انضم إلينا
اغلاق
باللغة العربية.. خمسة كتب تقدم لك نظرية التطور

باللغة العربية.. خمسة كتب تقدم لك نظرية التطور

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

لا شك أن البيولوجيا التطورية هي أحد أكثر الموضوعات المتسببة في الجدل فيما يرتبط بالعلوم في الوطن العربي، لكن المشكلة الرئيسية التي ربما قد تلحظها فورًا ما أن تنخرط في حوارات طويلة كتلك والتي غالبًا ما تشتمل على مئات الردود المتتالية على تعليق في منشور واحد بوسائل التواصل، أو تنطلق لمئات المناظرات بين أشخاص لا تعرفهم حول نسب الحوت والسوط البكتيري وأصل الإنسان، هو أنه لا أحد يتحدث في أساسات البيولوجيا التطورية، أو الاصطلاحات الرئيسية بها كالسلف المشترك أو الانتواع أو -الاصطلاح الأكثر تسببًا للجدل- الانتخاب الطبيعي، وغالبًا ما يدخل البعض لتلك النقاشات من دون القراءة عن هذا العلم من الأساس.

  

والسبب في ذلك، لو دققت قليلًا، هو تصور مسبق عند البعض يقول إن البيولوجيا التطورية هي من السهولة -كفكرة- بحيث يمكن هدمها في 10 دقائق، وهذه هي الصيغة المنتشرة عنها في مجموعات التواصل الاجتماعي وصفحات بعض المشاهير وفيديوهات اليوتيوب، وكأنها، تلك المادة العلمية الضخمة التي لازالت مجال بحث علمي نشط في أرقى الجامعات والمعاهد والدوريات البحثية مثل نيتشر وساينس وغيرهما، هي عبارة عن موضوع تعبير يمكن فهمه ونقده في لحظات، بينما ذلك -في الحقيقة- ليس صحيحًا.

 

وكنّا، في تقرير سابق، قد تحدثنا عن مجموعة هامة من المصادر التي تسمح للمبتدئ، وصولًا إلى التخصص، أن يتعلم عن البيولوجيا التطورية من مصادر جامعية، كانت مساقات أو كتب، رصينة تبتعد عن الجدل الدائر وتدخل مباشرة في أساسات هذا العلم الرصين كما يتعلمه آلاف الطلاب في العالم عبر مساقاتهم الدراسية، لكننا هذه المرة سوف نقدم لك مجموعة من الكتب التي راعينا فيها عدة شروط، الأول أن تكون متاحة بسهولة، سواء بالبحث في المكتبات أو عبر الإنترنت، والثاني أن تكون مكتوبة باللغة العربية، سواء كانت مؤلفة من قبل كاتب عربي أو مُترجمة، وأخيرًا أن تقدم أفضل وأبسط شرح ممكن لأساسات النظرية بدون الخوض في تعقيدات علمية جامعية المستوى.

  

التطور .. مقدمة قصيرة جدًا

دعنا الآن نترك المقدمات الطويلة جانبًا ونتأمل أول ترشيحاتنا المكتوبة باللغة العربية عن البيولوجيا التطورية، وهو كتاب يقدم التطور في حوالي 130 صفحة فقط، وتلك هي أول مزاياة، حيث يمكن لك مع بعض التركيز أن تنهيه في ليلة أو ليلتين، دون مقدمات سابقة في البيولوجيا التطورية، إنه كتاب "التطور" من سلسلة "مقدمة قصيرة جدًا"، والتي تقدم مؤسسة هنداوي، بمصر، العديد من أعدادها بشكل مجاني في صورة إلكترونية، يمكن لك أن تجده هنا.

    

 

الكتاب من تأليف برايان تشارلزوورث، الحاصل على درجة الأستاذية البحثية من الجمعية المَلَكية ويعمل في معهد بيولوجيا الخلية والحيوان والتجمعات بجامعة إدنبره، وديبورا تشارلزوورث، وهي زميلة مهنية بمعهد بيولوجيا الخلية والحيوان والتجمعات الحيوية، بجامعة إدنبره، ويمكن القول إن هذا ليس كتابًا عن التطور بقدر ما هو كتاب يشرح التطور في إطار "لماذا هو حقيقة؟"، أي: يعمل بشكل رئيس على تعدد أدلة حدوث العمليات التطورية المؤدية لتنوع الحياة وتعقدها كما نراه الآن، ومن خلال ذلك يشرح آليات البيولوجيا التطورية الرئيسية.

وتلك، في الحقيقة، مشكلة رئيسية تواجه محاولات الكثيرين لفهم التطور، ذلك لأن الأدلة على صحة البيولوجيا التطورية لا تُستقى من منبع واحد، ولكنها تتفرع من البيولوجيا للجغرافيا للجيولوجيا، وتمتد لتشتمل علوم الوراثة والجينات والكيمياء الحيوية، ولا يمكن بسهولة فهم الصورة الكاملة لصحة الفكرة التطورية في البيولوجيا من دون تأمل كل تلك النطاقات بصورة مبسطة، وهنا يجيء دور هذا الكتاب، لكنه على بساطته، وتعدد أمثلته، ومرونة أسلوبه، يواجه عددًا من المشكلات، فعلى الرغم من جودة الترجمة، في المتوسط، يمكن لك أن تلاحظ درجة من البرود أو الجمود في أثناء السير بالكتاب، لكنك بعد قليل سوف تتعود على أسلوبه، وتتماشى مع طريقته.

 

ويبدأ الكتاب بفصل يشرح، بصورة مبسطة، العمليات السببية الرئيسية للتطور، ثم يبدأ من الفصل الثالث في التحدث عن أدلة حدوث التطور، فيسأل: كيف يمكن فهم أوجه الشبه بني الكائنات الحية من منظور التطور؟ بعد ذلك ينطلق لفهم الأدلة المؤيدة للتطور من تاريخ كوكب الأرض، ومن أنماط التوزيع الجغرافي للكائنات الحية، ثم يركز في الفصل التالي على تطور أوجه التكيُّف لدى الكائنات عن طريق الانتخاب الطبيعي. بينما يركز الفصل التالي على ما نسميه بالانتواع، وهو ظهور الأنواع الجديدة، ثم ينطلق ليضع فصل كامل يناقش فيه بعض المشكلات التي تواجه النظرية، ويأمل المتخصصون في حلّها بأقرب فرصة.

 

وتقدم مؤسسة هنداوي كذلك، ضمن نفس السلسلة، كتاب آخر مرتبط بالبيولوجيا التطورية، لكنه يتحدث تحديدًا عن أصول الإنسان، أيضًا في حوالي 130 صفحة، وهو كرفيقه السابق يقدم في نهاية الكتاب عدد واسع من المصادر الإضافية المبسطة والمتخصصة، يسأل الكتاب: أين يقع البشر على شجرة الحياة؟ وما مدى قرابتنا بالقردة العليا؟ وأين عاش أسلافنا الأوائل؟ ثم للإجابة عن هذه الأسئلة ينطلق برنارد وود، مؤلف الكتاب، وأستاذ علم أصول الإنسان بجامعة جورج واشنطن، بالقارئ لحديث شيق عن أحدث الحفريَّات المُكتشَفة، ثم كيفية العثور على الحفريَّات البشرية، وكذلك كيفية تحليلها وتفسيرها، وكيف يتداخل عدد واسع من العلوم، بجانب الحفريات، لتفسير أصول الإنسان، الكتاب مجاني يمكن لك تحميله من هنا.

 

أعظم استعراض فوق الأرض

 

من جهة أخرى، ينطلق ريتشارد داوكينز، أستاذ علم الحيوان الشهير من جامعة أوكسفورد، والوجه المعروف عالميًا (بجانبيه: العلمي، والملحد المثير للجدل)، ليشرح لنا أدلة التطور بشكل يختلف كثيرًا عن كتابنا السابق من سلسلة مقدمة قصيرة جدًا، في كتابه "أعظم استعراض فوق الأرض". وأول تلك الاختلافات لا يتعلق بالموضوعات التي يناقشها كلٌ منهما، ولكن في كم التفصيل، أولًا، فـ داوكينز يفرد أكثر من 600 صفحة للحديث في أدلة التطور، وأسلوب السرد، ثانيًا، وهو ما سوف يلفت انتباهك فور الدخول للكتاب، داوكينز واسع المعرفة ويضرب أمثلة متعددة من الأدب والفن والعلوم الأخرى ومن الحياة اليومية.

 

في الحقيقة يمكن القول إن داوكينز هو كاتب بارع في مجال تبسيط العلوم، فهو قادر على توصيل المفاهيم المعقدة بصور غاية بالبساطة، فتجده يبدأ مثلًا بتشبيه غاية في البساطة والقدرة على التوضيح حينما يقول أن إنكار التطور كحقيقة علمية يشبه أن تنكر وجود الحضارات السابقة فتتصور أن كل الفن الذي نعرفه الآن، والأدب، وكل العادات المجتمعية المعاصرة، وطراز الملابس، وأشكال الأحاديث الدارجة والأمثال الشعبية في المجتمعات، وأنماط البناء، أن كل هذا لم يتطور من صور سابقة وإنما فقط وجد هكذا دون تعديل منذ البداية.

 

هكذا يستمر داوكينز في ضرب الأمثلة ويخاطب عقلك بشكل رئيس وبدون أية استهانة بقدراتك، ما يسمح لك أن تندمج مع الكتاب، لتتأمل كل الحجج التي يعرضها الكاتب من مجالات بحثية متنوعة، كانت البيولوجيا، أو الجيولوجيا، أو الجغرافيا، أو غيرها، بدرجة من اتساع الأفق والمحاولات الحقيقية للفهم، لهذا السبب يعد ذلك الكتاب هو أحد أفضل إنتاجات الترجمة العربية في مجال تبسيط العلوم في العموم، والبيولوجيا التطورية بشكل خاص، وقد قام بترجمته للعربية الدكتور مصطفى إبراهيم فهمي، والذي كتب له مقدمة طويلة رائعة حقًا. ترجمته لهذا الكتاب تحديدًا جيدة، نعم قد تجد أن أسلوبه في الترجمة صعب بعض الشيء، في البداية فقط، لكن ما إن تألف طريقته في الترجمة حتّى يمر كل شيء بسلاسة.

  

مصطفى إبراهيم فهمي (مواقع التواصل

 

مصطفى ابراهيم فهمي هو طبيب مصري حاصل على الدكتوراة في الكيمياء الإكلينيكية من جامعة لندن، وهو أيضًا أحد روّاد الترجمة العلمية في العالم العربي، ولا يخلوا منزل عربي مهتم بالعلوم من أحد ترجماته، كيف لا وهو الذي ترجم أيضًا أشهر أعمال هوكينج (تاريخ موجز للزمان، والكون في قشرة جوز)، وكثير من كتب جريبن (كالبساطة العميقة، وقصة الكون) وكتاب "الجينوم" لمات ريدلي، وأحد كتب هذا التقرير وهو "داروين مترددًا" لدايفد كوامن، والعديد من الروائع الهامة في مجال تبسيط العلوم، هذا الرجل وافته المنية قبل عدة أيّام فقط، ورغم أنه من روّاد ترجمة العلوم في العالم العربي، إلا أن أحدًا لم يهتم بوفاته!

 

أما الشيء الوحيد الذي قد تجده لاذعًا بعض الشيء في كتاب داوكينز، والذي ربما يثير استياء بعض القرّاء المبتدئين في نظرية التطور (خاصة وأن داوكينز نفسه لا يجد قبولًا بين المتدينين في كل أنحاء العالم من كل الديانات تقريبًا)، هو سخريته الشديدة وهجومه الحاد على وجهات النظر الغير علمية والتي تقف ضد التطور، كالتصميم الذكي وغيرها، والسبب في ذلك هو أن داوكينز هو أحد أكبر المتحمسين لنظرية التطور من الوسط العلمي، لكن ذلك – كما قلنا – لم يمنعه من عرض حجج علمية رصينة تخاطب عقلك بالأساس، وتدفعك حقًا للتأمل في البيولوجيا التطورية.

 

  

أما إذا كنت من النوع الذي لا يطيق الاستمرار في القراءة، فيمكن لك الاستماع إلى هذا الكتاب بنسخته الصوتية، وهي من قراءة داوكينز نفسه، لكن للأسف لا توجد نسخة صوتية بالعربية، فقط النسخة الإنجليزية الصوتية ستجدها متاحة على الإنترنت بشكل مجاني، ويمكن لك كذلك أن تتأمل مجموعة محاضرات هامة لداوكينز في الجمعية الملكية للعلوم، حينما قدّم البيولوجيا التطورية، بنفس الدرجة من السهولة والبراعة في السرد ودفع المتفرج للتساؤل والتأمل، عبر "سلسلة محاضرات عيد الميلاد"، في التسعينات من القرن الفائت، بعنوان "الإستيقاظ في الكون"، وهي في الحقيقة مجموعة مميزة جدًا من خمسة محاضرات مدة الواحدة منها حوالي الساعة، لا تجد شهرة على نطاق المحتوى العربي في البيولوجيا التطورية، ولحسن الحظ أن لها نسخة مترجمة بالعربية تجدها مرفقة بالتقرير، كذلك يمكن للوثائقي الشهير "السمكة بداخلك"، من تقديم نيل شوبين البروفيسير من جامعة شيكاغو، أن يقدم لك عرضا مميزا عن البيولوجيا التطورية يتخذ جانب أكثر بساطة وبصورة حكائية درامية بدرجة ما.

  

  

الاختراعات العشرة العظيمة للتطور

أمّا نيك لين، المحاضر في الكيمياء الحيوية التطورية في قسم علم الوراثة والتطور والبيئة في كلية لندن الجامعية، فينتقل بنا إلى مستوى آخر تمامًا بكتابه "ارتقاء الحياة: الاختراعات العشر العظيمة للتطور"، حيث يبدأ بعلامة تعجب كبيرة لها علاقة بأثر الحياة على هذا الكوكب، حيث حوّلته من كرة قاحلة إلى منارة زرقاء اللون خضراء الشخصية، كيف حدث كل ذلك؟ كيف يمكن أن نفسر الحياة بالأساس؟ الحدث الأعظم في تاريخنا، ولماذا - في النهاية - نموت؟ هنا تظهر 10 قفزات، يسميها لين "اختراعات"، تركت أثرًا عظيمًا في تطور الحياة على هذا الكوكب.

 

ويبدأ لين بتحديد الشروط التي اتبعها لإطلاق لفظ اختراع، والذي لا يمكن فهم اختياره بسهولة إلا بعد إتمام الكتاب، على تلك الظواهر. حيث يجب أن تكون الظاهرة الحيوية ثورية، وذات أهمية استثنائية في تطوير الحياة على سطح الأرض، ويجب أن تكون نتائج مباشرة لعمليات تطورية انتخابية، فيكون كل منها هو رمز بارز للتطور في حد ذاته، وما يميز هذا الكتاب أنه يتحدث، بدرجة واسعة من البساطة، لكنها لا تشبه سابقتها في كتاب داوكينز، عن آخر التطورات في فهمنا للبيولوجيا التطورية المتعلقة بتلك الموضوعات المثيرة، ليجمعها في كتاب يقول عنه مات ريدلي "إذا خرج تشارلز داروين من قبره اليوم، فسأعطيه هذا الكتاب القيِّم حتى يلحق بركب الحياة العلمية الحديثة".

 

 

 

لين لا يتحدث في أدلة التطور بالشكل الذي يفعله داوكينز أو الثنائي تشارلزوورث، لا يتحدث في الحفريات ولا الأدلة الجيولوجية والجغرافية والتشريحية على صحة التطور، بل ينطلق مباشرة إلى العالم الذي ينغمس فيه، عالم الكيمياء، فيتحدث عن استخدام أحدث آليات الميكروسكوبيا لفهم التركيبات البروتينية للكائنات الحية وأعضائها، وكيف يمكن لعلم الجينوم المقارن أن يقارن جينومات كاملة، كذلك فإن البيولوجيا الحوسبية تمكننا من تحديد أشكال البنى المهيمنة للبروتينات، ما جعله من السهل حقًا أن نتمكن من جمع دلائل جديدة مختلفة عن صحة العمليات التطورية في أدق مستوى ممكن.

 

أما تلك الاختراعات العشرة فهي: أصل الحياة، الـ دى إن إيه، عملية البناء الضوئى، الخلية المعقدة، التكاثر الجنسى، الحركة، الإبصار، الدم الحار، الوعى، الموت، وهنا يتضح جانبًا رئيسيًا من مزايا هذا الكتاب، فهو يجيبك عن أسئلة طالما جالت بدماغك حول تلك الظواهر الفريدة تحديدًا، فيتساءل لين عن سبب كل منها، وأشكال تطوره ليصبح على الصورة التي نلحظها في الحياة الآن، كذلك فإنه يحاول، في صورة مبسطة قدر الإمكان، لا تخلو من الجانب القصصي الجميل، أن يفسر أهمية كل منها في ضوء فكرة التطور، ورغم صعوبة الكتاب البادية للوهلة الأولى مع الترجمة الجامدة بعض الشيء، إلا أن الانتهاء من هذا الكتاب أشبه برحلة غاية في العمق والإمتاع، بين جنبات الحياة، تلك المعجزة الأكبر والأكثر إبهارًا في هذا الكوكب.

         

      

ثلاث قصص علمية.. وواحدة عن رجُل خجول

يمكن لأي من الكتابين الأول والثاني، مع كتاب لين الأخير، أن يمثلا مقدمة مبسطة غير أكاديمية، ومع ذلك رصينة، لفهم البيولوجيا التطورية في إطار العلم الشعبي (المبسط)، رغم ذلك لا يزال في جعبتنا كتابين مختلفين بعض الشيء عن السياق السابق، كلٌ منهما له ميزة مختلفة حتمت علينا أن نضعه ضمن مجموعة ترشيحاتنا عن التطور، الأول هو كتاب "ثلاث قصص علمية" الصادر ضمن سلسلة مكتبة الأسرة، المصرية، لمؤلفه الدكتور أحمد شوقي أستاذ الوراثة بكلية الزراعة جامعة الزقازيق، والذي يقدم كل من "البيولوجيا" و"التطور" و"الوراثة" في حوالي 300 صفحة من القطع الصغير.

 

يمتلك هذا الكتاب عدة ميزات أساسية، أولها له علاقة بالبساطة، فعلى الرغم من لغة شوقي في الكتابة، والتي تبدو للوهلة الأولى مملة بعض الشيء بالنسبة لمبتدئ، إلا أنه يسير في كتابه بأسلوب غاية في البساطة ولا يدخل بالقارئ إلى تعقيدات علمية تنفره من المادة المقدمة له، بل على العكس تمامًا يتعمد دائمًا، خلال فصوله، أن يثير بداخلك الكثير من الأسئلة، أما الميزة الثانية فهي تتعلق بما يقدمه الكتاب، حيث بجانب المعرفة عن التطور، ربما يكون من الضروري أن تتعلم عن البيولوجيا كعلم، كيف نشأت وتطورت؟ وعن الوراثة، أحد أهم فروع علم البيولوجيا، والعلم كله إن جاز القول.

  

أما بالنسبة للتطور، والذي يطرحه الكاتب، أو قُل يلخص العديد من جوانب حكايته، في حوالي الـ100 صفحة فقط، فإنه يتنوع بين عدة موضوعات كلها مهمة ومفيدة لقارئ عربي مبتدئ عن التطور، فمثلًا يقدم الكتاب تلخيصًا سريعًا ومفيدًا لكتاب "أصل الأنواع" لداروين، كذلك فإنه يتحدث عن نسبة تقبل الناس للبيولوجيا التطورية، وعلاقة ذلك بفهمهم الخاطئ لبعض مفاهيمها، من جهة أخرى يناقش شوقي ثقافة التطور، وكذلك حالة التعصب القائمة ضد التطور، سواء من قبل رجال الدين، عبر حديث عن كتاب "داروين هبة العلم والدين"، أو من قبل رافضي النتائج الاجتماعية للداروينية، عبر حوار تخيلي بين تمساح والسيد تشارلز داروين، يشرح خلاله أن ذلك لا يعبر عن نظرية التطور ولا علاقة له به، ويحاول شوقي جاهدًا من خلال ذلك كله أن يوضح أنه لا تعارض بين الدين والبيولوجيا التطورية.

 

 

 

كذلك يعطي هذا الجزء جانبًا للحديث عن تطبيقات البيولوجيا التطورية، مع ملف مصوّر ممتع في كل جزء من الأجزاء الثلاثة للكتاب الصغير، وهو دائمًا ما يحاول استثارة انتباهك عبر أسئلة مهمة لابد وأنها جالت بخاطرك يومًا ما إذا كنت مهتمًا بالبيولوجيا من قريب و بعيد، ويقدم شوقي كل مادته في صورة تبدو كأنها مجموعة من المقالات الصحفية القصيرة، أو هي كانت كذلك بالفعل، ويسهل ذلك على البعض أثناء قراءة في الكتاب، حيث يخفف قليلًا من ملل القراءة في موضوعات بيولوجية، ويمكن القول إن ذلك الكتاب هو أبسط ترشيحاتنا بهذا التقرير بالنسبة لقارئ لا يعرف الكثير عن التطور.

   

أما الكتاب الآخر، في هذا الجانب المختلف من تقريرنا، فهو كتاب "داروين مترددًا"، من تأليف دايفيد كوامن، أحد أشهر الكتّاب في مجال العلوم على مستوى العالم، وهو الرجل الذي تعلّم البيولوجيا بشكل ذاتي، ثم استخدم موهبة أدبية حكائية تبسيطية رائعة، وقدم لنا مجموعة من أهم الأعمال المتميزة، منها هذا الكتاب، والذي لاقى قبولًا عالميًا واسعًا، رغم ما سبقه من كتب عن حياة تشارلز داروين، هذا الرجل الذي أصبح اسمًا، وفي نفس الوقت صفة، صفة سيئة ينعت البعض بها الآخر متهمًا إياه بأنه "دارويني".

 

  

 

لهذا السبب، فإن كتاب "داروين مترددًا" هو نقطة أساسية، كما نظن، في رحلة كل قارئ عن البيولوجيا التطورية، حيث ليست الفكرة فقط أن تتعلم أن داروين، ذلك الباحث الفذ المجتهد، بريء من كل تلك الاتهامات، لكن أيضًا لتتعلم أنه إن لم يكن داروين قد تحدث عن التطور، فإن غيره كان ليفعل، حيث لم تكن المشكلة في داروين نفسه، ولكن كم الدلائل الذي أصبح متاحًا في الفترة التي تلت رحلة البيجل، وهي النقطة التي انطلق منها الكتاب، حتّم أن يصل أحدهم لنفس الفكرة الغريبة، التطور.

  

أضف لذلك أن الكتاب يسرد أساسات نظرية التطور نفسها من خلال عرضه لحياة داروين المتردد في الحديث عنها، فمن حين لآخر يأخذنا كوامن لأحد جوانب البيولوجيا التطورية فيبسطّه ويقدم له عرض قصير، ثم يعود لداروين من جديد، لكن الأهم من ذلك كله هو حينما يقودك الكاتب، بسلاسة ويسر، لفهم أن التطور لم يكن فكرة برّاقة قفزت فجأة إلى دماغ أحدهم، بل كان ظهوره هو نتيجة طبيعية لمجموعة متتالية من الأبحاث السابقة التي اتخذت طابعًا فلسفيًا، ثم مع توفر الأدلة، وقدر عظيم من الجهد في البحث، أصبحت البيولوجيا التطورية جزء من العلم.

 

في كل الأحوال، فإن تجاهل ذلك الجدل القائم حول التطور في موضوعات لا علاقة لها بأساسات البيولوجيا التطورية تطير بك بين جزر مبهمة تمتلئ فقط بالتعصب للآراء ضمن مجموعات واسعة من الردود "الماحقة" و"الساحقة" و"قاصفة الجبهات" على طريقة السوشيال ميديا، والالتفات بشكل أكبر إلى البحث وراء "العلم" الخاص بالبيولوجيا التطورية، سواء عبر مادة هذا التقرير من الكتب والوثائقيات المبسطة، أو سابقه والذي قدم جانبًا أكثر تخصصًا مع عدة مراجع هامة يتعلم منها آلاف الطلبة سنويًا، لهو أفضل ما يمكن فعله إن كنت مهتمًا بالفعل أن تفهم ما يعنيه التطور، حيث، إذا كنت تود أن تقرأ عن شيء علمي ما، جسيمات النيوترينو مثلًا، هل هناك ما هو أفضل وأصح من تعلّم القليل عن فيزياء الجسيمات وأساساتها ثم الانطلاق للتعرف إلى ذلك النيوترينو العجيب؟ هكذا الأمر في البيولوجيا التطورية أيضًا. 

تقارير متصدرة


آخر الأخبار