هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
الأكسجين ظهر بعد 500 مليون عام من نشأة الكون

الأكسجين ظهر بعد 500 مليون عام من نشأة الكون

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
يمكن لك، في ليلة رمضانية صافية، تخرج فيها قبيل السحور لتراقب سماء الليل، أن ترى بعينيك ما يقرب من ألفي وخمسمئة1 نجمة في ظروف إضاءة ضعيفة، كأن تكون في قرية نائية أو في رحلة للصحراء، إنه مشهد ساحر في كل مرة، يثير الكثير من المشاعر بداخلنا، والكثير من الأسئلة كذلك، إنها المشاعر والأسئلة نفسها التي اعتملت بداخل البشر حتّى قبل 300 ألف سنة من الآن حينما راقبوا النجوم وطوّروا درجات متفاوتة من الألفة معها على مدى سنين طوال، وهي -تلك الأسئلة- ما تسبب في ظهور العلم الحديث وعلى رأسه علم الفلك والكونيات، كسبيل للإجابة عنها كلها.

          

وربما كانت إحدى المحاولات للإجابة عن أسئلة كتلك هي ورقة بحثية جديدة، أثارت الانتباه على مستوى عالمي، نُشرت فقط قبل أيام عدة في الدورية الشهيرة "نيتشر"2، عن تمكّن فريق دولي من الباحثين عبر استخدام التلسكوبين الشهيرين "مصفوف مرصد أتاكاما المليمتري الكبير" (ALMA)، و"التلسكوب الكبير جدا" (VLT) -وكلاهما يقع بأكثر المناطق جفافا في العالم، صحراء أتاكاما في تشيلي- من رصد أقدم مصدر ممكن للأكسجين في الكون، والذي ظهر أنه وُجد، فقط، بعد 500 مليون سنة من الانفجار العظيم، في أحد النجوم بمجرة وليدة، ما يعني أننا اقتربنا بخطوة واسعة من التعرف إلى ما نسميه "فجر الكون".

      

   
من نقطة الصفر

لكن لفهم نتائج تلك الدراسة، وأهميتها، دعنا نبدأ من الانفجار العظيم (Big Bang)، تلك النقطة التي نتصور، بأكبر قدر ممكن من الدلائل المعاصرة التي نمتلكها، أنها كانت بداية الكون الذي نعيش فيه، لا نعرف بالضبط ما حدث في لحظة الانفجار العظيم نفسها، أو تلك التي تليها بقدر زمني قصير لدرجة لا يمكن تخيلها نسميه "زمن بلانك"3 (Plank Time)، في تلك المنطقة تنهار قوانين الفيزياء فتقف المعادلات الرياضية حائرة أمام "لا نهايات" (Infinities) تمنعها من الاستمرار، لكننا نتمكن بدرجة من الدقة ربما أن نتصور ما الذي حدث بعد ذلك.

        

حيث على مدى نحو 300-400 ألف سنة من بعد الانفجار العظيم لم تكن درجات الحرارة العالية بصورة تفوق الوصف لتسمح بأن تتكون الذرات الأولى، فقط كنّا أمام ما نسميه بـ "حساء جسيمات" (Particle Soap). في البداية كانت كل الجسيمات الأولية (كالكواركات والإلكترونات وغيرها) مفردة غير مرتبطة، بعد ذلك حينما اتسع حجم الكون في أثناء تمدده وانخفضت درجة الحرارة قليلا تكونت البروتونات والنيوترونات الأولى من الكواركات، ثم تكونت أنوية الذرات الأولى، باتحاد البروتونات والنيوترونات، ثم في النهاية اتحدت الإلكترونات السابحة مع الأنوية لتكون الذرات الأولى، ذرات الهيدروجين.

        

هنا يبدأ الكون في مستوى جديد من اللعبة، فقبل تكون تلك الذرات الأولى كانت الإلكترونات السابحة تعمل كأنها حاجز ممتع يمنع الفوتونات من المرور، يشبه الأمر أن تحاول تمرير شعاع ليزر عبر برطمان من الكرات الحديدية الصغيرة جدا، هذه الكرات -بتبسيط مخل لكن فقط بغرض الفهم- هي الإلكترونات التي اصطدمت بكل فوتون يود أن يمر، في اللحظة التي تكونت فيها الذرات الأولى نقول إن الكون قد انتقل من الحالة المعتمة إلى الحالة الشفافة، حيث اختفت الكرات الحديد من البرطمان ومر شعاع الليزر بسلام، كذلك انطلقت في تلك اللحظة الفوتونات الأولى في طريقها -عبر الفضاء والزمن وتمدد الكون- ناحيتنا، ثم استطعنا التقاطها لنرصدها في صورة ما نسميه بـ "إشعاع الخلفية الكونية الميكروي"4 (Microwavee Backgroundd).

   

          

ويعني ذلك أننا، حينما نرصد إشعاع الخلفية الميكروي، نلتقط صورا للكون حينما كان عمره 0.003% فقط، يعطينا هذا الإشعاع خريطة توضح لنا توزيع المادة والطاقة في الكون في لحظات مبكرة جدا من بدايته، وهي خريطة تساعدنا في فهم الكثير عن تطور وتشكل المادة في الكون، بعد ذلك بعدة مئات من الملايين من السنوات تجمعت المادة الأولى في الكون لتصنع النجوم والمجرات الأولى، ثم لينمو كل شيء في خط سيره مع تمدد الكون وصولا إلى اللحظة الحالية التي تقرأ فيها هذا الكلام أو تشاهد المسلسل الرمضاني، أيا كان ما تفضّله.

     

الكأس المقدسة

لكن السؤال الذي ما زال يحير علماء الفلك والكونيات، وهو ما يسميه ريتشارد إيليس، الفلكي بمعهد "UCL" المشارك في الدراسة، بـ "الكأس المقدسة لعلم المجرات"5، هو عن تلك الفجوة بين إشعاع الخلفية الميكروي (380 ألف سنة بعد الانفجار العظيم) وأبعد المجرات التي رصدناها إلى الآن وكان ذلك بعد 400 مليون سنة بعد الانفجار العظيم، حيث تمنع عنّا تلك الفجوة أن نتعرف بشكل دقيق إلى نشأة وتجمع المادة الأولى في الكون، ومن ثم نفهم كيف توزعت المادة في الأوقات المبكرة من تاريخ الكون والتي تلت الانفجار الكبير، ولماذا لم تظل متجانسة دون أي تجمع، وكيف تكونت المجرات والنجوم الأولى بالأساس، ولمَ نرصدها تتكون بسرعات أعلى من المعدلات التي نتوقعها، ما السبب في تلك اللوحة الفنيّة المهيبة؟

 

في تلك النقطة يأتي دور الكشف الجديد لوضع إضافة مهمة في خط سير محاولاتنا للإجابة عن هذا السؤال، حيث كانت المجرة "MACS1149-JD1" قد اكتُشفت في عام6 2012، كأبعد مجرة نعرفها إلى وقتها، على مسافة 13.28 مليار سنة، ما يعني أننا التقطنا صورة لها بعد نحو 500 سنة فقط من الانفجار العظيم، ولفهم تلك الفكرة دعنا نتخيل أن شعاع الضوء هو صديق قادم من مدينة أسيوط جنوبي مصر لنقل خبر وفاة أحدهم في الإسكندرية شمالا، حدثت الوفاة في 09:00 مساء السبت، لكنك لن تعرف عنها أي شيء، وسوف تظن أن هذا الشخص ما زال حيا حتى يصلك الخبر عند 05:30 مساء الأحد حينما يصل صديقك إليك، هذا هو ما يحدث بالنسبة إلى المجرات، فحينما تتأمل مجرة تبتعد عنّا 13.28 مليار سنة ضوئية، فإن ما وصلك الآن هو الخبر -شعاع الضوء- الذي خرج منها منذ 13.28 مليار سنة.

      

المجرة MACS1149-JD1 (مواقع التواصل الإجتماعي)

      

أقدم أكسجين ممكن

لكن الجديد بالنسبة إلى المجرة "MACS1149-JD1" هو تمكّن العلماء من رصد مصدر للأكسجين بها، وذلك هو كشف مثير جدا للانتباه، لسبب رئيس وهو أن تكوّن الأكسجين يحتاج إلى الكثير من الوقت كي يتكوّن، وذلك لأن حياة أي نجم تبدأ من الهيدروجين، وقود النجوم الذي تحتاجه لتنمو كطفل يحتاج الغذاء ليصبح شابا يافعا، الذي كان موجودا بكثافة في تلك الفترة من تاريخ الكون، تتجمع ذرات الهيدروجين، لسبب ما، في منطقة من الفضاء لتلتف حول بعضها البعض، ثم ببطء شديد للغاية يزداد حجم وكثافة ذلك التجمع وبالتالي تزداد درجة حرارته، في تلك المرحلة يتكوّن "النجم الأوّلي7" (Protostar)، نسميه كذلك لأنه لم يكتسب بعد القدرة على إنشاء تفاعل نووي فيصبح نجما حقيقيا.

   

ثم يحدث أنه بسبب ذلك التدافع للغاز والغبار في قلب تلك الكتلة المركزية أن ترتفع درجة حرارة النجم حتى تتخطى عدة ملايين من الدرجات المئوية، هنا تتحول المادة إلى حالتها البلازمية، وهي الحالة التي تنسلخ فيها الذرة من إلكتروناتها في المدارات لتبقى الأنوية فقط، حينما يصل الأمر بدرجة الحرارة حتى تصل إلى 10 ملايين درجة مئوية يكون الوضع ملائما لحدوث اندماج نووي، يعني ذلك أن "تندمج" أنوية الهيدروجين -تلك التي تحتوي على بروتون واحد- لتصنع عنصرا أعلى منه في العدد الذري، إنه الهيليوم.

   

ثم بعد أن ينهي النجم تحويل كل هيدروجينه إلى هيليوم، هنا تحدث العديد من التغيرات في كيمياء وفيزياء النجم يمكن أن تتعرف إلى تفاصيلها في تقرير سابق بعنوان "معدن السماء.. ما السر خلف احترام الحضارات البشرية للذهب؟"، فيقوم النجم بدمج الهيليوم لتحويله إلى عناصر أعلى، بينما تصل درجة حرارة النواة إلى 100 مليون درجة مئوية، مرورا بالكربون، النيون، ثم الأكسجين، هذا هو الأكسجين الذي أمسكناه للتو في المجرة "MACS1149-JD1"، لكننا لم نرصده بداخل ذلك النجم، بل رصدناه من نجم كوّنه ثم انفجر، ماذا؟!

   

النجوم الأولى في الكون

نعم، من المفترض8 أن ينطلق هذا الأكسجين المتكوّن في قلب الجيل الأول من النجوم في تلك المجرات الأولى، مع دفقات المادة المنطلقة بسبب انفجار نجمي هائل نسميه بـ "المستعر الأعظم" (Supernova) يحدث في نهاية حياة النجوم، للفضاء بين-النجمي أولا، ثم تتأين ذراته بعد ذلك بفعل إشعاعات النجوم الضخمة القريبة، ويدخل كمكوّن للجيل الثاني من النجوم، تلك الذرات المتوهجة في نطاق الأشعة تحت الحمراء هي ما رصدته أدوات الـ (ALMA) والـ (VLT) الغاية في الدقة، لكن هنا ربما تسأل.. ولمَ نحن بحاجة إلى أدوات غاية في الدقة والخصوصية لقياس أشعة تحت الحمراء؟ أليس من الممكن لأي تلسكوب مختص بالأشعة تحت الحمراء أن يلتقط ذلك النطاق بشكل طبيعي؟

      

      

هنا تظهر مشكلة إضافية، فهذا الإشعاع الصادر من تلك الذرات قد سافر مسافات طويلة للغاية كي يصل إلى هنا، وحينما يسافر الإشعاع عبر الكون فإن تمدد الكون9 نفسه يساعد على مط موجات هذا الشعاع الكهرومغناطيسي، دعنا نتخيل شعاع الضوء كموجة مرسومة على بالونة تنتفخ، وتمدد الكون هو تمدد ذلك البالون، كلما انتفخ البالون ازداد مط شعاع الموجة في أثناء خط سيرها. لهذا السبب، وخلال رحلته، فإن هذا الإشعاع تحت الأحمر القادم من هذا الأكسجين كان قد تحول من نطاق الإشعاع تحت الأحمر في الطيف الكهرومغناطيسي إلى نطاق ملليمتري لم يكن من الممكن رصده إلا بتقنيات يمكن أن تلتقط موجات بهذا الضعف، وهي تقنيات موجودة فقط في تلسكوبات كـ "مصفوف مرصد أتاكاما المليمتري الكبير" (ALMA)10،11.

     

يعني ذلك، إذن، أن هذا الأكسجين الذي رصدته تلك التلسكوبات، وقام الباحثون بحساب قيمة المط الذي حدث لموجاته وبالتالي تقييم أنه قد وُجد قبل 13.28 مليار سنة، كان بالأساس قد احتاج إلى فترة أطول للتكوّن والوصول إلى تلك المرحلة التي رصدناها، هنا استخدم الباحثون12 في الفريق آليات تحليل من قبل التلسكوب الكبير هابل والمرصد الأوروبي الجنوبي والتلسكوب سبيتزر لصور المجرة الجديدة وكمية الضوء الصادر منها لتقدير أنها ولدت فقط قبل 250 مليون سنة بعد الانفجار العظيم، تلك هي أقصر مدة استطعنا الوصول إليها إلى الآن في سد الفجوة التي تحدثنا عنها منذ قليل، ولذلك فإن هذا الكشف الجديد يتقدم بنا خطوة إلى الأمام، خطوة في عمق الماضي السحيق، للإجابة عن أسئلة تتعلق بفجر الكون.

    

نحن البشر مولعون بالقدم، نريد، ربما لأننا أكثر خوفا من أن نتحمل عدم اليقين، أن نعرف كل شيء عن كل شيء، وأن نضع الكون كله في زجاجة مغلقة يمكن تأملها وقتما نحب، ويمكن كذلك أن نستخدمها لنعرف الماضي ونتوقع المستقبل، فنستطيع تأمين أنفسنا من المجهول. لكن مع تقدم العلم، والذي يمكن أن نعتبره ممثلا عن هذا الخوف، وأداتنا لترويضه، نكتشف يوما بعد يوم أنه كان يمكن أن نحب الكون دون أن نمتلكه، وأن مشهدا لمجرة غاية في البُعد يعطينا من الحكمة ما يستحقه أن نواجه المجهول دون خوف.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار