بتلك الطريقة الرائعة والبسيطة والمُمنهجة ولمن لا يقدرون على الدخول في التعقيدات مباشرة، وللسبب نفسه سيكون ترشيحنا الثاني للفلسفة (Crash Course Philosophy)، المساق دسم بالنسبة لمبتدئ من الصفر، ويعرض للكثير من الموضوعات الرئيسية التي تناقشها الفلسفة، لكن ذلك لا يمنعه أن يكون بسيطا، بل وقد لا تواجه أي صعوبات تُذكر في أثناء خوضه. كسابقه، يقدم المساق المفاتيح الرئيسية للدخول إلى الفلسفة كطالب، يساعدك ذلك في تنظيم أفكارك فيما بعد، ويسهّل عليك طريق البحث داخل الفلسفة نفسها، لأنك بالفعل على درجة من الدراية بصورة العالم.


من جهة أخرى يُعد مساق علم الفلك ضمن السلسلة (Crash Course Astronomy) هو علامة مميزة للسلسلة جميعا، يقدمه فيل بلايت، أحد أشهر مبسطي علم الفلك بالنسبة لمجتمع التواصل الاجتماعي، خطة المساق دقيقة ويقدم ما يمكن أن يمثل مرجعا رئيسا في علم الفلك لكل مبتدئ، يبدأ المساق من تعريفك بما يعنيه الرصد ثم يبدأ مجموعة من الحلقات لشرح المجموعة الشمسية، ثم النجوم، ثم عالم المجرات والكونيات الواسع، في 46 حلقة يمكن أن تنهي ما مقداره كتابان في علم الفلك، مع صور ممتعة وتصميمات غاية في الذكاء، أضف إلى ذلك أن تعاقد "فيل بلايت" مع "كراش كورس" كان مفاجأة ممتعة جدا لكل محبي علم الفلك في العالم.



بالنسبة لتاريخ العالم، ربما لا يعرف الكثيرون أن هذا المساق تحديدا قد تم تقديمه باللغة العربية عبر تعاون بين "كراش كورس" و"دويتش فيلة" (DW)، لا نقصد هنا أنه تمت ترجمة المساق للعربية، ولكن قدمه ياسر أبو معيلق للمشاهدين العرب، يبدأ المساق من الإنسان البدائي، قبل التاريخ، لكنه ينتقل سريعا إلى الحضارات القديمة المعروفة، ثم يتنقل بين الأحداث التاريخية المهمة وصولا إلى الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب الباردة، ثم العولمة.
    


المساق هو أحد أهم مصادر المبتدئين في التاريخ على يوتيوب، وكان سببا رئيسيا في شهرة القناة، في النسخة الإنجليزية يقدمه جون جرين، وقد شاهده أكثر من 50 مليون شخص حول العالم، أتبعه جون كذلك بآخر عن التاريخ الكبير (Crash Course Big History) يعتبر، بشكل أو بآخر، مكملا له، حيث يعرض التاريخ من اللحظة التي بدأ الكون فيها وصولا إلى اللحظة الحالية، لكنه يركز بشكل أكبر على ما أوصلنا إلى عتبة الحضارة، على عكس سابقه، هذا النطاق الجديد ممتع جدا وسيجذب انتباهك لا شك لأنه يتنقل بين مجموعة من العلوم بجانب السرد التاريخي، بداية من البيئة إلى البيولوجيا.

أخيرا، فإن أحد المجالات المهمة التي لا تجد قبولا واسعا في أوساط المهتمين بالعلوم هو الإحصاء، يواجه هذا المجال حالة سوء فهم واحدة واضحة مع العامة، وهي الاعتقاد الخاطئ أنه يتطلب مهارة حسابية كبيرة مُمِلَّة، وأنه، نتيجة لذلك، مجال جاف وممل يخلو من الخيال أو الإبداع أو الإثارة، وذلك غير صحيح، خاصة حينما يُقدّم عبر سلسلة "كراش كورس" (Crash Course Statistics)، التي تهتم بالأساس بشرح المفاهيم الإحصائية بعيدا عن البرود المعروف، المساق بسيط، لكنه دسم بالطبع، لكن على الرغم من ذلك ستخرج منه بوجهة نظر مختلفة عن هذا العالم، وستدرك كيف أن الإحصاء يدخل في كل شيء بحياتك.


بالطبع هناك المزيد من المساقات الرائعة والمهمة من تلك السلسلة، لا يمكن أن ننسى مثلا مساقي علم الاجتماع وتاريخ العلم، وكلاهما -على غرار مساق علم النفس- مقدمات مهمة لن تجد لها مثيلا على أي منصة أخرى، لذلك فإن "كراش كورس" هي نقاط انطلاق سحرية نحو فهم مبتدئ للكثير من العلوم، سواء كنت متخصصا، أو ترغب في التخصص، أو حتّى من محبي التعرف على كل شيء (Jack of all trades)، جولة في مساقات القناة لعدة أشهر أشبه بالتجول في جنبات موسوعة مهولة، هذا كنز لا يمكن أن تفوّته.

نأمل ألا تملّ "كراش كورس" من تقديم مساقاتها المهمة للغاية والممتعة، نأمل كذلك أن تظهر الكثير من المساقات المشابهة بمقدمين عرب، سواء عبر "كراش كورس" وغيرها، نحن في عصر الرقمنة، وأهم مزايا هذا العصر هي التواصل الفائق والإتاحة، بحيث أصبح من الممكن أن تتعلم ما يُقدم للطلبة في أرقى جامعات العالم بينما تجلس على المكتب في منزلك، لهذا السبب فإنها فرصتك لتتعلم ما أحببته يوما ما، خصّص ليوتيوب جانبا رئيسيا من وقتك بجانب القراءة، ستختلف حياتك تماما خلال سنوات قليلة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار