هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
حصولك على مليون دولار لن يجعلك سعيدا.. ما السبب؟

حصولك على مليون دولار لن يجعلك سعيدا.. ما السبب؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
لنبدأ بافتراض مبهج يقول إنك قد حصلت على جائزة اليانصيب، هل تتخيل ذلك؟ فجأة، وبالمصادفة البحتة، حصلت على مليون دولار في لمحة عين، لا بد أن لك خططا كثيرة، ربما سوف تبدأ بشراء البيت الذي طالما حلمت به، السيّارة الفارهة، سوف ترتدي أفضل الملابس وتحاول أن تدخل بثقة إلى أرض الأثرياء، فتتشارك حفلاتهم، نواديهم، وأحاديثهم الجانبية، هناك العديد من الفرص المتاحة أمامك الآن، حيث لا يمكن لشيء أن يقف أمام سطوة الحصول على مبلغ ضخم من المال، المال هو السعادة، أليس كذلك؟
 

ربما بالفعل، للوهلة الأولى يبدو ذلك ادّعاء بديهيا لا يحتاج إلى التقصّي، لكنّ فريقا من جامعتي نورثويسترن وماساتشوستس كان بنهاية السبعينيات1 من القرن الفائت قد تساءل عن الفكرة نفسها بصيغة مختلفة، حيث كان التصور القائل إن "السعادة نسبية" سائدا، تلك الفكرة التي تقول إنه من المفترض أن يكون هؤلاء الذين يمتلكون حظا وافرا وحصلوا بسببه على جائزة اليانصيب أكثر سعادة من هؤلاء الذين تعرضوا لحوادث قاسية أصابتهم بالشلل، فورا بعد لحظة تغير حياتهم، لحظة الحصول على الجائزة أو الإصابة بالشلل، وكذلك على امتداد أعمارهم بعد ذلك.

     

ولكن، ما السعادة؟ إنها مفهوم غاية في الغموض، ربما أكثر غموضا من أن نمتلك أداة لقياسها، ما بالك بأداة علمية تعطي نتائج أكثر وضوحا من ثرثرة البرامج الصباحية، رغم ذلك طوّر هذا الفريق أداة غاية في البساطة تتعلق بلقاءات مباشرة مع مجموعة2 مكونة من 22 شخصا ممن حصلوا على جوائز اليانصيب، و29 آخرين أصيبوا بالشلل بعد حوادث قاسية، ولتقييم السعادة اليومية بشكل قريب إلى الموضوعية أعدّ المسؤولون عن التجربة تقييما يضم عدة عناصر تشير إلى السعادة، كالحديث مع الآخرين، مشاهدة التليفزيون، التفاعل مع النكات، قراءة مجلة، شراء الملابس.. إلخ.

     

   

كذلك كان التركيز بشكل أكبر، في تلك اللقاءات، على الأسئلة مفتوحة النهايات، فمثلا يسأل مسؤول التجربة عن نمط الحياة الخاص بكل فرد، أو أسئلة كـ "هل تعتقد أنك تستحق ما حدث؟ ولماذا؟ أو كيف؟"، "هل حدث وسألت نفسك من قبل: لماذا أنا؟"، مع محاولة لفهم ما/من يظن الشخص، سواء كان المصاب بالشلل أو الحاصل على اليانصيب، أنه السبب في تلك الحالة: هو، أم الآخرون، أم البيئة، أم المصادفة، ثم يطلب من الخاضع للتجربة أن يقيم وضع ما حدث بين أفضل وأسوأ ما حدث في حياته بالعموم، ثم بعد ذلك يطلب منهم تقييم درجات سعادتهم قبل الحدث، أيا كان، مقارنة بما هم عليه الآن، وهل يتوقعون أن يصبحوا أكثر أم أقل سعادة خلال السنوات القليلة القادمة؟

 

هنا جاءت النتائج3 لتقول إن هؤلاء الذين ربحوا اليانصيب سجّلوا درجات سعادة، بعد نحو عام من الربح، تماثل تلك التي أعطوها لأنفسهم قبل الفوز باليانصيب، مع توقعات عن مستقبل مستمر في الدرجة نفسها، أما الآخرون الذين واجهوا حوادث قاسية قد سجّلوا درجات سعادة أقل مما أعطوا أنفسهم قبل الحادثة، لكن الملاحظ أن تلك الدرجات لم تكن كبيرة بشكل واضح، خاصة عند مقارنتها بمجموعة من الأشخاص العاديين، مع ملاحظة أن هؤلاء الذين تعرضوا للحوادث القاسية أعطوا أنفسهم تصورا عن مستقبل أكثر سعادة بنفس قيمة تلك المجموعة المستخدمة للمقارنة، ما يعني في النهاية أن الفارق في درجات السعادة بين هؤلاء الذين فازوا باليانصيب والآخرين المصابين بالشلل لم يكن بالحجم المتوقع، لكن ما الذي يعنيه ذلك؟
 

التمشّي مع اللذة!

مثّلت تلك التجارب، وما تلاها من تأكيدات، دعما لفرضية سابقة، ظهرت في أوائل السبعينيات، تُدعى "نظرية مشّاية اللذة"4 (Hedonic Treadmill)، أو تكيّف اللذة (Hedonic Adaptation)، و"مشّاية" هنا تعني بالفعل تلك المشّاية الآلية التي نستخدمها للتمرن على المشي بدلا من السير في الشارع، فحينما نتمشى عليها نظل -نظريا- واقفين في النقطة نفسها، ما يعني أنه رغم أننا اضطررنا للتحرك لكننا نظل كما نحن، حتى وإن ارتفعت سرعتها فسوف نرفع سرعتنا في المقابل لكي نظل في الوضع نفسه، أي إننا نتكيف مع التغيرات بالعودة إلى نقطة الصفر.

    

  

وتعني الفرضية، بشكل أكثر وضوحا، أننا نحن البشر نميل إلى العودة شيئا فشيئا إلى مستوى ثابت من درجات السعادة بمرور الزمن بعد الحوادث، سواء كانت حوادث موجبة (الحصول على اليانصيب، ترقية، سيارة جديدة.. إلخ) والسالبة (فقدان أحدهم، فشل في العلاقات، التعرض لأزمة مالية.. إلخ) في حياتنا، فرغم ما يبدو للوهلة الأولى أنه حدث قد يغير من تلك الدرجات بفارق شاسع للاتجاه الموجب أو السالب، فإننا -مع الوقت- نعود لندور حول ذلك المستوى الثابت من السعادة، أعلى منه قليلا أو أسفل.

 

باختصار، يتحدى مفهوم مشّاية/تكيّف اللذة أفكارنا البديهية عن أن تغير الظروف قادر وحده على رفع، أو خفض، درجات سعادتنا بشكل مستمر، لكن ما يحدث بالفعل هو أننا، حسب تلك النظرية، نعود دائما إلى درجات سعادتنا السابقة، ولشرح أسباب تلك الظاهرة قام كل من كينون شيلدون (Kennon M. Sheldon) وسونجا ليبورميرسكي5 (Sonja Lyubomirsky)، قبل عدة أعوام، بإخضاع ما يقترب من 500 طالب للدراسة مدة ثلاثة أشهر، ثم وضعا نموذجا يحاول أن يشرح تلك الظاهرة ثم، بالتالي، يحاول كذلك تقديم بعض الحلول لتجاوزها.
 

تعريف مباشر للملل

لنفترض مثلا أنك حصلت على سيّارة جديدة، هنا سوف ترتفع درجات سعادتك، خاصة حينما تركبها في المرات الأولى، وتختبر سرعتها، قوة المحرك، كذلك مقاعدها الوثيرة، ونظرات الناس لك حين رؤيتها لأول مرة.. إلخ، لكن المشكلة هنا هي أنك بعد فترة تعتاد تلك الظروف الجديدة بينما ليست هناك أي قفزات موجبة إضافية في حياتك، فقط التجارب نفسها مع السيّارة نفسها، وهو ما يعيد درجات سعادتك إلى مستوياتها السابقة بالتدريج طالما ليست هناك أحداث تعطيك دفعات عاطفية موجبة.

     

  

لكن حينما يحدث أن تستمر على حمية غذائية لفترة من الزمن فيتسبب ذلك في تحسين شكل جسمك، من المفترض أن يفتح ذلك الباب كي تلتقي بقفزات موجبة جديدة بشكل مستمر، على سبيل المثال تتحسن قدراتك في الحصول على رفقة على طول الخط المستقبلي، أو يعطيك ذلك قدرة أكبر على أداء العديد من المهام الجديدة، ألا يعني ذلك أن باستمرار القفزات الموجبة يعني ارتفاعا لمنسوب السعادة؟

 

نعم، لا يعني ذلك، يجيب الباحثان6، لأن ذلك يتعلق بما نظن أنه طبيعي، فتلك المعايير الإضافية سوف ترفع من درجات طموحنا لكي نكون بشكل أفضل مما توصلنا إليه، وأن نحصل على علاقات أفضل مما تمكننا من الحصول عليها، بالتالي فإن ارتفاع درجات طموحنا، يخفّض من درجات سعادتنا إلى المستوى السابق، لأن التغير الجديد بات جزءا مما نظن أنه الطبيعي، ما يعني، في الحالتين، أننا قادرون دائما على أن نتكيف مع الأوضاع الجديدة، حدثت مرة واحدة أو استمرت في التقدم معنا، للوصول إلى درجة سعادة ثابتة.

 

بمعنى آخر، فإن حصولك على عدد ضخم من المتابعين على فيسبوك يفتح الباب لحياتك أن تستمر في التغير والحصول على إضافات موجبة، كتلك العلاقات الجديدة، ولقاءات وسائل الإعلام، وإقبال الجمهور المتزايد على كل منشور، لكن ذلك بدوره يرفع من مستوى طموحك في الحصول على المزيد، فتتطلع للحصول على علاقات مع المزيد من المشاهير، والمزيد من الانتشار والإعجابات، وأن تصل إلى 300 ألف متابع بينما ما زلت عند 150 ألفا، ما يجعل من التحديات الجديدة أهدافا جديدة، وهو ما يضع -بدوره- الإضافات الموجبة، والتي لم تكن موجودة سابقا أساسا، موضع الطبيعي.

     

  

إلى أين نسير؟

هنا يقترح كل من شيلدون وسونجا أن هناك آلية يمكن لها أن تكسر تلك الحلقة المفرغة من التكيف مع اللذة، وتعتمد تلك الآليات على أن نقوم بالعمل على "عكس" المسارين اللذين تسببا في المشكلة بالأساس، ويبدأ الحل من إضفاء طابع التنوع (Variety) على نمط حياتنا، كأن نخوض دائما تجارب جديدة، نتعلم أشياء جديدة، أن نخرج عن روتين الحياة قدر ما يسمح الأمر بذلك، وهذا التنويع في التجارب قادر على كسر اعتيادنا للأحداث والعودة إلى المستوى نفسه، فيظهر كأن هناك دائما شيئا جديدا يعطينا مشاعر موجبة بشكل مستمر، كما أن ذلك يدفع بتأثير الأحداث الموجبة الأولى لأن تمتد إلى فترة أطول، كما أنه كلما كانت هناك درجة أكبر من التنوع في تجاربنا كان تكيّف درجات طموحنا أقل سرعة.

 

في تلك النقطة يمكن أن نشير إلى مجموعة من أربع تجارب قام بها توماس جيلوفيتش7(Thomas Gilovich) من جامعة كورنل قبل عدة سنوات، حيث تخبرنا تلك التجارب أنه يمكن للمال بالفعل أن يشتري درجات مستمرة من السعادة، لكن ذلك يحدث، ليس حينما نستخدمه في شراء البضائع، البيوت، السيارات، الأقراط الجديدة، وإنما حينما نستثمره في الحصول على خبرات جديدة عبر تجارب جديدة، كالسفر، والتعلّم مثلا، ما يعزز بدوره اقترابنا من ذواتنا ويعطينا دفعة اجتماعية نحتاجها لنصبح أكثر سعادة.

 

في السياق نفسه يمكن لنا تأمل فكرة إضافية نجدها في ورقة بحثية8 نُشرت قبل عدة سنوات في دورية "ساينس" (Science) الشهيرة، حيث تقول إليزابيث دون (Elizabeth W. Dunn) ورفاقها من جامعة بريتش كولومبيا إن أحد أكثر الطرق في إنفاق المال دفعا إلى السعادة هو إنفاقه على الآخرين، ومع عقد مقارنات بين هؤلاء الذين أنفقوا بعضا من المال حصلوا عليه في التجارب على الآخرين والذين أنفقوه على ذواتهم، على مستوى محلّي وعالمي عابر للدول، كانت درجات تقييم هؤلاء الذين أنفقوا المال على الآخرين لسعادتهم أكبر بفارق واضح.

   

  

من جهة أخرى يعرض باحثونا9 آلية ثانية للخروج من ذلك النوع من التكيف مع اللذة، وهي التقدير (Appreciation)، ويعني، ببساطة، وبشكل عمليّ، أن ننتبه لما لدينا بالفعل ونركز على أهميته ووجوده في مقابل أن نعتاد عليه ونعتبره شيئا طبيعيا، فحينما تشتري لوحة جديدة مثلا تنبهر بوجودها في البداية وتتأملها كثيرا، ثم يحدث في النهاية أن تمر بجانبها وكأنك لا تراها، هنا سوف يكون من الأفضل أن تقدر وجودها بشكل دائم، تتأمل ما أعطته لحياتك من فائدة، تنتبه للمزايا الموجودة لديك ولا تدعها تضيع في إطار التكيف مع اللذة.

  

مشكلات بحثية

للوهلة الأولى يبدو أننا نخطو بأقدامنا تجاه الكلام المرسل الخاص بالتنمية البشرية، لكنك قد تتعجب حقا حينما تراه منشورا، تقريبا بالصيغة نفسها التي كتبناها هنا، في مجلات بحثية تمتلك درجة من الرصانة، فما لا نعرفه، ربما، هو أن ذلك النشاط البحثي، والذي يكتسب اهتماما يوما بعد يوم، أصبح أكثر أهمية حينما تحاول الحكومات تقدير درجات شعور المواطنين بالرضا عن الوضع العام، وكيفية رفع درجات السعادة بأقل تكاليف ممكنة، وما يتضمنه كل ذلك الجدل العلمي والسياسي والاقتصادي10 الممكن حول تلك النقاط.

  

ولا شك أن هذا المجال البحثي ما زال يعاني لإيجاد موضع أكثر رصانة في الوسط العلمي، فبجانب مشكلات قصور التحديد11 (Underdetermination) في هذا النوع من الفرضيات العلمية، لا نتمكن كذلك من تحديد طبيعة هذه التأثيرات التكيفية بسهولة، هل هي مثلا تتعلق مباشرة بالأحداث نفسها أم بتعريفنا أو إدراكنا لتلك الأحداث؟ كذلك فإن البعض يتساءل عن طبيعة التكيّف نفسه، هل هو تكيف بالفعل مع اللذة أم إنه إعادة تعريف وتفسير للظروف المختلفة وآليات تقييمها؟ وتلك أسئلة ما زالت تواجه معضلات في التوصل إلى حلولها.

  

أضف إلى ذلك أن نظرية مشّاية الملذات (Hedonic Treadmill) تعطينا فقط انطباعات ذاتية لا تتعلق بما يعنيه أن تكون سعيدا بشكل موضوعي، فمثلا حينما يطلب منك أن تقيم درجة سعادتك من 1 إلى 10 فإن تلك الـ 10 تعبر عن أقصى ما يمكن أن تتصور أنه "السعادة"، في دولة نامية قد يكون هذا معبرا عن أن تحصل فقط على راتبك كاملا دون أن ينتقصوا منه شيئا، وفي مكان آخر قد يعني الحصول على قصر في جزيرة، هنا سيكون من غير الصحيح أن نعتبر، بشكل موضوعي، أن هذا الشخص (في الحالة الأولى) والآخر (في الثانية) لهما الدرجة نفسها من السعادة، لذلك لا يمكن استخدامها لتقييم درجة رفاه المواطنين في دول مختلفة.

   

"السعادة"، في دولة نامية قد يكون هذا معبرا عن أن تحصل فقط على راتبك كاملا دون أن ينتقصوا منه شيئا

مواقع التواصل
  

وتتلخص جملة المشكلات هنا في أن فأر التجارب هو كائن بشري واعٍ، متعدد التوجهات والنيّات والأهداف، ومهما بلغت دقة الأسئلة التي نصممها لكي نقيس معدلات الرفاه الاقتصادي والعاطفي، فإننا لا نحصل دائما على نتائج دقيقة، لتعدد الأسباب والجوانب المؤثرة في نتائج كتلك، فمثلا هناك أسباب أخرى بجانب السياق الثقافي، الجينات مثلا، والتي تتدخل فيما قد يمثل نحو 50% من سلوكنا، وبالتالي سعادتنا، لذلك؛ فإن الأمر يتطلب دائما قدرا أكبر من التجارب والأبحاث على نطاق زمني واسع.

  

لكن في النهاية يمكن القول إن التقدير إذن، والتنويع في خبراتنا، قد يكونان، معا، أحد أفضل الحلول لكي نتحصل على أكبر الحصص الممكنة من السعادة في إطار ما نمتلك، وما يمكن أن نمتلك، وتعد الفكرة الأهم دائما هي الانتباه لحياتنا، وتأمل ذواتنا بشكل دائم ومستمر، فكما نتكيف مع الأحداث الموجبة، نتكيف مع السالبة أيضا، حتّى تأتي فترة نشعر خلالها بأن الأمور طبيعية بينما نحن في الحقيقة في أسوأ أوضاعنا، وتلك حقا مشكلة. 

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار