انضم إلينا
اغلاق
كيف نجح هوكينغ كفيزيائي وفشل كفيلسوف؟

كيف نجح هوكينغ كفيزيائي وفشل كفيلسوف؟

إسماعيل عرفة

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض
عندما شُخّص ستيفن هوكينغ عام 1963م بمرض التصلب الجانبي الضموري، لم يكن عنده إلا 21 عاما فقط وقتها، قال له الطبيب المعالج بأنه تبقى له سنتان فقط ليعيشهما، فحزن هوكينغ حزنا شديدا، وكتب واصفا مشاعره حينئذٍ: "شعرت بأن هذا غير عادل تماما، لماذا يحدث هذا لي؟ في هذا الوقت، ظننت بأن حياتي قد انتهت، وأني لن أشعر بطاقتي الحقيقية أبدا"[1].

 

رغم ذلك خالف هوكينغ كل التوقعات واستمر على قيد الحياة، بل حدث العكس تماما وصارت حياته موضعا للعديد من الإنجازات العلمية، لكنه مرة أخرى تعرض لحادثة مؤلمة، ففي عام 1985م وأثناء رحلته إلى جنيف، أصيب هوكينغ بالالتهاب الرئوي، واضطر الأطباء إلى إجراء ثقب في رقبته لتمكينه من التنفس، مما أفقده القدرة على النطق بشكل تام، لكن هذا أيضا لم يُثنِ من عزيمته واستمر ماضيا في مشواره العلمي. بل إنه في عام 1988، نشر هوكينغ أول كتبه والذي سيشتهر به منذئذٍ "تاريخ موجز للزمان" (A Brief History of Time) فبيعت 10 ملايين نسخة منه حول العالم، كما تُرجم إلى 35 لغة[2].

 

بسبب هذه التحديات الضخمة التي صاحبتها إنجازات ضخمة كذلك، تم ترميز هوكينغ إعلاميا -قبل وبعد وفاته-، فمن الذي لا يتعاطف مع عالِم يدرس النجوم وهو قعيد على كرسي متحرك؟ هذه الصورة الملهمة للرجل صارت موضوعا للعديد من الفعاليات والكتب، وعلى رأسها الفيلم السينمائي "نظرية كل شيء" (The Theory of Everything) الذي صوّر حياة هوكينغ المبكرة، والذي حصل فيه الممثل إدي ريدماين على جائزة الأوسكار.

     

       

تميزت حياة هوكينغ بالعديد من المنجزات العلمية، بدءا من نظريته حول المتفردة (Singularity)، ومرورا باكتشافه للقوانين الأربعة للثقوب السوداء، بالإضافة إلى إسهامه في نظرية التضخم الكوني، وانتهاء بفرضيته حول حالة الكون الأولية. لكن ما منجزه الأهم على الإطلاق؟ يخبرنا شون كارول الفيزيائي بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا بالإجابة قائلا: "أعتقد أن أغلب الفيزيائيين يتفقون على أن إسهام هوكينغ الأعظم هو توقعه بأن الثقوب السوداء تصدر إشعاعا"[3]. وهو الإشعاع الذي سُمي فيما بعد بإشعاع هوكينغ.

 

هذا هو الجانب "المشرق" من حياة هوكينغ التي يعرفها الجميع، لكن ثمة جوانب أخرى لم يُلقَ الضوء عليها بالشكل الكافي. فما أهم هذه الجوانب المظلمة في إنتاج الرجل؟ ولماذا هذه الحفاوة الإعلامية المبالغ فيها رغم وجود عشرات الفيزيائيين الذين يفوقون هوكينغ في جوانب علمية عديدة؟

 

هوكينغ والميتافيزيقا

طيلة مشواره العلمي، لم يكن هوكينغ عرضة للكثير من الانتقادات التي تتجاوز السجال العلمي الطبيعي، لكنّ آراءه حول الميتافيزيقا -ما وراء الفيزياء- كانت دوما محل ترقب، إلى أن نشر هوكينغ في عام 2010 كتابه "التصميم العظيم" (The Grand Design) والذي صرح في بدايته أن "الأسئلة الوجودية في العادة كانت متروكة للفلسفة، لكن الفلسفة ماتت"[4].

 

تبنى هوكينغ التصور الإلحادي للكون، فصرح في كتابه قائلا: "لأنه هناك قانون مثل الجاذبية، فإن الكون يمكنه أن يخلق نفسه من اللاشيء". ليعلن هوكينغ إلحاده للعالم، واكتفاء العالم المادي بالفيزياء، كما يكتب قائلا: "ليس من الضروري أن يشعل الإله فتيل بداية الكون حتى يسير كما هو عليه"[5]. ثم قام في إحدى محاضراته بشرح كيف يمكن للجاذبية أن تخلق الكون من العدم، لكنه لاقى نقدا شديدا من الفيزيائيين، فقام في النهاية بحذف هذه المحاضرة من موقعه[6].

  

     

   

ومنذ ذلك الوقت، كان هوكينغ محط جدل كبير حول آرائه الفلسفية والميتافيزيقية. لكن ما أهم أطروحات هوكينغ الفلسفية؟ وهل فعلا ماتت الفلسفة في مقابل خلود العلم التجريبي؟ وما مدى صحة فرضيات هوكينغ حول استطاعة الكون أن يخلق نفسه بنفسه؟ وما موثوقية ما استند إليه إلحاده؟!

 

العلم ليس كل شيء

"إن فلسفة هوكينغ هي تحديدا التي أواجهها. ونظرياته تعتبر مثالا ممتازا على العلموية، أي الاعتقاد بأن العلم هو الطريق الوحيد للمعرفة. هذا هراء، وأنا أظن أن هذا هراء خطير".

(راسل ستانارد، أستاذ الفيزياء بالجامعة المفتوحة البريطانية)[7]

    

يبدأ هوكينغ كتابه بطرح الأسئلة الكبرى التي تؤرق البشرية منذ الأزل: "هل يحتاج الكون إلى خالق؟ لماذا هناك شيء بدلا من لا شيء؟ لماذا نحن موجودون؟"[8]. ثم حاول هوكينغ في كل فصول كتابه الإجابة عن هذه الأسئلة عن طريق العلم التجريبي فحسب، ولا شيء إلا العلم التجريبي.

 

لكن بيتر ميداور، الأحيائي البريطاني الحائز على جائزة نوبل، يبيّن خطأ هوكينغ التأسيسي في هذه النقطة، فيشير إلى أن هوكينغ حاول البحث عن إجابات هذه الأسئلة وهو يلتفت فقط إلى التجارب العلمية، وهو ما يعتبره ميداور خطأ فادحا، فقال في كتابه "نصيحة إلى العالِم الصغير" (Advice to a Young Scientist): "ليس هناك طريقة أسرع للعالِم ليشوّه سمعته وسمعة مجاله من أن يصرح مشددا بأن العلم التجريبي يعرف، أو سيعرف، كل إجابات الأسئلة الجديرة بالطرح، وبأن الأسئلة التي لا تتطلب جوابا علميا هي أجوبة زائفة بطريقة أو بأخرى". 

   
بيتر ميداور، الأحيائي البريطاني الحائز على جائزة نوبل (مواقع التواصل)

 

ويتابع ميداور: "وجود حدّ للعلم، على أي حال، هو أمر يتضح بشدة مع عدم قدرته على إجابة الأسئلة الأساسية المتعلقة بالبدايات والنهايات، أسئلة مثل: "كيف بدأ كل شيء؟" و"لماذا نحن هنا؟" و"ما الهدف من الحياة؟"[9]. ثم يضيف أننا يجب أن نتجه إلى الأدبيات الإبداعية والدين لنبحث عن إجابات مثل هذه الأسئلة.

 

هذه المحدودية والقصور للعلم التجريبي ليست طرحا خاصا بميداور فقط، بل يتفق فيه معه علماء كثيرون، منهم على سبيل المثال عالم الجينات الأميركي فرانسس كولنز، الذي يؤمن بعدم قدرة العلم التجريبي على إجابة مثل هذه الأسئلة الكبرى، فيقول بكل وضوح: "إن العلم التجريبي يقف عاجزا أمام الأسئلة من نوعية: (لماذا ظهر الكون من العدم؟) و(ما معنى الوجود البشري؟) و(ماذا يحدث بعد الموت؟)"[10].

 

نظرية كل شيء "M-Theory"

وبالانتقال من محدودية العلم التجريبي إلى قصور العلم التجريبي نفسه، كان حلم هوكينغ الذي يريد تحقيقه بأي شكل من الأشكال هو الخروج بنظرية موحدة ونهائية وشمولية للمادة في الفيزياء النظرية، أي نظرية توحد القوى الأربعة الأساسية للطبيعة: النووية الضعيفة والقوية، والكهرومغناطيسية، والجاذبية (أي بكلمات أخرى نظريات نيوتن وأينشتاين ونظريات الكوانتم) لتفسر كل ظواهر الكون، وهدف النظرية -بألفاظ هوكينغ- أن "تعرّفنا كيف يعمل عقل الإله"، وهو الحلم الذي أفنى فيه أينشتاين آخر عشرين عاما من حياته دون جدوى.

    

كان الهدف من نظرية توحد القوى الأربعة الأساسية للطبيعة -بألفاظ هوكينغ- أن "تعرّفنا كيف يعمل عقل الإله"، وهو الحلم الذي أفنى فيه أينشتاين آخر عشرين عاما من حياته دون جدوى

مواقع التواصل 
    

لم يكن حلم هوكينغ خاصا به أو بأينشتاين وحدهما، وإنما حاول الكثيرون غيرهما السعي لصياغة نظرية مماثلة، ولا ريب، فالفيزيائي الذي سيخرج بهذه النظرية سيكون "عملاق" الفيزياء على مر التاريخ الإنساني، وقد أشار هوكينغ إلى تفاؤله بأن يصير هذا "العملاق".

 

في خاتمة كتابه "تاريخ موجز للزمن" تفاءل هوكينغ بإنتاج مثل هذه النظرية، ليعود بعد أكثر من عشرين عاما في كتابه "التصميم العظيم" ليؤكد أنه قد حاز السبق في إنتاجها، فقال: "نظرية-إم (M-Theory) الخاصة بي هي النموذج الوحيد الذي يمتلك كافة الخصائص التي نعتقد أن النظرية النهائية يجب أن تملكها". تقدير للذات مبالغ فيه، ربما، لكن السؤال المهم: ما مدى صحة نظريته تلك؟!

 

النظرية المستحيلة

تكمن إحدى ركائز أي نظرية علمية في قابلية النظرية للاختبار والرصد، إذ إن هذا ما يفرق بين العلم والغيب، فالعلم، كما يصرح كارل سيجان الفيزيائي الأميركي المعروف، لا بُدَّ أن يخضع للرصد والتجريب حتى يمكن إثباته، "فقبول النظرية العلمية يتوقف على مدى قابليتها للاختبار (Testability)، وقابليتها للتخطئة (Falsifiablility) وكل الافتراضات التي لا يمكن إخضاعها للتجريب هي افتراضات لا تمتلك أي قيمة علمية على الإطلاق"[11].

    

نظرية الأكوان المتعددةالتي تفترض بأن الكون الذي نعيش فيه ليس هو الكون الوحيد في الوجود (مواقع التواصل)

 

يتجاوز هوكينغ هذا المبدأ الرئيسي، ويضع نظريتين غير قابلتين للاختبار، الأولى هي نظرية-إم، والثانية هي نظرية الأكوان المتعددة. ويصرح هوكينغ بأنه لكي تكون النظرية الأولى صحيحة فلا بد لها من الثانية، التي تفترض بأن الكون الذي نعيش فيه ليس هو الكون الوحيد في الوجود، إذ إن ثمة أكوانا أخرى غير كوننا، يقدرها هوكينغ بعدد 10500 كون[12]. ويذهب هوكينغ إلى أبعد من ذلك ويصرح بأن "نظرية الأكوان المتعددة يمكنها أن تفسر الضبط الدقيق للكون دون الحاجة إلى خالق حكيم خلق الكون من أجل منفعتنا"[13].

 

لكن ما حقيقة الأكوان المتعددة؟ وهل فعلا تدخل ضمن المجال العلمي أم أنه تفلسف وميتافيزيقا غيبية؟ يقول فيلسوف العلم بجامعة كاليفورنيا كريج كاندلر: "إنَّ نظرية الأكوان المتعددة التي يؤمن بها هوكينغ ستظل حدسا محكوما عليه أبدا بعدم القابلية للاختبار"[14]. وبسبب عدم "علمية" هذا الافتراض المتوهم فإنَّ الفيلسوف ريتشارد سوينبيرن، أستاذ الفلسفة بجامعة أكسفورد، يستنكر النظرية بقوله: "إنَّ نظرية الأكوان المتعددة تمثل قمة اللاعقلانية!"[15].

 

وينسحب الاعتراض نفسه على نظرية-إم كذلك، فكلاهما غير قابل للرصد أو التجربة، الأمر الذي دفع الفيزيائي الرياضي المرموق روجر بنروز إلى أن يعلق على نظرية-إم ويصفها بـ "المضللة"، لأنها "ليست نظرية، وبالكاد تكون علما أصلا، فهي مجرد خليط من الآمال والأفكار والتطلعات، التي لا يوجد أي دعم لها من الواقع المرصود"[16].

 

ستيفن هوكينغ المبالغ فيه!

"في آخر عشر سنوات، كان هوكينغ نجما أكثر ما كان فيزيائيا"

(آندي باكلي، باحث بالمنظمة الأوروبية للبحث النووي "CERN")

    

في ثمانية استبيانات مختلفة عن أفضل 10 فيزيائيين في التاريخ، أُجريت في سنوات مختلفة بين 1999 و2013، وتنوع الجمهور بين فيزيائيين متخصصين وقراء عاديين، لم يظهر ستيفن هوكينغ في أي من الاستبيانات إلا مرة واحدة فقط في المركز الخامس، أما بقية الاستبيانات فلم يُذكر هوكينغ من ضمن أفضل 10 فيزيائيين أصلا. والسؤال هنا: من أين تأتي الهالة الإعلامية على هوكينغ إذا كان وضعه في المقام العلمي ليس بهذا التميز؟!

 

تجري العادة بأن القارئ العادي لا يعرف كثيرا عن الفيزياء لكنه يعترف في الوقت ذاته بأن هوكينغ من أذكى البشر وربما يؤمن بأن هوكينغ أكثر تميزا من أي عالِم على قيد الحياة، بل إن الوسائل الإعلامية تتناول هوكينغ بعبارات من نوعية "أسطورة القرن الحادي والعشرين" و"الفيزيائي رقم واحد في التاريخ الحديث"، بل إن بعض الناس يقارنون بينه وبين أينشتاين ونيوتن وماكس بلانك. فكيف نفهم هذا التناقض بين عدم تفرد هوكينغ علميا وبين هذه الشهرة إذن؟

     

   

في سؤال على موقع "Quora" عن المكانة الحقيقية لهوكينغ في المجال الفيزيائي، قدم لنا آندي باكلي، الباحث بالمنظمة الأوروبية للبحث النووي "CERN"، الجواب على هذا التناقض قائلا: "كلما عرفت أكثر [في الفيزياء] كان إلهامي بهوكينغ أقل. وإذا استبعدت الصورة الرومانسية لهوكينغ، والشهرة التي حصل عليها بسببها، فتكون الحقيقة أن هوكينغ بالنسبة لمعظم الفيزيائيين هو مجرد واحد من (الرجال الكبار) في الفيزياء النظرية في السبعينيات".

 

ويضيف: "فعمله وإنجازه في تلك الفترة وإن كان رائدا في هذا المجال الفرعي في الفيزياء إلا أنه لم يكن له أي أثر أوسع من ذلك في الفيزياء ككل، وبالتالي فإن مقارنته مع نيوتن وأينشتاين وديراك وفاينمان تبدو مقارنة في غير محلها بالنسبة لي".

 

ثم يختم باكلي كلامه قائلا: "في عشر السنوات الأخيرة، كان هوكينغ نجما أكثر ما كان فيزيائيا. وسبب هذه الشهرة هو بالطبع العجز الذي يعاني منه. إن أي فيزيائي سليم أنجز ما أنجزه هوكينغ سيكون له شأن في مجاله الخاص، لكنه لن يكون معروفا حتى في مجتمع الفيزيائيين العام"[17].

 

يبدو إذن أن هوكينغ نجح في مجاله العلمي، لكنه فشل في الفلسفة والميتافيزيقا، فقد حاول جاهدا البحث عن إجابات علمية لإجابات ميتافيزيقية، فبدا مضطربا ومتخبطا بين نظريات لا يمكن إثباتها، وبين شروحات ضعيفة لهذه النظريات لم ترتق إلى مستوى الاعتبار العلمي أساسا. 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار