هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
هراء باسم العلم.. السر وراء كتاب "السر"

هراء باسم العلم.. السر وراء كتاب "السر"

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
      
هل حدث من قبل أن تمنّيت الحصول على سيّارة ما، أو شقة بمواصفات محددة، أو حتى تمنّيت مشاهدة فيلم محدد، فحصلت على ما تمنّيت بشكل مفاجئ؟ بالتأكيد تعرضنا جميعا لحالات مشابهة، في الحقيقة يعطينا ذلك شعورا ممتعا بأن العالم سهل، وأن كل شيء ممكن، وأن 1 + 1 لا تساوي 2 في كل الأحوال، بل يمكن أن تساوي عشرة، أو مئة، أو ألف، طالما أنك تتمنى ذلك، يقول المثل الشعبي: "اللي يخاف من العفريت يطلع له"، وتقول الحكمة الشهيرة: "تفاءلوا بالخير تجدوه"، هل يمكن إذن أن يكون هذا التفاؤل هو نفسه السبب في جلب الخير لنا؟

     

هذا هو، بكل بساطة، ما تطرحه روندا بايرن في كتابها الأشهر "السر"، والذي صدر في 2006، وما زال إلى الآن واحدا من أكثر الكتب مبيعا، خاصة مع دفعة غاية في الأهمية تلقاها من أوبرا وينفري الإعلامية الشهيرة، ويروج الكتاب لفكرة -لم تكن جديدة وقتها- تسمى بـ "قانون الجذب"، وتعني أن الأشياء المتشابهة تتجاذب، فحينما تملأ عقلك بأفكار سلبية لن تجذب سوى أشياء سلبية، والعكس صحيح، حينما تكون إيجابيا في أفكارك، فإنك تجذب أشياء موجبة تمتلئ بالخير في مضمونها.

    

   

إلى هنا يبدو لنا أنه لا توجد مشكلة من أفكار كتلك، نحن في حاجه بالفعل إلى التفاؤل في حياتنا، لكن ما تقدمه بايرن في كتابها يتخطّى حاجز الأمنيات الجيدة بمستقبل سعيد، فهي تتحدث عن "قانون" يحكم كل الكون، يشبه في طبيعته قوانين الفيزياء، يقول إن ما تفكر فيه، وما تتصوره، يتحول إلى كيان مادي، فإذا طلبت سيّارة فيراري بمواصفات محددة، مثلا، فإن النتيجة بعد التركيز على تلك الفكرة وتخيّلها والتسليم باقتراب حدوثها هي أن تحصل على السيارة التي تريدها، وتعتمد بايرن، ورفاقها من المتحدثين في الكتاب والذين ظهروا في وثائقي يحمل الاسم نفسه، بشكل شبه كامل على ما تدّعي أنه "قواعد علمية لقانون الجذب".

   

هناك، في الحقيقة، مشكلات عدة تتعلق بمدى صحة الادعاءات المذكورة في كتاب "السر"، سوف نتحدث عنها جميعا، لكن، في تلك النقطة تحديدا، دعنا نبدأ بتوضيح المشكلة التي يواجهها الكتاب من الناحية العلمية، والتي هي -كالعادة- المشكلة نفسها التي تواجه جميع مروجي العلوم الزائفة، حيث لا يقع المؤلف فقط في خطأ إساءة استخدام، وليّ عنق، نظريات علمية في سبيل دعم فكرته، بل أيضا هو لا يفهم المعنى العلمي الحقيقي المقصود من جزئية ما ولا يهتم بالتعمق في فهمها فيخطئ في عرضها.

  

هراء باسم العلم

خذ مثلا ذلك الادعاء القائل في الكتاب إن "العلم قد أثبت أن المشاعر الإيجابية أقوى بكثير من المشاعر السلبية"، في الحقيقة لا نعرف أساسا واضحا لهذا الادعاء، ما نعرفه هو أن البحث العلمي في هذا النطاق يواجه أزمة في شرح أسباب أن الآثار النفسية أكثر عمقا للأحداث السلبية في حياتنا عن الإيجابية، فمثلا في نظرية مشّاية اللذة1 (Hedonic Treadmill) نجد أن إحدى المشكلات التي تواجه فهمنا لآليات عملها هو أن هؤلاء الأشخاص الذين خاضوا تجارب سلبية الطبع في حياتهم لم يعودوا بالسهولة نفسها2 إلى حالات سعادتهم السابقة، على عكس هؤلاء الذين خاضوا تجارب موجبة.

        

      

أضف إلى ذلك أن المشاعر السلبية أكثر تميزا3 من المشاعر الإيجابية، بمعنى أنها أكثر وضوحا، وبالتالي، نمتلك قدرة أكبر على التعبير عنها، بل لو حاولنا تأمل اللغة الإنجليزية، مثلا، فسنجد أنه على الرغم من احتوائها على كلمات موجبة الطابع بصورة أكبر فإنه حينما نتحدث عن المشاعر فإن الكلمات سلبية التوجه لها عدد أكبر، ولهذا السبب، مع مجموعة أخرى من الفرضيات، فإن البشر أكثر قابلية لتذكر الأحداث السلبية بمعدلات أكبر من الأحداث الإيجابية في حياتهم.

  

من جهة أخرى فإن أحد الأساسات التي يعتمد عليها هذا الكتاب، ويصورها الوثائقي بحرفيّة شديدة، هي فكرة "موجات الدماغ"4، فيبدأ الكتاب حديثه بالقول إن كل شيء يتكون من طاقة وأن هناك موجات كهرومغناطيسية بالفعل في الدماغ، وهذا حقيقي، هناك تيار كهربي يمر بالخلايا العصبية، وهذا التيار يخلق مجالا كهرومغناطيسيا، لكنه مجال غاية في الضعف لدرجة أننا نستخدم أجهزة غاية في الدقة من أجل التقاطه، أما كتاب "السر" فيدّعي أن هذا المجال الخاص بدماغنا يمكن له، ليس فقط أن يخرج منه، وهذا مستحيل، ولكن أيضا أن ينطلق ليسير في أجواء الكون كله!

  

بالطبع لا حاجة لنا أن نذكر قانون التربيع العكسي والذي يقول إنه من المفترض لشدة هذه "الموجات الدماغية!" أن تضعف بصورة أُسّية كلما ابتعدت عن المصدر، دماغ الإنسان، لكن المثير للانتباه هنا هو ذلك الادعاء الذي يتكرر أكثر من مرة في الكتاب والفيلم الوثائقي عن أننا نتكون من "طاقة" وأن كل شيء في الكون يتكون من ذبذبات في مجال كمّي واسع، إذا كان الأمر كذلك -حسب ادعاء الكتاب- فيمكن إذن لتلك النظرية أن تكون صحيحة، بمعنى أنه طالما أنك طاقة، والسيارة الفيراري طاقة، والمرتب يتكون من نقود، والتي هي بدورها طاقة، فيمكن إذن أن نتمكن من التواصل، بشكل ما، مع تلك الأشياء، ونجذبها، أليس كذلك؟!

  

حسنا، في تلك النقطة نحتاج أن نتوقف قليلا، فهناك كم واسع من الهراء يظهر كلما تحدثنا في ميكانيكا الكم، خاصة في تلك العلوم الزائفة التي تدّعي أنها تعالج "بالطاقة" و"المجال الطاقي" وغيرها. وذلك لأنها -نظرية الكم- أكثر النظريات صعوبة على الفهم الحقيقي من دون أن يقع القارئ عنها في خطأ جعل العلم فانتازيا كحكايات أليس في بلاد العجائب، خاصة حينما نتحدث مثلا عن إحدى الظواهر الكمومية المهمة كـ "التشابك الكمّي" (Quantum Entanglement)، حيث يشير التشابك الكمّي إلى وجود "علاقة"5 بين الجسيمات المتشابكة كميا مفادها أنه حينما نقرأ لف الجسيم "أ" في لحظة ما فإنه عند قراءة لف الجسيم "ب" المتشابك معه كميا سوف تكون معاكسه في اللحظة نفسها، وكأن هناك شيئا ما يحدث بينهما بأسرع من سرعة الضوء.

     

  

لكن، في النهاية، فإن التشابك الكمّي يعبّر فقط عن علاقة بين جسيمين لكنه -هنا يقع الجميع في الخطأ- لا يتخطّى ذلك الحاجز للحديث عن تواصل بينهما، فما يحدث في الحقيقة هو أن تلك البيانات التي نحصل عليها من التجارب هي بيانات عشوائية، إذا قمنا بتكرار القياس وملء عشرات الجداول من الموضع "أ" وقمنا بعمل القياسات نفسها عند "ب" ثم قارنّا الجداول فيما بعد سوف نلاحظ نمط التشابك واضحا، لكن هل يعني هذا أي شيء؟ هل ينقل أي معلومات؟

  

لا، لذلك إذا ألقينا بـالجسيم "أ" في ثقب أسود وأبقينا "ب" هنا فكل ما يمكن الحصول عليه من "ب" هو حزمة من البيانات العشوائية التي لا معنى لها، لأنه إذا قام شيء ما بالتحكم في حركة الجسيم الموجود في الثقب الأسود فسوف ينكسر التشابك الكمّي بين الجسيمين ويذهب كل إلى حاله، التشابك يكون في الحالة الكمّية فقط، وهذا هو ما لا يفهمه الكثيرون حينما يتحدثون عن كون "متشابك" وكأنه يمكن لأفكارهم أن تنتقل بسرعة أكبر من الضوء لتأمر الكون بإحضار السيّارة الفيراري، أو المرتب الكبير، أو الرحلة التي تريدها، أو كيم كارديشيان.

  

الخروج من العلم

أحد الأخطاء كذلك هو القول إنه بسبب تلك الفكرة القائلة إن حالة التراكب الكمومي لا تنهار إلا حينما نقول بقياسها (مشكلة القياس Measurement Problem)، فإن الوعي البشري هو ما يشكل العالم، بمعنى أنه حينما نقول إن الكون بالكامل هو كون كمومي، وإن طبيعته لا حتمية تظل دائما في حالة تراكب كمّي ولا تنهار إلا بوجود قياس، ثم تضيف إلى ذلك أن عملية القياس هي عملية واعية، يمكن إذن أن نستنتج أن وعي البشر هو ما يشكل الكون، وتلك فرضية موجودة بالفعل، بشكل أو بآخر، لكنها ليست إحدى فرضيات أو أساسيات ميكانيكا الكم، ولكنها أشبه بتفسير فلسفي للظاهرة الكمومية، أو هي بناء فلسفي خالص لا يعتمد على نظريات علمية.

     

   

هنا يجب أن نبدأ بالتحدث عن فارق جوهري بين ما يعنيه العلم وما يعنيه تأويل النظرية العلمية، فتلك الدالة الموجية وتلك الحالة المعروفة باسم "التراكب الكمّي" ليست، كما نعرف، إلا تجريدات رياضية تفيدنا بشكل كبير في فهم سلوك الأجسام دون الذرية، لكن نقلها من صورتها الرياضية المجردة تلك إلى وضع تصور عن العالم الواقعي بتلك الصورة هو قفزة خارج إطار العلم تماما. كانت في أرض الفلسفة أو الدين مثلا، فلا مشكلة، لكن المشكلة هي الادعاء أن لها "جذرا" علميا وكأن هناك "قاعدة" ما تبني تلك الأفكار نفسها عليها، وذلك غير صحيح.

   

إن القول، مثلا، إننا نتكون من طاقة هو أقرب إلى مجاز يشرح حالاتنا بشكل مختزل تماما لا يمكن لنا تصوره، من وجهة نظر العلم، إلا في إطار معادلات رياضية معقدة تملأ مئات الصفحات. نحن بالفعل نتكون من ذرات، والتي تتكون بدورها من جسيمات دون ذرية، والتي هي بدورها اهتزازات في مجالات كمومية تملأ الكون كله. نعم، يمكن تحويل جسمك كله إلى طاقة، لكن ذلك لن يحدث، طالما تود أن تتحدث حسب قوانين النسبية والكوانتم، إلا إذا أخذناك إلى مفاعل نووي وقمنا بتحويل كل ذرات جسمك إلى طاقة حسب معادلة أينشتاين الشهيرة (E= MC2) مثلا.

  

تفتح الفكرة الأخيرة الباب لتأمل خطأ مهم يقع فيه مروجو العلوم الزائفة، التي يعد قانون الجذب واحدا منها، وهو خطأ "القفز"، بمعنى أن البعض يمد الخطوط على استقامتها بحيث يطبق نظرية علمية ما في فكرة يروج لها دون توضيح تلك المراحل التي انتقل خلالها من النظرية العلمية إلى فكرته، وما أكثر تلك القفزات في علوم الطاقة والبرمجة اللغوية العصبية وغيرها من تلك العلوم الزائفة التي انتشرت خلال السنوات الثلاثين السابقة بشكل لم يشهده العالم من قبل. يشبه الأمر، فكرة القفز تلك، ولا نحاول المبالغة هنا، أن أقول إن هناك قانونا للجذب يحكم الكون أسسه نيوتن وطوره أينشتاين وتعمل الجاذبية الكمومية على تطوير فهمنا له بصورة أكبر، ثم أتساءل بعد ذلك قائلا: "ألا ترى أن ذلك هو سبب انجذابنا إلى الفتيات؟".

  

هل هو قانون حقا؟!

سوف تجد في الحقيقة الكثير من المناطق في كتاب "السر" والتي تعتمد على تلك القفزة مما هو علمي لما هو محض هراء، خذ مثلا الحديث عن تأثير العلاج الوهمي6 (Placebo) والذي يعني أن بعض الحالات، في بعض الأمراض، قد واجهت تحسنا حينما أعطيناهم أدوية على أنها تعالج أمراضهم، فتحسّنت حالاتهم بدرجات، لكن تلك الأدوية لم تكن بالأصل سوى حبات سكر، أو ادعاء الكتاب أن "العلم يقول" إن الأفكار الموجبة تحسن حالة أصحابها، ثم بعد ذلك يقفز الكتاب من نقاط كتلك، نقاط لها عدد واسع من المحددات والمتغيرات والمحاذير والتي لم يذكرها أحد في الكتاب، إلى كيفية جذب الثروة و-بالضبط كما يدعي دجّالو التلفاز- جلب الحبيب ورد المطلقة!

      

       

في تلك النقطة ننتقل إلى جزء آخر مهم له علاقة بكتاب "السر"، وهي ادعاؤه أنه يتحدث عن "نظرية" أو "قانون" كوني ما، لكن تلك القوانين، إذا كانت كما تدعي "قوانين" ثابتة محددة لا تتغير، يجب أن تدلل على صحتها عبر التجريب، فمثلا كيف نستخدم هذا القانون؟ وهل يمكن تكراره على أكثر من حالة؟ وما معاييره التي يستجيب عندها ويعطي بيانات؟ بمعنى آخر، ماذا أضع من مدخلات كي أحصل على مخرجات محددة؟ أو مثلا، متى سوف أحصل على النتائج الخاصة بهذا "القانون"؟

     

في تلك النقطة، حقيقة، سوف تتعجب من إجابة الكتاب على يد مجموعة ممن تدعي المؤلفة أنهم مجموعة من مكتشفي "السر" والذين هم، ياللغرابة، مجموعة من مؤلفي أو مقدمي كتب وبرامج التنمية البشرية، والإجابة هي: "لا تسأل"، لا تسأل عن الكيفية، ولا تسأل عن الموعد، فقط انتظر الخير، لا يهم إن كان سوف يحدث بعد 20 دقيقة أو 20 ساعة أو 20 يوما، المهم ألا تفكر في الكيف ولكن حدد هدفك، ثم تخيّل أنه معك، وكن متفائلا وراضيا، وسوف يحدث. يذكرنا ذلك بقول شهير للمنجمين حين تسألهم عن موعد حدوث شيء ما فيقول لك: "بعد نقطتين، سنتين، أو شهرين، أو يومين، أو ساعتين، بل وقد يحدث الآن بعد ثانيتين"!!

    

من جهة أخرى فإن أوّل شيء يدعوك للقلق من ادعاءات كتلك هو أن يبدأ البعض حديثه بتجربة خاصة، في العلم لا توجد تجارب خاصة، ولكن هناك تجارب يمكن تكرارها، إذا أمكن لنا تكرار التجربة نفسها بالظروف نفسها والحصول على النتائج نفسها، نقول هذا بدرجة مخلة من التبسيط لكنها تفيد في هذا الموقف، إذا أمكن ذلك، فإننا على الطريق لصنع قانون أو نظرية، لكن ما تفعله مؤلفة الكتاب هي جمع حكايات لأفراد كانوا فقراء ثم أصبحوا أغنياء، وفقط. لا آلية ولا تكرار ولا ظروف ولا كيفية ولا أي شيء سوى أن أحدهم كان يود أن يرتفع راتبه إلى مئة ألف دولار في السنة وظل يتخيل حدوث ذلك، فإذا به يحدث، ثم تقول له زوجته: "لم لا نجربه على مليون دولار؟!"، فيقول لها: "لا أدري، هيا بنا لنجرب ذلك".

  

في حضرة العلم الزائف

إن تلك الحالة من الميوعة في تقديم الادعاءات هي عَرَض رئيسي يوضح أننا أمام نموذج مثالي للعلم الزائف، ذلك الذي يوسّع من نتائج ادعاءاته فلا يمكن الإمساك بها بوضوح، فقد تكون تلك هي النتائج، أو تلك هناك، أو تلك في الجانب الآخر من العالم، يشبه الأمر أن يقول أحدهم لك إنه قادم لزيارتك، لكن لا يحدد الموعد، فإذا جاء غدا فادعاؤه صحيح، لكن إن لم يأت فادعاؤه صحيح أيضا لأنه من الممكن أن يحضر بعد غد، أو بعده، أو بعد بعده، أو في آخر يوم من عمر هذا الكون، وحتّى آخر يوم من عمر الكون يظل ادعاؤه صحيحا، لأنه ادعاء غير قابل للتكذيب7.

      

     

أضف إلى ذلك أن الكتاب، عبر قانون الجذب، لا يشرح لنا كيفية التنافس، لنفترض مثلا أن القانون قد انتشر في كل العالم وأصبحنا جميعا نؤمن به، كيف إذًا يمكن أن نفسر فوز واحد فقط من ضمن ملايين الأشخاص بمسابقة اليانصيب؟ إذا كان هناك فَتيان يود كل منهما الارتباط بفتاة محددة، أي منهما سوف يحصل عليها بتطبيق قانون الجذب؟ إذا تحطمت السيارة أو الطائرة أو الحافلة، هل ذلك يعني أن كل ركّابها كانت لديهم أفكار سلبية فقاموا بجذب الحادث؟8

  

كذلك سوف تلاحظ، في الكتاب، علامة أخرى مهمة تشتهر بها العلوم الزائفة، إنها تلك الفكرة التي تتحدث عن أشياء غير محدودة، تواصل لا محدود، كون لا محدود، طاقة غير محدودة، قدرات غير محدودة، في عالم التنمية البشرية يمكن لدبلومة بسيطة في فندق خمسة نجوم أن تفتح لك الكثير من أبواب تلك العوالم غير المحدودة، عندها سوف تود حضور المزيد من الدورات، لأن كون تلك النتائج غير محدودة يعني أن الدورات التي تشرحها غير محدودة أيضا، أليس كذلك؟!

  

يمكن أن نستمر حتّى الصباح في التساؤل حول تلك المشكلات، ويظهر لنا في النهاية أن هذا "القانون" لا يبني نفسه على شيء، بل، في بعض الأحيان، يتناقض الكتاب مع نفسه لأغراض إنقاذ نفسه فقط، فمثلا في الجزء الأول من الكتاب، والوثائقي، يشدد على أن مخاوفنا تتحقق، فإذا لجأنا إلى ربط الدراجة الخاصة بنا -هذا هو المشهد بالضبط الذي ظهر في الوثائقي- بقوة وحذر شديدين في أحد أعمدة الإنارة فإن ذلك يعني أننا نخاف على الدراجة من السرقة، يعني ذلك أنها سوف تُسرق لأننا "نجذب سرقتها".

   

سر كتاب "السر"

من جهة أخرى فإن الكتاب، في الجزء الأخير منه، يشير إلى أن مرضى السرطان لا يجب أن يتوقفوا عن العلاج لأن "السر" قد يأخذ بعض الوقت ليتحقق، يتعارض هذا تماما مع فكرة قانون الجذب التي تقول إن الأمر يحتاج تسليما تاما بأن الشفاء سوف يحدث، لكن ورود ذلك الجزء في الكتاب والوثائقي لم يكن إلا لتحاشي هجمات الأطباء والمؤسسات الرسمية على مؤلفيه بحيث قد يتسبب ذلك في إيقاف كل نشاطهم التجاري بأمر القانون.

       

  

نعم، نشاطهم التجاري، إن ما نتحدث عنه ما زال إلى اليوم تجارة رائجة بقيمة مليارات الدولارات، تجارة تتضمن كتبا، سيمينارات، محاضرات في أرقى الفنادق، ماجستيرات مصغرة، تمرينات المدربين، ومدربين المدربين، إلى آخر قائمة طويلة لا تنتهي، إنها تجارة تهيئ لك أنه يمكن خفض وزنك بلا جهد، فقط بتخيّل أنك ذو وزن مثالي والتسليم بأن ذلك سوف يحدث، تهيئ لك أن السر في النجاح الوظيفي مثلا، هذا الشيء الواضح المحدد، هو قانون الجذب الوهمي المائع الذي لا يمكن تكميمه ولا تحديده، في تلك النقطة دعنا نقول إن مشكلة تلك العلوم الزائفة ليست فقط في أنها قادرة على إفراغ جيبك تماما لو قررت اتباعها، ولكن أيضا قادرة على إيذاء البشر.

  

فمثلا، حينما تعد مريضا بالاكتئاب أن جلسات الطاقة، أو قانون الجذب، أو البرمجة اللغوية العصبية تلك، سوف تزيل عنه مرضه، فأنت في المقابل تمنع عنه آليات علاج طبية حقيقية سوف تساعده حقا في التكيف مع حالته أو التخفيف من أثرها، ما بالك بمن ترك علاج السرطان، مثلا، وتوقف للبحث في عوالم الدجل عن أمل بعدما انكسر من طول المحاولة وألم العلاج، هؤلاء البائسون من كل مكان في العالم هم دائما ضحايا دجالي العلوم الزائفة.

    

للعلم قوة، يثق المواطن العادي به وبرجاله، إن كلمة عالِم، في برنامج تلفزيوني ما مثلا، تعني أنه يمكن أن نجلس جانبا ونستمع لما يقول ونصدقه، لهذا السبب فإن تلك التي تدعي أنها "تقنيات جديدة" للتأمل أو العلاج بالطاقة، أو غير ذلك، غالبا ما تلصق نفسها بما تسميه "جذور علمية" لما تدعي، وهذا هو ببساطة "سر" نجاح كتاب "السر"، ذلك الادعاء بوجود علاقة بين العلم، متمثلا في الكوانتم وعلوم الأعصاب، وقانون الجذب، والذي كان بالأساس قناعة دينية لحركة تُدعى الفكر الجديد نشأت في القرن التاسع عشر، وفي الأديان كلها نجد أفكارا مشابهة عن "اليقين بالإله" و"خزائنه التي لا تنضب" وكون "اليأس من رحمته كفرا بوجوده".

  

جميل جدا، هل تمتلك فكرة ذات شكل جميل وتود ترويجها؟

الأمر بسيط، ألصقها بالعلم أولا، ما أكثرها تلك الأبحاث التي تتحدث عن أهمية التأمل، ثم قُل بعد ذلك إنها -تلك الفكرة- كانت سرا قديما جدا لم يعرفه إلا عدد قليل للغاية من البشر، قُل إن من عرفها هم فقط العظماء كأفلاطون وأينشتاين وبيكاسو، هيّئ للناس أن نجاحهم في الحياة، أن حصولهم على أكبر الرواتب في دول أقعدها الفقر، ووصولهم إلى أعلى المناصب في عالم سكنه الفساد، وامتلاكهم للمنزل، أو السيارة، أو العروسة، أو العلاج المثالي، مرهون فقط بهذا السر العظيم، ثم أضف إلى تلك الخطة تقسيمة ممتعة وآليات تأملية، وضع صورة إبراهيم الفقي في الخلفية، وقدمها على هيئة مساق، هكذا يمكن أن تمتلك ثروة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار