انضم إلينا
اغلاق
قد يتسبب بموتهم.. لماذا يكذب المرضى على أطبائهم؟

قد يتسبب بموتهم.. لماذا يكذب المرضى على أطبائهم؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
في إحدى حلقاته، يقول الدكتور "هاوس"، وهو شخصية عقلانية باردة غاية في الغرابة لا يمكن بسهولة أن تقع في حبها أو تكرهها، إن "إحدى الحقائق الأساسية المرتبطة بالحالة البشرية هي أن كل الناس يكذبون، المتغير الوحيد هو (حول ماذا)". كان صديقنا الساخر، في الحقيقة، محقا بدرجة ما في تصوراته حول المرضى، فرغم أن أشهر المشاهد في المسلسلات الطبية، كـ "اي آر"، "جرايز أناتومي"، "جود دوكتور"، هي تلك اللحظة التي يختلف فيها فريق العمل، في المستشفى، حول إخبار المريض بالمعلومات الدقيقة الكاملة حول وضعه الصحي، والتي قد تؤثر بدورها على قرار يتضمن مستقبله مع الحياة أو الموت، فإن كذب المرضى على أطبائهم قد يؤدي إلى الموت كذلك.
  


لكن النقطة الأهم، والتي نود تأملها، تتعلق بنسبة المرضى الذين يخفون معلومات غاية في الأهمية عن أطبائهم، فحسب دراسة جديدة(1) من عدة جامعات أميركية مشتركة، منشورة في الدورية الطبية الشهيرة "جاما" (Jama)، هناك 60-80% من المرضى يفعلون ذلك، قد تكون تلك مفاجأة بالنسبة لك، لكن المفاجأة، بحد تعبير أندريا ليفي، الكاتبة الرئيسية لتلك الدراسة، في حوارها مع محرر "ميدان"، لم تكن في تلك النسبة، فالباحثون والأطباء يعرفون ذلك بدرجة ما، بل كانت في أن "الناس يحجبون معلومات عن أشياء عادية، مثل عدم فهم تعليمات الطبيب"، ولهذا السبب -بحد تعبير ليفي- أبدت تلك المجموعة البحثية اهتماما أكبر بكذب المريض حول معلومات أكثر حساسية، مثل تعاطي المخدرات وإصابته بالاكتئاب والميل للانتحار على سبيل المثال.

حالات حرجة

أما المشكلة الأكثر وضوحا، بشكل قليل ولكنه جوهري، فكانت ذات علاقة بأن الحالات المزمنة، وأسوأ حالات تلك العيّنة، والتي ضمت مجموعتين(3) ضمت الأولى 2،011 مشاركا بلغ متوسط أعمارهم 36 عاما، والثانية 2499 مشاركا كان متوسط أعمارهم 61 عاما، كانوا أكثر احتمالا -دون غيرهم- لحجب المعلومات عن أطبائهم، مما يشير إلى أن المرضى الذين هم في أشد الحاجة إلى رعاية صحية عالية الجودة قد يكونون أكثر عرضة للخطر.

يكذب المرضى كما يكذب أي شخص، فنحن في المجمل نكذب نحو 7-8 مرات في اليوم، وللأسباب نفسها تقريبا، على سبيل المثال، في استقصاء(3) ليفي ورفاقها، عندما سُئل الناس عن السبب في عدم شفافيتهم مع الأطباء، قال معظمهم إنهم يريدون تجنب الحكم عليهم، لا يريدون أن يُتهموا بالإهمال، كذلك فإن أكثر من نصفهم كانوا ببساطة مُحرجين من قول الحقيقة، يكذب المرضى لأنهم لا يريدون أن يعطيهم الطبيب محاضرة أخلاقية في دواعي الالتزام بالتمارين الرياضية أو الحمية الغذائية من أجل مستقبلهم مع مرض مزمن ما، فهم يعرفون ذلك بالفعل، لكنهم -فقط- لا يتمكّنون بسهولة من الالتزام، كذلك لا يحب الناس أن يراهم أحد كأغبياء، لذلك قد يدّعي المريض أنه فهم كامل تعليمات الطبيب، بينما لم يفعل.

 


"التحرّج" هو بالفعل أحد أكثر الأسباب التي تدفع المرضى للكذب على أطبائهم، لهذا قد يمتنع المريض عن إخبار طبيبه معلومات حول مرضه النفسي والأدوية التي يتلقاها، هنا قد يصف الطبيب دواء يتعارض مع تلك الأدوية التي لا يعرف بوجودها، وفي الكثير من الأحيان يكذب المريض حول التزامه بالجرعات المحددة في الدواء الموصوف له، يريد المريض أن يظهر أمام طبيبه كإنسان جيد وذكي وإيجابي، لكن ذلك قد يؤدي بدوره إلى مجموعة من الكوارث، خذ مثلا تلك الحالة التي يدّعي المريض فيها أنه يلتزم بالدواء بينما هو مهمل للغاية، هنا يضطر الطبيب لرفع الجرعة ظنًّا أنها لا تأتي بالتأثير المطلوب، إذا حدث والتزم المريض بالجرعة الجديدة فإن ذلك قد يكون خطرا على صحته، تقول ليفي: "هناك العديد من السيناريوهات الخطيرة المحتملة مثل هذه التي يمكن أن تنتج عن عدم كشف المريض عن المعلومات للطبيب".
  

لماذا يكذب المرضى؟

هناك، في الحقيقة، أسباب أخرى كثيرة للكذب، على سبيل المثال(4) كشفت دراسة من هيئة "الاتجاهات الوطنية للمعلومات الصحية" (Health Information National Trends Survey (HINTS)) أن 12.3٪ من المرضى أبلغوا عن حجب معلومات عن طبيبهم بسبب قلقهم على أمن وسرية سجلاتهم الطبية، في الكثير من البلاد العربية قد تجد بالفعل أن إحدى المشكلات هو أن تكون هناك روابط معرفة سابقة للطبيب بأهل المريض أو أصدقائه أو المحيطين به، ما قد يدفع المريض للخوف من انتشار أسراره المرضية بين الناس، خاصة في الحالات الغاية في الحساسية، كالأمراض التناسلية.

من جهة أخرى فإن أشهر أكاذيب مرضى السرطان، على سبيل المثال لا الحصر، هي تلك المتعلقة بلجوئهم للطب البديل، أو ربما عالم الدجل والشعوذة، إلى آخر ذلك الخط الطويل الممتد، أملا في علاج لمرض غاية في القسوة والقدرة على طحن المريض، والمحيطين به، نفسيا على مدى زمني واسع، وهو قد يسمح بتسرب مواد ضارة لحمياتهم الغذائية دون علم الأطباء، سبب الكذب هنا هو -ببساطة- حرج المرضى من الظهور أمام الطبيب مثل الجهلة.

يكذب المرضى كذلك لأسباب متعلقة برغباتهم(5) في الحصول على دواء بعينه، في الحالات النفسية والعصبية على سبيل المثال، قد يُخطر المريض طبيبه بأنه لا ينام، لا لأن ذلك يحدث بالفعل، ولكن لأنه قد بدأ بالفعل في إدمان أحد المنومات وبات من الصعب عليه التخلص منها، كذلك الحال بالنسبة للكثير من الأدوية المسكّنة ذات الخصائص المخدرة، أما في حالات التأمين الصحي، فقد يكذب المرضى في وصف أعراضهم للحصول على أدوية مجانية.


أضف إلى ذلك أن الأمر قد يتعلق بالحالة الاقتصادية للمريض، فقد يكون من خلفية فقيرة ولا يتمكّن بسهولة من شراء الأدوية، لكنه قد يكذب على طبيبه حول التزامه بالدواء خشية أن يصل إلى النقطة التي يقول فيها إن مستواه المادي لا يسمح بشرائه وهو أمر قد يتسبب في حرج شديد لدى المرضى، في تلك النقطة يأتي دور الطبيب الذي يجب أن يهتم بكشف الأكاذيب قدر إمكانه، ويبدأ ذلك ببحث محل إقامة المريض، فإن كان من منطقة فقيرة يجب أن يضع الطبيب هذه المعلومة محل اهتمام في أثناء كتابة الوصفة الطبية.

جهاز كشف الكذب

"نعرف أن الناس يميلون إلى حجب المعلومات عن الأطباء"، تقول ليفي، في أثناء حوارها مع محرر "ميدان"، مستكملة أن "جميع كُتّاب هذه الدراسة هم مرضى كذلك، وهم يدركون أن هذا صحيح بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالمعلومات الحساسة، والكثير من الأمور التي يحتاج إليها الأطباء من المرضى تكون كذلك"، لذلك فإن الوضع هنا معقد، خاصة لأن المرضى يريدون أن يحبهم أطباؤهم، تقول ليفي: "لكن من المهم للغاية بالنسبة للأطباء الحصول على معلومات دقيقة من مرضاهم، حتى يتمكّنوا من إجراء التشخيص الدقيق وإعطاء التوصيات المناسبة".

لهذا السبب يمكن للأطباء أن يستخدموا المعلومات الموضوعية(6) لتقييم إجابات المرضى، فالأرقام -كما نقول في أحاديثنا الدارجة- لا يمكن أن تكذب، إذا كنت طبيبا وأخبرك المريض أنه ملتزم بالحمية الغذائية، فإن ذلك الادعاء يمكن تكذيبه عبر قياس الوزن، كذلك في حالات الضغط، والسكري، وأمراض القلب، وغيرها من الأمراض التي يمكن للتحاليل والفحوص والقياسات المعيارية أن تكشف كذب المريض فيها، أضف إلى هذا أن "التاريخ المرضي" الخاص بالمريض قد يساعد في فحص كذبه حول الالتزام بالتعليمات الطبية.

      

ما الذي يمكن أن يفعله الأطباء لجعل المرضى أكثر استعدادا للكشف عن معلومات غير مريحة؟

رويترز
   

كذلك فإن للكذب علامات(7) كثيرة، يتداولها الأطباء بينهم كمحاولة لكشف أكاذيب المرضى، كي يتمكّنوا من مساعدتهم على أكمل وجه، إحدى تلك العلامات هي سرعة الإجابة، فحينما تسأل مريضك إن كان يتمرن أو لا فإنه سوف يجيب بسرعة إن كان بالفعل يفعل ذلك بانتظام، وقد يتلعثم قليلا حينما يكون غير ملتزم بالفعل، كذلك فإن إحدى أشهر علامات كذب المرضى هي أنه -في أثناء الكذب- لا يحافظ الأخير على اتصال بصري مع الطبيب، لكن تلك هي فقط محاولات لاصطياد الكذب، قد تنجح وقد تفشل، أما أهم شيء فهو دائما يرتبط بشكل العلاقة بين الطبيب والمريض.
  

شارع ذو اتجاهين

في النهاية فإن تلك المشكلة تمتد إلى مستوى عميق للغاية، قد يكون من المفاجئ لك أن تعرف أن(8) 50% من مرضى الأمراض المزمنة لا يلتزمون بتعليمات الطبيب حول جرعاتهم أو نمط حياتهم. على المستوى الشخصي، والصحّة العامة كذلك، فإن ذلك مكلّف للغاية. على سبيل المثال، 30% من مجمل الحالات المرضية التي أُحيلت للمستشفيات كانت بسبب عدم التزامها بالتعليمات منزليا، لفهم الفكرة تأمل الفارق بين نسب الوفاة أو فشل الجراحة في حالة نقل الكُلية إلى نوعين من المرضى، الملتزمين بالدواء (كانت 18%)، وغير الملتزمين (كانت 91%)!
    

  

لذلك فإن "كذب المرضى" ليس فقط مشكلة "المرضى"، لكنه أيضا مشكلة متخصصي الرعاية الصحية، في تلك النقطة تأمل ليفي ورفاقها أن تكرر دراسة هذه المشكلة بصور مختلفة لا تتضمن استقصاء فقط، ولكن أيضا التحدث مع المرضى مباشرة بعد لقاءاتهم مع الأطباء، يمكن أن تساعد المقابلات الشخصية على تحديد العوامل الأخرى التي تؤثر على التفاعلات بين الأطباء والمرضى. على سبيل المثال، تسأل ليفي، هل المرضى أكثر انفتاحا مع الأطباء الذين كانوا على علاقة بهم على مدى سنوات؟ هل هناك طريقة لتدريب الأطباء على مساعدة مرضاهم على الشعور براحة أكبر؟ هل يجب أن نثقف المرضى حول العواقب المحتملة للكذب في المعلومات عن حالاتهم الصحّية؟
  

"نريد استكشاف ما يمكن فعله لمعالجة هذا الأمر، ما الذي يمكن أن يفعله الأطباء لجعل المرضى أكثر استعدادا للكشف عن معلومات غير مريحة؟" تقول ليفي مضيفة: "كما هو الحال في أي علاقة، فإنه على كلا الطرفين العمل على إنجاحها"، في النهاية فإن التنبه لشكل العلاقة بين الطبيب والمريض هو نقطة غاية في الأهمية لا نراها تُثار كثيرا في أحاديثنا اليومية، أو حتّى في البرامج الطبية المُقدمة في فترة الظهيرة، يتصور البعض أنها علاقة ذات اتجاه واحد يأمر الطبيب المريض خلالها بالالتزام فيلتزم، لكن ذلك لا يحدث، إن تطوير تلك العلاقة لتصبح، بحد تعبير ليفي في نهاية حديثها مع محرر "ميدان"، "شارعا ذا اتجاهين"، لهو بداية صحيحة لتجنب الكثير من المشكلات.

قبل نحو ألفي وخمسمئة سنة قال(9) أبقراط في مجمل نصائحة لممارسي الطب: "كن حذرا من كذب المرضى حول التزامهم بالوصفة الطبية الخاصة بهم"، في الحقيقة فإن تاريخ البحث حول أكاذيب المرضى ضارب في القدم، وأهمية ذلك، بالنسبة للأطباء، وباحثي هذا المجال على حد سواء، لا تتطلب توضيحا، قد يكون الكذب مفيدا في الحياة العادية حينما تخبر زوجتك بأنك لم تنس عيد الميلاد لكنك نسيت الهدية في السيّارة بالأسفل، ثم تنزل لتشتريها سريعا، أما الكذب مع الأطباء فقد يكون ضارا لصحتك، بل وربما قاتلا في بعض الأحيان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار