هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
دراسة اجتماعية.. لماذا تهرب الفتيات من كليات الهندسة والحاسب؟

دراسة اجتماعية.. لماذا تهرب الفتيات من كليات الهندسة والحاسب؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

دعنا نفترض أنك من حي فقير يشتهر بأن سكانه من الأطفال والشباب هم من ذوي التقديرات الدراسية الضعيفة، ولدت وترعرعت هناك، ثم شاءت الأقدار أن تحصل على منحة ما للدراسة في معهد مرموق يشتهر بأن أغنياء وأذكياء الدولة يدرسون فيه، ومع انتظامك في الدراسة يوما بعد يوم بدأت في التنبه إلى أن من حولك يتوقعون أن تفشل بحكم انتمائك لفئة معينة، لكن، هل هذا النوع من الضغط قادر بالفعل على التأثير في درجات ثقتك، وتحصيلك، ورغباتك في تطوير مستواك الأكاديمي بهذا المعهد؟

  

لكي نفهم مدى تعقد الإجابة على هذا السؤال دعنا نبدأ من دراسة هامة1 نُشرت قبل عام تقريبا في محاولة لرصد السبب في أن النساء أكثر احتمالا بمقدار مرة ونصف لترك خططهم بالانضمام إلى برنامج "ستيم2 STEM" الخاص بتعليم مكثف وتكاملي للعلوم، التيكنولوجيا، الهندسة، والرياضيات، من الرجال، لكن الفكرة هنا ليست في دراسة اختلاف القدرات الرياضياتية للرجال عن النساء، بل في قابلية كل منهما للإهتمام بدراسة مساقات التفاضل والتكامل والانتقال منها إلى مستوى متقدم، والذي بدوره يرشحهما للدراسة بنظام STEM.

  

الرياضيات، الهندسة، والثقة بالنفس

ضمت التجربة دراسة لحالة 2266 متطوعا، وكانت المهمة هي استقصاء رغباتهم في الاستمرار بدراسة التفاضل والتكامل المتقدم قبل، وبعد، مساق التفاضل والتكامل الأولي، ثم بعد سنة كاملة نسأل نفس المجموعة إن كانت بالفعل قد اجتازت مساق التفاضل والتكامل المتقدم، وخلال ذلك كله يقوم الفريق البحثي برصد درجات تحمس الطلبة للاستمرار في الدراسة، والأسباب التي أعطاها كل منهم حينما قرر الاستمرار في المساقات أو التخلّي عنها.

  

   

هنا تظهر النتائج لتقول إنه رغم أن الطلبة من الأولاد والبنات قد تقاربت نسب المهتمين منهم بالعلوم في مراحل التعليم الأولى، إلا أن هناك فجوة تطورت شيئا فشيئا خلال الفترة قبل المرحلة الجامعية، وبينما قررت الفتيات بنسبة أكثر بـ 50% التخلي عن نواياها لاستكمال برنامج STEM، نجحت الفتيات اللاتي استمررن في مساقات التفاضل والتكامل المتقدمة والمؤهلة للبرنامج بنسب مقاربة لزملائهن من الأولاد، ما يعني أن المشكلة كانت بالأساس، وهو ما بينته الإجابات على استقصاءات التجربة، هي أن الفتيات قد فقدن الثقة في قدراتهن الرياضياتية قبل حتّى3 أن تخضن الاختبارات.

   

تنقلنا نتائج تلك الدراسة إلى تقرير هام صدر في 2002 تم تمويله ودعمه من قبل مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية National Science Foundation. يشير التقرير4، حسب آليات تحليل لبيانات الفتيات الراغبات أو غير الراغبات في الاستمرار للعمل في مهن هندسية، إلى أن انسحاب النساء من دراسة الهندسة لا يرجع بالأساس إلى قدراتهن على الخوض في تلك المجالات، ولكن لضعف ثقتهن في أنفسهن فقط، مع عدة معايير أخرى مشابهة، بل يضيف التقرير أن مسألة ثقة المرأة في قدراتها لأداء مهام في الرياضيات، والعلوم، والهندسة، تمتد في المجتمعات الحديثة إلى ما هو أعمق من ذلك الحد لتشمل حالة قناعة عامة لديهن، وطالب التقرير مراعاة ذلك البعد مستقبلا في تهيئة المؤسسات التعليمية العلمية والهندسية والرياضياتية للفتيات، لكن هنا يمكن لنا أن نتوقف لنسأل: لماذا يحدث ذلك كله؟

   

نعرف الآن أن أحد أهم الأسباب الرئيسية التي تتدخل لشرح تلك المشكلة المتعلقة بتصور مسبق لتلك الفتيات عن قدراتهن الرياضياتية هو ما نسميه "تهديد الصورة النمطية5 Stereotype threat"، وهو ميل مجموعة بعينها من البشر إلى تأكيد فكرة المجتمع عنها، فمثلا كون المجتمع ينظر للفتاة على أنها ليست مؤهلة لدراسة الرياضيات أو العلوم يدفع بها إلى التوتر والخوف في أثناء محاولتها لدراسة تلك الموضوعات، فتفقد الثقة في ذاتها وتفشل فعلا مؤكدة لصورة المجتمع عنها، لكن ذلك بالأساس لم تكن له علاقة بقدراتها.

  

تهديد الصورة النمطية
المشكلة الأساسية التي تواجه الفتيات في الاقبال على تعلم الهندسة، الرياضيات، والعلوم، هي أزمة الثقة بالنفس (مواقع التواصل)

  

يمكن لنا الرجوع بتلك الفكرة إلى التسعينيات6 عندما قام ستيفن سبينسر من جامعة ولاية أوهايو بدراسة تأثير تهديد الصورة النمطية على طالبات وطلبة من نفس المستوى الدراسي، حيث تم إخبار الفتيات بأن هذا الاختبار في الرياضيات هدفه هو توضيح درجة الفارق بين الذكر والأنثى في القدرات الرياضياتية، فحققت الفتيات نتائج منخفضة للغاية، لكن حينما تم إخبارهن أنه اختبار معتاد لا علاقة له بذلك سجلن نتائج مساوية لأقرانهن من الطلبة الذكور، علما أن التجارب أعطت نفس النتائج حينما تم تطبيقها على عيّنات خاصة (طلبة من مستوى واحد محدد) أو عامة.

 

من جهة أخرى، فإن تلك الظاهرة تتفشى، ليس فقط في حالة الفروق الجندرية، وإنما أيضا في الفروق الاجتماعية بين الأعراق، خذ مثلا تلك التجارب7 من قسم علم النفس الاجتماعي بجامعة كاليفورنيا، حيث تم اخضاع مجموعات مختارة من الطلبة من أصل إفريقي وأخرى من أصل أوروبي ذات درجات متساوية في امتحانات الـ SAT8، لاختبار في الرياضيات، لكن تم تقسيم المجموعات على حسب الهدف من الاختبار، إنه نفس الاختبار، لكن تلك المجموعة من السود، والتي تم إخبارها أن الاختبار يقيس درجة قدراتهم الإدراكية حققت نتائج أقل كثيرا من تلك التي تم إخبارها أنه اختبار عادي في تخصصهم.

    

أضف إلى ذلك كله أن هناك بعض العوامل الأخرى الهامة التي ربما تتدخل لتقييم فقدان الفتيات للثقة في ذواتهن، فمثلا تفشل النساء بدرجة أكبر في حالات التنافس مع الرجال بينما تنجح بدرجة أكبر حينما لا توجد أية منافسات، دعنا نعرّض9 مجموعتين منفصلتين من النساء والرجال لاختبار بسيط، وهو إخضاعهم لحل مجموعة من ألغاز المتاهات، ومع كل متاهة سوف يحصل المتسابق على مبلغ مالي، في تلك التجارب يقل الفارق الجندري بوضوح، لكن حينما تدخل تلك الفتيات في ما يشبه "البطولة" المشتركة مع الرجال بحيث يحصل الفائز فيها على مبلغ من المال، يسجل الرجال نجاحا بفارق أكثر وضوحا في حالات المنافسة.

 

من المؤسف أن تظن ابنتك الصغيرة ذات السنوات الخمس أنها أقل ذكاء من زميل لها في الفصل، بينما تبذل هي جهدا دراسيا ربما أكبر منه

مواقع التواصل
    

وعلى مدى سنوات عدة، وخلال أكثر من 300 دراسة10، أشارت التجارب إلى أن تأثير تهديد الصورة النمطية على الفئات التي تحمل صورة نمطية سلبية عن ذواتها (الفتيات نموذجا) كان واضحا، ومتناسبا بشكل طردي كلما قمنا بتحديد النطاق الخاص بهدف هذا الاختبار،  بداية من المتاهات، مرورا بالرياضيات، وحتّى الشطرنج، حيث أحرزت الفتيات اللائي دخلن مباريات شطرنج قيل لهن إنها ضد لاعبين من الأولاد درجات سيئة في نتائجهن، بينما أحرزت المجموعة التي قيل لها إن المتباري معها هو فتاه مثلها على درجات أعلى، في مجموعات من نفس المستوى، بينما هو نفس الشخص.

    

هل الرجال أكثر ذكاء من النساء؟

بل ربما يمتد الأمر لما هو أعمق من ذلك، فمثلا نشر تحليل تلوي عابر للدول تابع للجمعية الأميركية لعلم النفس قبل عدة سنوات11 في محاولة لرصد الفجوة بين الذكور والإناث من الأعمار 14 و15 و16 سنة في 69 دولة، بمجمل حوالي 500 ألف حالة، إلى أن المشكلة الأساسية التي تواجه الفتيات في الإقبال على تعلم الهندسة، الرياضيات، والعلوم، هي أزمة الثقة بالنفس، في المقابل حصلت الفتيات اللاتي اجتزن تلك المساقات على درجات قريبة من رفاقهن الأولاد، لكن ما نود أن نشير إليه هو أن هناك كذلك ترابطا قد ظهر بوضوح بين آداء فتيات بعض الدول في مساقات العلوم والرياضيات والهندسة وأحوال المرأة السياسية والاقتصادية في نفس الدول، وظهرت علاقة بين الدول التي احتلت المرأة فيها مناصب بحثية أو بحثية سياسية هامة ومدى إقبال الفتيات على تعلم العلوم والرياضيات والهندسة فيها.

   

والتحليل التلوي12 Meta-analysis هو عملية تطبيق للآليات الإحصائية من أجل دراسة نتائج عدة دراسات قد تكون متوافقة أو متضادة مع بعضها البعض، من أجل تحديد اتجاه واحد واضح لتلك المجموعة من الدراسات، ويفيد هذا النوع من الآليات العلمية في تعميم النتائج لعدد أكبر من العيّنات الخاضعة للتجارب، وكذلك في تحسين دقة تلك النتائج وربطها بشكل أفضل بالفرضيات التي وضعناها، وبالطبع في الوقاية من تحيز تجربة بعينها لنتائج مسبقة، لذلك يفيد كثيرا في العلوم الطبية، والنفسية، والاجتماعية، تلك التي تواجه مشكلة في احتياجها لعدد ضخم من العينات البشرية من أجل بناء نظرياتها، خاصة مع طبيعة نتائجها الإحصائية.

    

في المقابل من ذلك، مازالت هناك حالة جدل مصاحبة لمشكلة الفروق في القدرات العقلية بين الذكور والإناث من بني البشر، وكنّا في تقرير سابق بعنوان13 "هل الرجال أكثر ذكاء من النساء؟" وضحنا أن ما يمكن أن نؤكد عليه من وجهة نظر علمية هو أن تصنيف المخ إلى ذكر وأنثى، أي جنوسة الدماغ، هو ادعاء غير علمي بالمرة، وما تشير إليه الدراسات  الأخيرة أنه في حالة الرجال نرصد دائما درجة أعلى من التنوع في النتائج، في القدرات الجسدية والعقلية، فمثلا يقع المتوسط لنتائج اختبارات الذكاء في الرجال والنساء في نفس النقطة، إلا أن الرجال أكثر تمثيلا في المناطق على جانبي الشكل الجرسي الشهير لوصف البيانات، تلك المناطق التي تعبر فقط عن نسب قليلة للغاية من البشر بطبيعة الأحوال.

  

الصورة التي يضعها المجتمع عن الفتيات اللائي يدرسن الهندسة في العالم العربي التي تصورهن كرجال هي أحد أهم الأسباب التي تدفع بالفتيات إلى فقدان الثقة في قدراتهن

مواقع التواصل 
    

والمشكلة التي نواجهها عالميا، وعربيا على وجه الخصوص، هو أن انسحاب الطلبة في العموم من مجالات العلوم والرياضيات والهندسة يؤثر في القوى العاملة في المجال التيكنولوجي، وتخلق تلك الفجوة الخاصة بثقة الفتيات بذواتهن مشكلة إضافية بهذا الصدد، لذلك ينصح المتخصصون في هذا المجال البحثي التابع لنطاق علم النفس الإجتماعي الآباء والأمهات، وكذلك المؤسسات التعليمية أيضا، قائلين إن هناك ضرورة لتشجيع الفتيات وإعطائهن صورة إيجابية عن ذواتهن في هذه المجالات، خاصة وأن البحث العلمي14 في هذا المجال يشير إلى أن الفتيات اللائي تم اخبارهن قبل الاختبار أنه "لا اختلاف بينها وبين رفاقها من الأولاد" قد أحرزن تقدما ملحوظا في القدرة على آداء مهام تتعلق بالرياضيات، الهندسة، العلوم، والتيكنولوجيا.

      

راقب مثلا تلك الصورة التي يضعها المجتمع عن الفتيات اللائي يدرسن الهندسة في العالم العربي، راقب انتشار المنشورات الهزلية على وسائل التواصل الاجتماعي والتي تسخر من فتيات يدرسن الرياضيات والعلوم وتصورهن كرجال طالما قررن الدخول إلى مجالات كتلك، هذا النمط من التصورات ينتشر عالميا، وليس عربيا فقط، ويُتَصور، حسب ما عرضناه من دراسات داخل كيان بحثي آخذ يوما بعد يوم في التأكيد على نتائجه، أن ذلك هو أحد أهم الأسباب التي تدفع بالفتيات إلى فقدان الثقة في قدراتهن بتلك المواد، أو، ما هو أعقد وأسوأ، اعتبار أن الرياضيات، الهندسة، العلوم، والتيكنولوجيا، هيا مجالات للرجال فقط !  

    

من المؤسف حقا أن تسود في بعض المجتمعات، على مستوى العالم، صورة تقول إن ابنتك الصغيرة، ذات السنوات الخمس، أقل ذكاء من زميل لها في الفصل، بينما تبذل هي جهدا دراسيا ربما أكبر منه، بينما تستذكر دروسها بحماس، لكنه حماس يمكن أن ينطفئ يوما ما بسبب تلك الصورة المجتمعية عنها، وهي صورة لا علاقة لها بقدرات ابنتك الحقيقية، بل هي نوع من القيود المجتمعية المفروضة عليها لا لشيء إلا لأنها خرجت للعالم لتجد أن الناس يقولون: "تلك هي طبيعة الأمور"، فقط.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار