انضم إلينا
اغلاق
علم النفس: توترك قد يؤثر سلبا على جينات أولادك

علم النفس: توترك قد يؤثر سلبا على جينات أولادك

  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
لطالما اعتدنا مناقشة التوتر من منظور علم النفس وأثره على الصحة النفسية وحتى الجسدية من خلال نظريات مختلفة لعلم النفس وضمن إطار الاضطرابات النفسية، لكن تخيل أن التوتر له أثر مباشر على صحتك الجسدية وحتى أنه يؤثر في جيناتك. إن للتوتر أثر كبير على حياتنا سواء كان إيجابياً أم سلبياً حيث يمكن لهذا الأثر أن يصل لأبنائنا.

     

نص التقرير
كنت أبلغ الثلاثين من العمر عندما عانيت من أول تسممٍ غذائي في حياتي؛ كنت محظوظاً بشكل عام، ولكني عانيت في لحظتها. وجدت نفسي عاجزاً تماماً عن تثبيت أركان حياتي المتزعزعة ـ لم يعد لدي جَلَدٌ على القراءة والكتابة، وشعرت بضعف شديد من أن أقوم بأي مجهود جسدي فلم أمارس الرياضة وحتى التأمل. سرعان ما تزايد أثر هذا العجز المؤقت على ذهني وجسدي إلى مستوى جديد من الألم والمعاناة تتمثل في تجربة عميقة من التوتر والضغط النفسي. حتى عندما واسيت نفسي بقراءة السيرة الذاتية المذهلة بشكل استثنائي عن التسمم الغذائي لنابوكوف، لم أستطع أن أزيح الشعور بالضيق الشديد عن كاهلي. بطريقةٍ ما، طغى المرض الجسدي على واقع حياتي النفسية والوجدانية.

    

بطبيعة الحال، إن هذه التجربة شائعة جداً؛ إذ أنه قبل زمن طويل من بدء العلماء في إلقاء الضوء على كيفية تأثير عقولنا وأجسادنا على بعضها البعض، ظهر فهم بديهي لهذا الحوار بين الجسد والعواطف أو المشاعر، وتغلغل بلغتنا؛ فنستخدم "أشعر بالمرض" أو "أشعر بالإعياء" للتعبير عن مشاعر وأعراض مختلفة بما في ذلك الأعراض الحسية كالحمى والتعب والغثيان، أو أعراض الضيق النفسي المنسوجة من العواطف مثل الحزن والفتور واللامبالاة.

    

ظلت فكرة أن عواطفنا تؤثر على صحتنا الجسدية من المحرمات العلمية، إلى أن بادر الطبيب والفيزيائي "هانز سيلي" في طرح مفهوم "الضغط النفسي" أو "التوتر" كما نعرفه اليوم

مواقع التواصل
    

في الواقع، أدرك الطب القديم هذه العلاقة بين المرض والعاطفة لآلاف السنين. قام كل من الأطباء اليونانيين والرومان وأطباء الأيورفيدا -هي منظومة من تعاليم الطب التقليدي التي نشأت في شبه القارة الهندية كشكل من أشكال الطب البديل- الهنود الأقدمين بتجسيد مذهب الأخلاط الأربعة في ممارساتهم العلاجية. وهذا المذهب عبارة عن نظام طبي مفصل لتركيب وعمل الجسم البشري حيث أن وجود فائض أو نقص في أي من الأربعة عناصر المتميزة -السوائل الجسدية المعروفة باسم المزاجات أو الأخلاط- في شخص ما يؤثر مباشرة على مزاجه وصحته؛ والمزاجات الأربعة هي الصفراء السوداء، والبلغم والدم. اعتقد الأطباء القدماء أن الاختلالات في هذه الإفرازات الأربعة المرئية للجسم تسبب المرض وغالباً ما كانت العواطف هي السبب وراء هذه الاختلالات. إن هذه المعتقدات محفورة في لغتنا الحالية - فكلمة "الملنخوليا" melancholy -أو مرض السوداء أو الاكتئاب- مشتقة من اللاتينية حيث تعني "melan" الأسود، و"choler" المرارة الصفراء. ونرى الشخص المكتئب على أنه كئيب أو سوداوي ويشعر بالمرارة، أما الشخص "البلغمي" phlegmatic أو اللامبالي فهو شخص فاتر غير عاطفي حيث أن البلغم يتسبب بالخمول واللامبالاة.

   

جاء الفيلسوف والرياضي الفرنسي رينيه ديكارت في القرن السابع عشر، وأخذ على عاتقه التخلص من الخرافات التي غذّت الحروب الدينية في ذلك العصر من خلال زرع بذور العقلانية. إلا أن المبادئ ذاتها التي أرست أسس العلم الحديث -فكرة أن الحقيقة لا تأتي إلا من خلال ما يمكن تأكيده بوضوح وإثباته دون شك- قطعت هذه الصلة بين الجسد والعواطف. تم وضع تلك القوى الغامضة والعابرة خارج نطاق ما يمكن فحصه بأدوات العقلانية، واستطاع الطب الحديث اعتبارها أسساً بيولوجية حيث بدأت أدوات علم الأعصاب الحديث في فهمها في وقتٍ ليس بالبعيد.

   

على مدار ما يقرب من ثلاثة قرون، ظلت فكرة أن عواطفنا تؤثر على صحتنا الجسدية من المحرمات العلمية. أوجد سعي ديكارت لمحاربة مبدأ ما مبدأً آخر دون قصد، والذي بدأنا مؤخراً فقط في التخلص منه. حدث ذلك في الخمسينيات فقط، حيث بادر الطبيب والفيزيائي النمساوي الكندي هانز سيلي في طرح مفهوم "الضغط النفسي" أو "التوتر" كما نعرفه اليوم، مما جذب انتباه المجتمع العلمي إلى تأثيرات الضغط النفسي على الصحة البدنية وتعميم المفهوم حول العالم. بالإضافة إلى تفانيه العلمي، فهم سيلي أهمية عنصر العلامة التجارية لأي حركة ناجحة وعمل بلا كلل لتضمين الكلمة نفسها في القواميس في جميع أنحاء العالم؛ وفي وقتنا الحاضر، قد تكون "الضغط النفسي" أو "التوتر" هي الكلمة الأكثر تشابهاً في اللفظ في عدد كبير من اللغات الرئيسية.

   

ولكن لم يقم أي باحث بعملٍ يضاهي عمل الدكتوراة إيستر ستيرنبيرغ بإلقاء الضوء على الخيوط غير المرئية التي تنسج العقل والجسم معاً. يستكشف عملها الرائد على العلاقة بين الجهاز العصبي المركزي والجهاز المناعي كيف يمكن للجزيئات المناعية التي تصنع في الدم أن تؤدي إلى وظيفة دماغية تؤثر تأثيراً عميقاً على مشاعرنا، وقد أحدث ثورة في فهمنا للكيان المتكامل الذي نطلق عليه اسم الذات البشرية. في كتابها المتعمق "التوافق الداخلي: العلم يربط بين الصحة والمشاعر" The Balance Within: The Science Connecting Health and Emotions، تدرس ستيرنبيرغ التفاعل بين عواطفنا وصحتنا الجسدية، التي توسطها ما بدا غامضا في ذلك الوقت، حيث اتضح أنها تجربة ملموسة بشكل ملحوظ تسمى الضغط النفسي أو التوتر.

   

    

نظرًا لتطوّر الطب الحديث في البيولوجيا الخلوية والجزيئية، والذي أتاح قياس مدى تأثير نظامنا العصبي وهرموناتنا على قابليتنا للإصابة بأمراض مختلفة مثل الاكتئاب والتهاب المفاصل والإيدز ومتلازمة التعب المزمن، كتبت ستيرنبيرغ: من خلال تحليل هؤلاء المركبات الوسيطة الكيميائية، يمكننا البدء في فهم الأسس البيولوجية لكيفية تأثير العواطف على الأمراض.

    

اتضح أن نفس الأجزاء التي تتحكم في الاستجابة للضغط النفسي أو التوتر، تلعب دوراً هاماً في القابلية للإصابة بالأمراض الالتهابية -مثل التهاب المفاصل- ومقاومتها. وبما أن هذه الأجزاء من الدماغ تلعب أيضاً دوراً في الاكتئاب، فيمكننا أن نفهم سبب كون العديد من المرضى الذين يعانون من أمراض التهابية قد يعانون أيضاً من الاكتئاب في أوقات مختلفة في حياتهم ... بدلاً من رؤية النفسية كمصدر لهذه الأمراض، نكتشف أنه على الرغم من أن المشاعر لا تسبب المرض أو تشفيه مباشرة،إلا أن الآليات البيولوجية الكامنة وراءه قد تسبب المرض أو تسهم في التسبب فيه. وبالتالي ، فإن العديد من المسارات والجزيئات العصبية التي تقوم عليها كل من الاستجابات النفسية والأمراض الالتهابية هي نفسها؛ مما يجعل القابلية أو الاستعداد للإصابة بمجموعة معينة من الأمراض التي أن تسير على الأرجح جنباً إلى جنب مع القابلية أو الاستعداد للإصابة بالمرض الآخر.

  

يجب إعادة صياغة الأسئلة، والتساؤل بالتالي عن أي من المكونات العديدة التي تعمل معاً على تكوين العواطف تؤثر أيضاً على كوكبة من الأنشطة البيولوجية والاستجابات المناعية، التي تجتمع لمحاربة المرض أو إحداثه. فبدلاً من السؤال ما إذا كانت الأفكار المحبطة المسببة للكآبة يمكن أن تسبب مرضاً للجسم، نحتاج إلى السؤال ما هي الجزيئات والمسارات العصبية التي تسبب الأفكار المحبطة؛ ومن ثم يتعين علينا السؤال ما إذا كانت هذه الأفكار تؤثر على الخلايا والجزيئات التي تسبب المرض.

    

حتى أننا بدأنا في تحديد كيفية وصول الذكريات العاطفية إلى أجزاء الدماغ التي تتحكم في استجابة التوترالهرموني، وكيف يمكن أن تؤثر هذه المشاعر في النهاية على عمل الجهاز المناعي وبالتالي تؤثر على الأمراض المتباينة مثل التهاب المفاصل والسرطان. لقد بدأنا أيضاً في تحديد كيفية تأثير الإشارات من الجهاز المناعي على الدماغ والاستجابات العاطفية والجسدية التي يتحكم بها: المستقبلات الجزيئية للشعور بالمرض. في خضم كل ذلك، بدأت الحدود بين العقل والجسد بالتلاشي.

             

أصبحت ذاكرتنا من تجربة سابقة مشفرة في محفزات تعمل كمحوّلات على سكة استجابة نفسية عقلانية لتوجيه القطار القادم للتجربة الحالية صوب وجهة عاطفية معينة (رويترز)

      

في الواقع ، ربما تكون العلاقة بين الذاكرة والعاطفة والضغط النفسي أكثر الجوانب إثارة في عمل ستيرنبيرغ؛ إذ تنظر في كيفية تعاملنا مع الدوامة المستمرة من المدخلات والمخرجات بينما نسير قدماً في حياتنا في غمرةٍ من تيار من المحفزات والأحاسيس: في كل دقيقة من الليل والنهار نشعر بآلاف الأحاسيس التي قد تثير انفعالاً إيجابياً مثل السعادة، أو عاطفة سلبية مثل الحزن، أو بلا عاطفة على الإطلاق: أثر العطر، لمسة خفيفة، ظل عابر، لحن موسيقي. وهناك الآلاف من الاستجابات الفسيولوجية "الجسدية" -مثل خفقان القلب أو التعرق- التي يمكن أن تصاحب نفس العواطف الإيجابية مثل الحب، أو العواطف السلبية مثل الخوف، أو يمكن أن تحدث دون أي صبغة عاطفية على الإطلاق. ما يخلق مشاعر هذه المدخلات الحسية ومخرجات العواطف الفسيولوجية هو العبء والشحنة التي يتم إضافتهما إليهم بطريقة ما في مكان ما في أدمغتنا. تشمل العواطف بكل معنى الكلمة كل هذه المكونات؛ كل منها يمكن أن يؤدي إلى الصندوق الأسود - وهو مصطلح يستخدم في السِبرانية للدلالة على عدم معرفة النموذج الداخلي للمنظومة وطريقة عمله الداخلية- وينتج تجربة عاطفية، أو يمكن لأمرٍ ما في الصندوق الأسود أن يؤدي إلى استجابة عاطفية قد تبدو أنها آتية من الفراغ.

   

تبيّن أن الذاكرة هي أحد العوامل الرئيسية التي تتوسط الحوار بين الإحساس والتجربة العاطفية. أصبحت ذاكرتنا من تجربة سابقة مشفرةً في محفزات تعمل كمحوّلات على سكة استجابة نفسية عقلانية لتوجيه القطار القادم للتجربة الحالية صوب وجهة عاطفية معينة أو غيرها من الأحاسيس والعواطف.

    

أوضحت ستيرنبيرغ: إن المزاج غير متجانس مثل حساء الكريمة؛ بل إنه أشبه بالجبن السويسري المليء بالثقوب. المحفزات محددة للغاية، ومحاصرةٍ بمسارات مفاجئة من الذاكرة: أريج متناثر، بضع مازورات في لحن، صورة ظلية غامضة حفرت في ذكرى حزينة مدفونة عميقاً، ولكن لم تمحى تماماً. تطفو هذه المدخلات الحسية من اللحظة الاولى عبر طبقات من الزمن في أجزاء الدماغ التي تتحكم بالذاكرة، ولا  تحمل معها فقط رسائل تذكير بالمعنى، بل أيضاً مسارات للمشاعر التي كانت مرتبطة بالذاكرة منذ البداية. تصبح هذه الذكريات مرتبطة بالعواطف التي تتم معالجتها في أجزاء أخرى من الدماغ: اللوزة الدماغية للخوف، والنواة المتكئة للمتعة، وهي الأجزاء نفسها التي أطلق عليها علماء التشريح أسماءً بناء على أشكالهم. وترتبط هذه المراكز الدماغية العاطفية بالمسارات العصبية للأجزاء الحسية من الدماغ والفص الجبهي وقرن آمون أو الحُصين الواقع في الفص الصدغي الوسطي للدماغ؛ وتعتبر جميعها مراكز تنسيق التفكير والذاكرة.

          


        

يمكن أن تؤدي نفس المدخلات الحسية إلى إثارة عاطفة سلبية أو إيجابية اعتماداً على الذكريات المرتبطة بها. هذا هو المكان الذي يأتي منه الضغط النفسي، فمثلما تتوسط الذاكرة كيفية تفسيرنا لمختلف التجارب والاستجابة لها، حيث أن مجموعة معقدة من العوامل البيولوجية والنفسية تحدد كيفية استجابتنا للضغط النفسي. بعض أنواع التوتر يمكن أن تكون مُحفِّزة ومُنشِّطة للقوة الإبداعية وتستنهضنا للعمل؛ يمكن للأنواع الأخرى من الضغط النفسي أن تكون مُستنزِفة ومُضعِفة تاركةً إيانا محبطين ويائسين. وفقاً لستيرنبيرغ، يتحدد هذا الانقسام بين الضغط النفسي الجيد والسيئ من خلال البيولوجيا التي تتحكم في مشاعرنا، من خلال جرعة من هرمونات التوتر التي يفرزها الجسم استجابة لمحفزات التوتر على مر الزمن. تشرح ستيرنبيرغ الآلية العصبية البيولوجية وراء هذه الاستجابة:

    

حالما يتم الحدث المجهد -المسبب للتوتر، فإنه يؤدي إلى إطلاق سلسلة من هرمونات المهاد والغدة النخامية والغدة الكظرية في استجابة من الدماغ للضغط النفسي. كما أنه يحفز الغدد الكظرية على إطلاق الأدرينالين أو الإبينيفرين، والجهاز العصبي الودي لتوليد هرمون نورإيبنفرين الشبيه بالأدرينالين في جميع أنحاء الجسم، وهي الأعصاب التي ترسل إشارات عصبية للقلب والأمعاء والجلد. لذلك، يتم دفع القلب للخفقان بشكل أسرع ويقشعر البدن فيتوقف الشعر الناعم وتتعرق وقد تشعر بالغثيان أو الرغبة في قضاء الحاجة. لكن يتركز اهتمامك وتصبح رؤيتك واضحة تماماً وتشعر بدفقٍ من الطاقة التي تساعدك على الجري؛ حيث أن هذه المواد الكيميائية التي تطلقها الأعصاب هي ذاتها التي تعمل على جريان الدم نحو عضلاتك مما يهيئك للعدو.

   

تحدث كل هذه العملية بسرعة؛ إذا ما قمت بقياس هرمونات التوتر في الدم أو اللعاب، فستجد أنها ازدادت بالفعل خلال ثلاث دقائق من الحدث. في اختبارات علم النفس التجريبي، نجد أن لعب لعبة فيديو سريعة سيزيد من زيادة الكورتيزول اللعابي وينتقل النورإبينفرين إلى الدم الوريدي حالما تبدأ المعركة الافتراضية. ولكن إذا قمت بإطالة أمد التوتر من خلال عدم قدرتك على السيطرة عليه أو بجعله قوياً جداً أو طويل العمر، واستمرت الأعصاب والغدد بضخ هذه الهرمونات والكيماويات، فعندها تُضعفك نفس الجزيئات التي حفّزتك سابقاً.

   

يتم تحليل تأثيرات التوتر على منحنى الجرس -دالة غاوس bell curve- حيث تظهر أن بعضاً من التوتر هو أمرً جيد ولكن الكثير منه سيء؛ حيث يفرز الجهاز العصبي المزيد من هرمونات التوتر، فيرتفع الأداء، ولكن إلى حدٍ معين؛ وبعد هذا الحد يبدأ الأداء في التراجع مع استمرار تدفق الهرمونات. ما يجعل التوتر "سيئًا" هو التفاوت بين النظام العصبي ووتيرة جهاز المناعة؛ وهو ما يجعلنا أكثر عرضة للإصابة بالأمراض. توضّح ستيرنبيرغ ذلك:

          

      

يتجاوب الجهاز العصبي والاستجابة للتوتر الهرموني لمحفّز ما خلال ملي ثانية -جزء من ألف جزء من الثانية- أو ثواني أو دقائق. أما جهاز المناعة فيتجاوب خلال أجزاء من الساعات أو الأيام؛ إذ يستغرق الأمر أكثر من دقيقتين لحشد الخلايا المناعية والاستجابة للغازي، لذا فمن غير المحتمل لتوتر مفرد قصير الأمد -حتى لو كان قوياً- أن يكون له تأثيراً كبيراً على الاستجابات المناعية خلال لحظات. ومع ذلك، عندما يتحول التوتر إلى حالة مزمنة، تبدأ الدفاعات المناعية بالانخفاض. مع استمرار عمل محفّزات التوتر، يواصل الجسم ضخ هرمونات التوتر والمواد الكيميائية. إن الخلايا المناعية التي تطفو في الدم أو التي تمر عبر الطحال أو التي تنمو في الغدة الزعترية لا تتاح لها أبداً فرصة للتعافي من اندفاع الكورتيزول المستمر. وبما أن الكورتيزول يغلق استجابات الخلايا المناعية -يحولها إلى وضع صامت- فيصبح أقل قدرة على التفاعل مع المحفزات الغريبة؛ وفي سياق استمرار التوتر، نكون أقل قدرة على الدفاع والقتال عند مواجهة الغزاة الجدد. وهكذا، إذا تعرضت للإنفلونزا أو فيروسات البرد الشائعة عندما تكون متوتراً بشكل مزمن، يكون نظام المناعة لديك أقل قدرة على التفاعل مما يعني أنك أكثر عرضة لهذه العدوى.

     

إن التعرض الطويل للتوتر وخاصة لمجموعة متنوعة من الضغوطات في نفس الوقت -أي مزيج من القائمة الواسعة للأحداث الحياتية مثل الانتقال والطلاق والمطالبة بعمل وفقدان أحد الأحباء وحتى رعاية الأطفال باستمرار- يضيف حالة من الإرهاق الشديد الذي يؤدي إلى ما نسميه الإنهاك أو "الاحتراق النفسي".

   

كتبت ستيرنبيرغ عن هذا الأمر: إن الممتهنين لبعض المجالات هم أكثر عرضةً للاحتراق النفسي من غيرهم، فالعاملون في مهنة التمريض أو التعليم هم الأكثر عرضة لخطر الإصابة باحتراق نفسي وظيفي. يواجه هؤلاء المهنيون في حياتهم العملية أوضاعاً عليهم تقديم الرعاية فيها بشكلٍ يومي، غالباً مقابل أجور غير كافية، إضافةً إلى عدم توفر مساعدة كافية في وظائفهم، ومع وجود عدد كبير جداً من المرضى أو الطلاب في عهدتهم. وقد بدأت بعض الدراسات تظهر أن المرضى المصابين بالإنهاك الوظيفي قد لا يعانون فقط من الإرهاق النفسي، بل أيضا الإرهاق الجسدي المتمثل في استجابة الكورتيزول المنعدمة وعدم القدرة على الاستجابة لأي توتر حتى مع وجود طفيف من الكورتيزول. بعبارة أخرى، يمكن أن يؤدي التوتر أو الضغط النفسي المستمر بلا توقف إلى تغيير استجابة التوتر نفسها، كما ويمكنه تغيير أنظمة الهرمونات الأخرى في الجسم أيضاً.

   

تؤثر إحدى أعمق هذه التغييرات على الجهاز التناسلي؛ إذ أن التوتر المطوّل يمكن أن يوقف إفراز الهرمونات التناسلية في كل من الرجال والنساء مما يؤدي إلى انخفاض الخصوبة. لكن التأثير محفوف بالمخاطر على وجه الخصوص بالنسبة للنساء حيث تؤدي نوبات الاكتئاب المتكررة والممتدة لفترات إلى تغيّرات دائمة في بنية العظام مما يزيد من خطر الإصابة بهشاشة العظام. وبعبارة أخرى، نخزّن التوتر في عظامنا بالمعنى الحرفي للكلمة. لكن التوتر ليس وظيفة سببية مباشرة للظروف التي نعيشها؛ إن ما يضخّم أو يخفّف من تجربتنا مع التوتر هي الذاكرة. صاغت ستيرنبيرغ ذلك: إن تصورنا للتوتر واستجابتنا له بالتالي هو أمرٌ دائم التغير يعتمد إلى حد كبير على الظروف والأوضاع التي نجد أنفسنا فيها. يعتمد ذلك على الخبرة والمعرفة السابقة، وكذلك على الحدث الفعلي الذي حدث؛ وهذا يعتمد على الذاكرة أيضاً.

         

قد يؤدي التوتر المطول مثل الطلاق أو بيئة عمل عدائية أو وفاة شخص عزيز إلى إثارة عناصر من اضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية

مواقع التواصل
                 

إن أكثر المظاهر الحادة للكيفية التي تعالج بها الذاكرة التوتر الحاد هو "اضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية" أو "اضطراب ما بعد الصدمة" PTSD الذي يعاني منه الأفراد بعد تعرضهم لصدمة أو حادثٍ ما أو بعد أن يشهدوا حدثاً ما أمامهم أن يترك أثراً طويلا الأمد في ذاكرتهم وبالتالي يؤثر على صحتهم النفسية والجسدية. للحصول على أدلة مدهشة عن كيفية تشفير الذاكرة للتجارب الماضية في المحفزات والمثيرات التي تحفز التجربة الحالية، تشير ستيرنبيرغ إلى البحث الذي أجرته عالمة النفس راشيل يهودا التي وجدت أن كل من الناجين من الهولوكوست وأقاربهم من الدرجة الأولى -أي الأطفال والأشقاء- أظهروا استجابة مشابهةً للتوتر الهرموني.

   

تشير ستيرنبيرغ إلى أن هذا يمكن أن يكون مزيجاً من الطبيعة والتغذية؛ فالناجون من الآباء الشباب الذين كانت لا تزال الصدمة حديثة وحاضرة في ذاكرتهم، قد يكونوا علموا أطفالهم بطريقة لا شعورية نمط استجابة للتوتر. ولكن من المحتمل أيضاً أن تكون هذه الاستجابات التلقائية للتوتر الهرموني قد غيّرت بيولوجيا الوالدين بشكل دائم وتم نقلها عبر الحمض النووي DNA إلى أطفالهم. مرة أخرى، تشفّر الذاكرة التوتر في أجسادنا. ترى ستيرنبيرغ الآثار الأوسع نطاقاً كالتالي: لا يجب أن يكون التوتر على مستوى الحرب أو الاغتصاب لإثارة بعض عناصر "اضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية". يمكن أن تؤدي الضغوط الشائعة التي نختبرها جميعاً إلى إثارة الذاكرة العاطفية وجميع الاستجابات الجسدية "الفسيولوجية" المصاحبة لها لظرف مجهول. قد يؤدي التوتر المطول مثل الطلاق أو بيئة عمل عدائية أو نهاية العلاقة أو وفاة شخص عزيز إلى إثارة عناصر من اضطراب الكرب التالي للصدمة النفسية.

   

من بين عوامل التوتر الرئيسية التي تشمل أحداث حياتية متوقع أن تحدث مثل الطلاق ووفاة أحد الأحباء، هنالك أحداث غير متوقعة إلى حد ما، على الأقل بالنسبة لأولئك الذين لم يمروا بها سابقاً مثل الانتقال. تعتبر ستيرنبيرغ القواسم المشتركة بين أمرٍ مدمرٍ كالموت وأمرٍ عادي كالانتقال: الخسارة المتمثلة في فقدان شخص ما أو شيء مألوف هي أحد هذه العوامل بالتأكيد. الأمر الآخر هو التجديد والاستحداث والتي تعني العثور على الذات في مكان جديد وغير مألوف بسبب الخسارة. كل هذه الأمور تتغير معاً: الابتعاد عن شيء يعرفه المرء نحو شيء لا يعرفه.

   

إن البيئة غير المألوفة هي عامل توتر شامل لجميع المخلوقات تقريباً، بغض النظر عن مدى تطورها أو عدمه. في الجزء المتبقي من "التوافق الداخلي" ، تواصل ستيرنبيرغ استكشاف دور العلاقات بين الأشخاص في كل من المساهمة في التوتر وحمايتنا منه، وكيف يتغير نظام مناعتنا مزاجنا، وما يمكننا القيام به لتسخير هذه المعارف المتبصّرة في العلوم العصبية في تخفيف تجربتنا مع التوتر والضغوطات التي تتناثر في كل حياة بشرية.

 _______________________________________________________

       

مترجم عن (براين بيكنچز)

آخر الأخبار