انضم إلينا
اغلاق
حتى أنت يا كراوس.. لماذا ينتشر التحرش بالأوساط العلمية؟!

حتى أنت يا كراوس.. لماذا ينتشر التحرش بالأوساط العلمية؟!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

قبل أيام قليلة سادت حالة من الجدل الواسع في الوسط العلمي بسبب انتهاء تحقيق، استمر قرابة عامين، أجرته جامعة أريزونا الأميركية، والذي خلص إلى أن عالم الفيزياء الفلكية الشهير "لورانس كراوس" قد تحرّش1 جسديًا بامرأة طلبت أن تلتقط معه صورة "سيلفي" في نوفمبر 2016 بأحد المؤتمرات في مدينة ملبورن الأسترالية، وبذلك انتهك كراوس سياسة التحرش الجنسي في الجامعة، مما أدى إلى إعلان الجامعة أن كراوس لم يعد مدير مشروع الأصول (Origins) الشهير التابع للجامعة، والذي يحاول عبر دراسة عابرة للتخصصات أن يبحث خلف نطاق أصول الكون، كما أعلنت إدارة الجامعة أنه في إجازة إدارية من الآن فصاعدًا.

لورانس كراوس (Lawrence Krauss)، أحد أشهر2 الشخصيات العلمية في العالم أجمع وأكثرها مكانة، خاصة في أوساط تبسيط العلوم أو العلم الشعبي، وهو مؤلّف لثمانية كُتب منها ما نال شهرة عالمية واسعة، وترجم لعشرات اللغات مثل كتاب "كون من لا شيء" صاحب الجدل المشهور، وبفضل جهوده في توصيل العلوم حصل كراوس على العديد من الجوائز الدولية المختصة في مجال تبسيط العلوم، بجانب العديد من الجوائز في مجال البحث العلمي كذلك، ويكتب كراوس في الكثير من المجلات العلمية والصحف، ويظهر بصورة منتظمة في الإذاعة والتلفزيون، كما تملأ محاضراته المنصات الرقمية، كاليوتيوب وغيرها.

حتّى العلم؟!
الفيزيائي الشهير لورانس كراوس على يمين الصورة (مواقع التواصل)








لهذا السبب كان الإعلان3 الأخير عن حادثة التحرش أكثر إثارة للجدل من غيره في الوسط العلمي، وكان الأكثر ظهورًا للجمهور العام الذي لا يعرف الكثير عن أحوال المؤسسات العلمية، فنحن نتحدث عن لورانس كراوس، الوجه المحبوب المتحدث باسم الفيزياء، والعلم كله، في كل مكان تقريبًا. في الحقيقة تلفت تلك النقطة الكثير من الانتباه، حيث يضع المواطن العادي العلماء في مكانة فريدة، نبيلة، متعالية عن كل خطأ أخلاقي ممكن، فهم أكثر أهل الأرض معرفة وحكمة، ويشهد لهم الجميع بذلك خاصة مع المنجزات الأخيرة الظاهرة في عوالم الفيزياء والفلك والعلوم العصبية والإدراكية، والإنتاج المهول في مجال التكنولوجيا، ومن المفترض – حينما يمد الشخص العادي الخطوط على استقامتها رابطًا بين العلم والأخلاق - أن يصب ذلك في جانب مواقفهم تجاه سلوك غاية في الحقارة كالتحرش، أليس كذلك؟!

نعم، هو ليس كذلك، لقد انتهت تلك الأسطورة لا شك حينما بدأت أخبار التحرش في المؤسسات العلمية بالانتشار خلال السنوات الثلاث الفائتة، وتصاعدت بحلول نهاية 2017، على خلفية النتائج المفزعة لحركة "مِي تو" (Me Too) العالمية، دعنا هنا نذكر حادثة شهيرة لم تمر عليها سنة كاملة، حينما اضطر متخصص البيولوجيا السرطانية الشهير "اندر فيرما"4، في نوفمبر 2017، للاستقالة دون قيد أو شرط من معهد "سالك" للدراسات البيولوجية في سان دييجو، كاليفورنيا، على خلفية اتهامات بالتحرش جاءت من ثماني سيدات من المعهد وخارجه، على مدى أربعين عامًا من العمل في هذه المؤسسة!

ولا تعتبر حالات كل من كراوس وفيرما استثناءً عن القاعدة. في الحقيقة، كانت هناك، خلال السنوات القليلة الفائتة، موجة واسعة من التحقيقات المتعلقة بالتحرش اللفظي والجسدي في أروقة أعتى5 الجامعات والمعاهد في العالم، نتحدث هنا عن معهد ماساتشوستس العالي للتكنولوجيا، وجامعة واشنطن، ومتحف التاريخ الطبيعي، وجامعة هارفارد، وتضمنت تلك التحقيقات علماء بارزين في مجالاتهم، خذ مثلًا حالة جيفري مارسي6، أشهر فلكيي البحث عن الكواكب خارج المجموعة الشمسية والذي أنجز ما تصور البعض أنه يستحق نوبل في هذا المجال، والذي استقال من منصبه، وقدم اعتذارًا مكتوبًا، قبل عدة أعوام على خلفية تحقيق دام ستة أشهر حول ادعاءات من أربعة طالبات قلن أنه تحرش جسديًا، بشكل عنيف، بهن.

ثم توالت الكوارث

لكن الأكثر لفتًا للانتباه، في هذه القضية الهامة والشائكة، سيكون - لا شك – هو تقرير7 مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية الذي نُشر قبل عدة أشهر فقط، في أكثر من 300 صفحة، للبحث المتعمق والمفصل في نسب التحرشات الجنسية، بكل أنواعها، في الوسط العلمي، لتأتي النتائج الكارثية فتقول8،9،10،11 أنه في الولايات المتحدة الأميركية، مثلًا، بلغ عدد حالات التحرش في المؤسسات العلمية والأكاديمية، نسبة الـ 50% في مجالات العلوم، الطب، والهندسة (كان الطب صاحب أكبر نسبة في كل الدراسات).

وجاءت تلك النتائج لتؤكد نتائج أخرى لدراسات سابقة تقول أن نسب التحرش في المؤسسات العلمية قد اتخذت مركزا مفاجئا للجميع، حيث أقرت 58% من السيدات بحدوث حالات تحرّش ضدهن، بحيث أصبحت المؤسسات العلمي تحتل المركز الثاني12، بعد التحرش في المؤسسات العسكرية، بنسبة 69%، تجاه المرأة، ويعني ذلك أن التحرش في الأوساط العلمية أكثر انتشارًا – حتّى – من المؤسسات الحكومية والصناعية!

 



وما يستحق التأمل في هذا التقرير الخاص بالمؤسسة الوطنية للعلوم، بجانب النسب الكارثية، هو الفكرة الأكثر أهمية والتي تقول13 أن مناخ مكان العمل في المؤسسة هو إلى حد بعيد أكبر مؤشر على نسب التحرش الجنسي بها مثلًا، كانت الأماكن الأكثر قابلية لحدوث حالات التحرش هي المختبرات المعزولة أو الصغيرة، في تلك الحالة يمكن أن نتذكر الاتهامات التي لاحقت الجيولوجي الشهير دايفد مارشانت14 من قبل طالبتين، في القارة القطبية الجنوبية، أثناء رحلة بحثية، كذلك يوضح التقرير انتشار حالات التحرش أثناء السفر والاجتماعات المهنية، كذلك في التدريب الطبي، وفي مقابلات العمل، وكانت أكثر وضوحًا في المجالات التي يسيطر عليها الذكور بصورة أكبر.

أضف لذلك أن الوضع يزداد سوءًا كلما كانت هيراركية (السلسلة التراتبية) منظومة العمل في المؤسسة العلمية أكثر ارتباطًا بتأثير شخص بعينه في موقع ما، حيث ترتفع نسب التحرش (الجسدي واللفظي) كلما كان لأحد العلماء، أثناء الإشراف أو التدريب، تأثير قوي على تحديد المسار المهني للضحية، في تلك الحالة تدفع المخاوف من الانتقام عبر وقف التقدم الوظيفي أو إحداث أية بلبلة قد تتسبب في ذلك، بالضحية الخاضعة للتحرّش، والمتفرج من بعيد، على حدٍ سواء، إلى السكوت حفاظًا على مصالحه ومستقبله.

شملت حوادث التحرش كل الفئات تقريبًا، بمعنى أننا هنا نتحدث عن زميلات في العمل، متدربات في مساقات مهنية متخصصة، باحثي ماجستير ودكتوراة، وكذلك طلبة جامعيين من قبل الأساتذة، لكن نسب التحرش اتخذت تحيزًا عرقيًا15 واضحًا بحيث لاقت سوداوات البشرة من النساء، وأصحاب الميول الجنسية المغايرة، نسبًا أكبر بفارق قد يصل إلى 20%، من حالات التحرش، بكل أنواعه، وهنا نقصد السلوك الجنسي غير المرحب به، والذي يتضمن – بشكل لفظي أو جسدي - طلبات للحصول على خدمات جنسية، ما يتسبب في خلق بيئة عمل عدائية تجاه الضحايا.

ما الحل؟



يبدو لنا أن المشكلات الأساسية التي تواجه سياسات التعامل مع التحرش في المؤسسة العلمية، بشكل عام، وأيًا كانت، هي أنها تركز بشكل أكبر على مقاومة حوادث فردية بشكل قانوني، بينما - بدلًا من ذلك – فإن الاهتمام16 بتعزيز قواعد المساواة والتنوع في المؤسسة، وضبط درجة التعامل القانوني مع مركز المتحرش، والانتباه لوضع المؤسسة العلمية نفسه بما لا يدع مجالًا لحدوث تحرش مستقبلي، بدلًا من التعامل الدائم مع حوادث حصلت بالفعل، هي حلول مثلى، وبالفعل فقد بدأت بعض المؤسسات في اتخاذ ضوابط أكثر قسوة ضد التحرش، بالتعامل معه – ليس كحادثة منفصلة عن نطاق العمل، الذي هو العلم – ولكن بدرجة قانونية تشبه التعامل مع حالات السرقة والانتحال العلمي، وهي أسوأ عقوبات في الوسط العلمي، والتي تؤدي مباشرة إلى قطع التمويل والإقصاء.

لكن، على الرغم من ذلك فإنه لازالت هناك حاجة إلى تأمل أكثر اتساعًا وعمقًا يتعلق بقضايا التحرش في المؤسسات العلمية، وذلك لأن هناك رابط واضح بين حالات التحرش بها وانخفاض نسب المشاركات في البحث العلمي، بمعنى أوضح، سوف تكون أحد نتائج حالة تحرش لا شك هي ضعف الإنتاج العلمي من قبل الضحية، وتغيبها عن العمل مثلًا، وذلك - بجانب تهديد صورة نمطية17 واضح تواجهه المرأة في المؤسسات العلمية (برامج ستيم STEM على وجه الخصوص) – قد يكون أحد الأسباب الهامة لضعف مشاركة المرأة في العلوم، الهندسة، الرياضيات، والطب.

أما بالنسبة للعالم العربي، فـسوف تكون - للأسف - أول المشكلات التي نواجهها هي أننا لا نمتلك أية بيانات واضحة عن التحرش في المؤسسات العلمية، بالطبع نعرف أن السبب الرئيسي هنا هو أن الإفصاح عن التحرش يعتبر - لاشك - وصمة عار على جبين الضحية في الدول العربية، بينما قد يفلت المتحرش من العقاب في معظم الأحيان بسبب العرف الاجتماعي الذي يميز بصورة واضحة وقاسية بين الرجل والمرأة، ما يدفعنا لتوقع نسب قد تكون على الأقل مساوية أو ربما أكبر من تلك التي نراها عالميًا. في النهاية، فإن حلول تلك المشكلات في بلادنا، كما قلنا، تكمن بالأساس في إيجاد منظومات مناسبة تسهّل على الضحية التصريح بالحقائق، وتهدد المتحرشين بأقسى الصور، في المؤسسات العلمية وغيرها.

العلماء إذا، كغيرهم من البشر، يمكن لهم –بنسبة تبين أنها كبيرة- استغلال الفرصة التي تعطيها إياهم السلطة أينما جاءت، وهنا تقف النتائج الأخيرة، سواء كانت تقارير الأكاديمية الوطنية للعلوم أو غيرها من الدراسات، لتعرض أمام الجميع وجه المؤسسة العلمية القبيح، والذي لا يمكن تجاهل النظر إليه، فهو موجود في كل مكان. نعم، لقد كان ذلك معروفًا، وواضحًا طوال الوقت بالطبع، للمتحرشين والضحايا، لكن أحدًا لم يتحدث لفترات نتصور أنها طويلة، أما الآن، فقد انفتح باب الحديث على مصراعيه بعد حركات كـ مي تو Me Too، الآن أصبح الجميع تحت مجهر العنصرية، والتطرف، والتحرش، وكل ما هو غير إنساني، لذلك دعنا نأمل أن يساعد ذلك، بصورة أو بأخرى، في تجاوز مصائبنا المعاصرة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار