هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
تعرف على الأسباب العلمية لخسوف القرن

تعرف على الأسباب العلمية لخسوف القرن

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

تابع الملايين من المواطنين العرب، يوم الجمعة الفائت، خسوف القمر الأطول في القرن الحادي والعشرين، وكان من حسن الحظ، أن المنطقة العربية كانت جزءا من مركز الظاهرة، قبل الخسوف تمددت في وسائل التواصل الاجتماعي حالة من الجدل الواسع حول أثرها، خاصة مع انتشار الأخبار الخرافية المتشائمة عن الزلازل والحروب والبراكين المرتبطة بالظواهر الفلكية كالخسوف، وتلك مشكلة عالمية، لكن مع لحظاته الأولى، ومجهود الكثيرين من متخصصي وهواة الفلك العرب في تعريف الناس، زال الخوف واستمتع الجميع بواحد من أعظم مشاهد القرن، خاصة مع ذلك النجم الأحمر اللامع تحت القمر، والذي لم يكن نجما، بل كوكب المريخ.

  

نحو الظلال

يبدأ الخسوف الممتع بالقمر البدر الذي خرج من تحت الأفق لحظة غروب الشمس، بعينيك المجردتين يمكن لك أن تلاحظ ما يشبه الوجه الحزين مرسوما على سطح القمر، ملامح هذا الوجه هي ما نسميه بالبحار القمرية، وهي ليست بحارا بالمعنى المفهوم، لكن القدماء أطلقوا عليها تلك التسمية لظنهم أنها كذلك، أما ما نعرفه الآن عنها فهو أنها مناطق ملساء ممتدة من سطح القمر، تمتد على مساحة 16% من سطح القمر، لكنها تتركز بشكل أكبر في وجه القمر المواجه لنا، فتبدو بتلك الكثافة، تقول أقرب الآراء إن سببها كان حمما بركانية غاية في الكثافة غطت وجه الأقمر قديما في فترة نشأته، راقب الصورة قليلا وتأمل وجه القمر البديع.

    

    

هذه الفوهة التي تراها بالأسفل، والتي تظهر كأنها نجم بحر يقبع جنوبي القمر، هي فوهة تايخو، تمتد بعرض 85 كيلومترا وبعمق 4.5 كيلومتر. بعض الفوهات كـ"تايخو" تصنع امتدادات على شكل أشعة خارجها قد تمتد لـ 1000 كيلومتر، تسمى الـ "Ray System"، يمكن أن تتمكن أنت أيضا من رصدها بوضوح عبر تلسكوب صغير أو حتى نظارة معظمة، بسعر لا يتعدى حاجز الـ 30-50 دولارا في المتوسط، إنها إحدى مزايا النظارات المعظمة.

  

يضيء القمر في أثناء البدر لدرجة تضطرك إلى ارتفاع بقيمة سرعة الغالق (Shutter speed) الخاص بالكاميرا تتخطى حاجز الجزء الـ 1500 من الثانية، وسرعة الغالق هي ببساطة سرعة التقاط الصورة، العين البشرية تلتقط صورة واحدة كل 1 على 10 من الثانية، أما الكاميرا فيمكن أن تفتح عينيها لأي مدة ممكنة، ما يمكّن الكاميرا من رصد أشياء قد لا تراها العين المجردة بسهولة، كالمجرات والسدم في السماء، وفي الوقت نفسه، حينما يكون القمر في كامل إضاءته، فإننا نحتاج إلى خفض تلك السرعة مقارنة بالعين المجردة لتوضيح تفاصيل القمر، الآن دعنا نبدأ الخسوف القمري، المشهد التالي حدث تحديدا في تمام الساعة 08:24 مساء بتوقيت مصر، القمر يلامس ظل الأرض استعدادا للدخول إليه.

     

    

ما زالت تفاصيل القمر واضحة، لكن الجانب الأيسر منه قد انخفضت إضاءته بوضوح، في تلك المرحلة عليك أن تخفض قليلا من قيمة سرعة الغالق الخاصة بك لكي تتجهز لاستقبال كم أكبر من الضوء لإعطاء صورة جيدة، يحاول البعض كذلك أن يتلاعب قليلا بدرجة حساسية منطقة استقبال الضوء في الكاميرا الخاصة به، أو درجة التوازن اللوني، للحصول على تنويعات ممتعة للصورة نفسها تختلف في درجات الإضاءة وتوازن اللون الأبيض فيها.

    

      

الآن ربما يتبادر إلى ذهنك سؤال مهم، لقد رأينا القمر في السماء، ليلة الخسوف، يتحرك في السماء من جهة اليسار إلى جهة اليمين، من الشرق إلى الغرب، لكن الخسوف ظهر كذلك في الجانب الأيمن للقمر وتحرك يسارا، أليس من المفترض أن يحدث العكس؟ أن يتحرك القمر داخل ظل الأرض من الجهة الأخرى؟ في الحقيقة هذا سؤال جيد، لكن المشكلة تتعلق بحركة الأرض مقابل حركة القمر.

  

حركات السماء

الأرض نفسها تتحرك من الغرب إلى الشرق بسرعة 107200 كيلومتر في الساعة، لو تخيلنا أن السماء كلها هي مسرح ضخم ثابت لا يتحرك، فإننا على الأرض، لأنها ضخمة ولا نشعر بحركتها، سوف نرى كل هذا المسرح وكأنه يتحرك من الشرق إلى الغرب بالنسبة لنا، وهذا هو ما يحدث بالفعل كل ليلة تشرق الشمس والقمر والنجوم من الشرق، لكن هناك أجسام أخرى ليست ثابتة على هذا المسرح وتتحرك بالنسبة لنا، أجسام كالقمر والكواكب، ولكن لأنها بعيدة جدا جدا عنّا فإننا لا نلاحظ حركتها، أما في ظاهرة كالخسوف فإنه يمكن ملاحظة ذلك، يتحرك القمر بسرعة 3700 كيلومتر في الساعة تقريبا من الغرب إلى الشرق كالأرض، ولذلك فسنجد أنه يدخل ظل الأرض من الشرق (اليسار) لأن تلك حركته الحقيقية، أما حركته في السماء فهي بسبب حركة الأرض وليس لها علاقة بالقمر.

     

    

بالتدريج، وكما بدا لنا ببطء، لكنه في الحقيقة يحدث بسرعة تسمح لك بالسفر من القاهرة إلى جدة في دقائق قليلة، يدخل القمر إلى ظل الأرض، ما تراه أمامك الآن، هذا الجزء الذي يرتسم في صورة قوس على سطح القمر، هو حدود ظل الأرض التي يدخل فيها القمر شيئا فشيئا، خلال ساعة كاملة ما بين الثامنة والنصف إلى التاسعة والنصف بتوقيت القاهرة، كان القمر قد دخل بالكامل إلى منطقة ظل الأرض، لكن في تلك المرحلة يحلو للفلكي الهاوي أن يلتقط أفضل مجموعة صور ممكنة للقمر، وفي كل حالة خسوف تكون منطقة اقتراب دخول القمر كاملا إلى الظل هي صاحبة أفضل مجموعة من الصور، لكن لِمَ؟

      

    

لأن القمر في تلك النقطة بالتحديد يقع ما بين جانبين، الأول هو ضوء البدر المعتاد في حوافه على اليمين، ودخوله إلى منطقة ظل الأرض حمراء اللون (وأوضحنا في تقريرنا عن الخسوف لِمَ هي كذلك) منخفضة الإضاءة، ما يسمح لك بإضافة تنويعات مختلفة في سرعة الغالق وتظهر كل درجة منها بشكل أكثر إمتاعا من الآخر، تأمل معي مثلا هذه الصورة التي يظهر القمر خلالها وكأنه يرتدي طاقية من نور على رأسه:

    

    

ما زالت تفاصيل القمر واضحة، وكلما غاص في ظل الأرض كان النور متوزعا على جوانبه من اليمين إلى اليسار بصورة تسمح بالكثير من الإبداع، وكلما تدخل القمر أكثر في الظل، كانت حوافه أجمل، وكان التقاط صورة مميزة أمرا ممكنا، خذ مثلا تلك اللقطة التي أخذها المحرر بينما ما زالت الحواف الخارجية للقمر ملامسة للضوء، أو تلك التي بدأ القمر خلالها بالولوج كاملا في دائرة الظل، بداية من الساعة 09:30 بتوقيت مصر، في كل لقطة منها يظهر القمر بصورة مختلفة.

   

    

قبعات حمراء

خلال 103 دقيقة كاملة يستمر القمر داخل ظل الأرض، بلون أحمر بديع، تلك هي المرة الأطول في القرن الحادي والعشرين التي يوجد خلالها القمر في ظل الأرض، والسبب هنا بسيط يمكن فهمه، حيث نعرف من تقرير سابق أن ميل مدار القمر على مستوى الأرض هو ما يتسبب في حدوث الخسوف أو عدمه، لكن في منطقة حدوث الخسوف نفسها فإن القمر قد يكون أعلى قليلا من مدار الأرض، أو منخفضا قليلا، هنا نحتاج إلى تعلم بعض الهندسة من المرحلة الابتدائية.

   

فنحن نعرف أن أطول مسافة يمكن أن تقطعها داخل دائرة هي حينما تمشي على قطرها، وهكذا يفعل القمر، فكلما كان أقرب للسير في منتصف منطقة ظل الأرض (والتي تتخذ شكل دائرة) كان كذلك أكثر طولا، حيث سيظل القمر حينها فترة أطول في الظل، وهذا هو السبب في طول هذا الخسوف تحديدا، فهو أقرب في مسيرته لقطر تلك الدائرة من الظل.

    

    

طوال تلك الفترة التي يتحرك فيها القمر داخل الظل يحاول المصورون التقاط أكبر قدر ممكن من الصور مع تنوع درجات إضاءة القمر، وهنا ينقسم المصورون إلى نوعين، أحدهما -ككاتب التقرير- يستخدم التلسكوب، وهنا هو أحد أكثر إنتاجات شركة سيلسترون (Celestron) العالمية تميزا، إنه الـ "CPC 800" ذو الإنشات الثمانية الذي يشتهر بشكل الشوكة، من جهة أخرى تحاول فئة أخرى من المصورين استخدام الكاميرات بشكل مباشر، خاصة مع عدسات ذات قدرات تقريب عالية لالتقاط صورة للقمر بجانب معلم مميز، كالأهرامات، أو شجرة ما، أو مجموعة من الأطفال، أو برج بيزا المائل.

  

ومع اقتراب القمر من نهاية رحلته، تتكرر تلك اللحظة الحاسمة التي يدخل فيها لضوء الشمس من جديد، في الحقيقة وُفّق كاتب التقرير لالتقاط صورة مميزة لتلك اللحظة، حيث تسببت إضاءة الشمس المنعكسة على وجه القمر، مع لحظة كانت فيها سرعة الغالق كبيرة، في خلق حالة من التوهج للحظة، ظهرت بصورة بديعة، ومع قدر قليل من التعديل لتوضيح ملامح القمر خرجت تلك الصورة بالشكل الذي تراه أمامك الآن.

   

    

بعد ذلك، باقتراب الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، بتوقيت القاهرة، يكون القمر قد أتم خروجه من دائرة الظل، في تلك الساعة يكون كل شيء هو بالضبط عكس ما سبق، فيبدو القمر متآكلا من اليسار، ويتم اكتماله ليصبح بدرا من جديد كما بالصورة الأولى، وهكذا يمر واحد من أروع المشاهد السماوية على الوطن العربي، هذه المرة كان عدد المواطنين العرب الذين خرجوا لمشاهدته أكبر من كل مرة سابقة، وذلك بسبب كم الترويج للظاهرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

   

في كل الأحوال، فإن متابعة الظاهرة الفلكية أمر ممتع، في السنوات القادمة سوف يشهد الوطن العربي العديد من الخسوفات القمرية، لكن بشكل جزئي، أما تلك الظاهرة التي تشتمل خسوفا طويلا يشاهده كل سكان الوطن العربي معا، فسوف تتكرر مرة أخرى في 21 ديسمبر/كانون الأول سنة 2029، أي بعد 11 سنة كاملة، لا نعرف في الحقيقة كيف ستكون أحوالنا، هل ستصبح مشاكلنا أكبر؟ هل ستتقلص؟ هل سوف تصبح إداراتنا السياسية أكثر حكمة؟ أم أن خسوفا في السماء سيحل بعد خسوف الأرض؟

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار