انضم إلينا
اغلاق
علم الكونيات بدون فلسفة.. هل هي سفينة بدون هيكل؟

علم الكونيات بدون فلسفة.. هل هي سفينة بدون هيكل؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

ما قصة كارهي الفلسفة في أواسط الفيزياء الفلكية وعلم الكونيات؟ من ادعاء ستيفن هوكينغ الراحل أن "الفلسفة ميتة" إلى فصل طويل تحت عنوان "ضد الفلسفة" في كتاب "أحلام الفيزيائيين بالعثور على نظرية نهائية" -الصادر عام 1992- لمؤلفه ستيفن واينبرج الحائز على جائزة نوبل للفيزياء، يعتقد الكثير من الفيزيائيين وعلماء الفيزياء الفلكية أن الفلسفة عديمة الفائدة أو على الأقل غير مجدية للعلم. في الوقت ذاته، طرح هوكينج وليوناردو ملودينوف في كتاب "التصميم العظيم" -الذي تم نشره عام 2010- نهجاً في البحث العلمي يدعى "الواقعية المبنية على نموذج"، في حين يجادل كتاب واينبرج بحماس -وفلسفية- ضد الوضعانية المنطقية[1] والميتافيزيقيا. إذا كان الأمر عديم الجدوى، فلماذا كل من هوكينغ وواينبرج ونيل ديجراس تايسون ولورانس كراوس وغيرهم من مناهضي الفلسفة غالباً ما ينخرطون في الخطاب الفلسفي؟

  

ستيف هوكينغ، عالم الفيزياء البريطاني (رويترز)

   

على الرغم مما قد يفكر به الكارهون، فإن جميع مجالات العلوم تواجه أسئلة لا يمكن الإجابة عليها في إطار عملية العلم نفسها. عندما يفحص العلماء أفضل طريقة لاختبار النظرية، أو يتساءلون كيف ترتبط النماذج العلمية بالواقع، فإن ما يقومون به هو الفلسفة. ولكن علم الكونيات على وجه الخصوص مليء بالألغاز والآراء الفلسفية في موقعه الفريد كدراسة لوجود الوجود كله.

  

في الواقع، هناك اعتقاد فلسفي يختبئ في جوهر علم الكونيات؛ وينص المبدأ الكوني على أن الكون متجانس على نطاق واسع (يبدو نفسه في جميع المواقع) ومتناحٍ (أي موحَّد الخواص أو متكافئ الاتجاهات بمعنى أنه يبدو نفسه في جميع الاتجاهات). على سبيل المثال، سيكون العرض من سفينة في وسط المحيط متكافئ الاتجاهات ولكن عندما تكون الأرض في الأفق، فلا يتطابق المشهد نفسه في جميع الاتجاهات، وسطح المحيط متجانس بحد ذاته حتى تقترب من الشاطئ.

  

إن المبدأ الكوني أساسي لفهمنا كيفية تطور الكون وتوسعه من بلازما موحدة ساخنة ثم يبرد ليشكّل الشبكة الكونية المعقدة التي يمكننا رؤيتها الآن من خلال التلسكوبات. لافتراض التجانس والتناحي في كل مكان، يجب على المرء أولاً أن يكون متوسطاً في الاختلافات الصغيرة مثل الكواكب الكاملة وحتى المجرات. وبالتالي فإن المبدأ الكوني هو مبدأ إحصائي: فهو صحيح فقط إذا قمت بتطبيقه على مقاييس كبيرة بما فيه الكفاية.

  

ولكن حتى في هذه الحالة، قد لا يكون ذلك صحيحاً. لا يجب أن يكون الكون متجانساً؛ فنظرية ألبرت أينشتاين للجاذبية تبلي حسناً إذا لم يكن الكون كذلك، وتتسبب الجاذبية في نمو الهياكل بمرور الوقت، مما يضخّم الاختلافات الأولية الدقيقة. سواء كانت هذه الاختلافات الأولية قد نشأت عن "التموج الكمّي"[2] للجزيئات الظاهرية المنبثقة داخل وخارج الوجود، أو قد نشأت عن نظرية أخرى أكثر غرابة ولا زالت غير محلولة.

  

ألبرت أينشتاين، عالم الفيزياء الألماني (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

لذلك يعيش العلماء في حالة من القبول المتردد. إن المبدأ الكوني أساسي لكيفية وصفنا لتطور الكون، إلا أننا لم نتمكن حتى الآن من إثبات صحته بالضرورة. لقد حققت محاولات قياس ما إذا كان الكون متجانساً -أو إلى أي مدى أصبح متجانساً- بنتائج مختلطة. غير أنه تم ملاحظة وجود نظام كوني ذاتي التباين: إن إشعاع الخلفية الكونية الميكروي[3] -المنبعث من كل مكان في الكون بعد بضعة مئات الآلاف من السنين بعد الانفجار الكبير- موحَّد الخواص بنسبة جزء واحد إلى مئة ألف. وعلى نحو مماثل، قد تشاهد السفينة في المحيط اختلافات بسيطة مثل موجات متقطعة صغيرة، لكن المنظر متساوٍ  إلى حد كبير.

  

حالياً، يمكن الحصول على توحّد الخواص دون التجانس. بالنسبة لراصد في مركز التوزيع الكروي للمادة، تبدو الأمور كما هي في جميع الاتجاهات، لكن ليس شرطاً لمثل هذا التوزيع أن يكون متجانساً. ومع ذلك، فإن الكثيرين من علماء الكونيات مقتنعون بأن التجانس موجود في بعض النطاقات -سواء تم قياسه أم لا- لأنه بفضل مبدأ فلسفي غير تجريبي، يترتب التجانس منطقياً على توحّد الخواص.

  

يُعرف ذلك باسم "مبدأ كوبرنيكوس" الذي ينص على أنه لا يوجد مراصد متميزة؛ فموقع كوكبنا ليس موقع ذا أفضلية في الكون والأرض ليست مركز الكون، والمركز هو مكان خاص للغاية بكل تأكيد. وفقاً لهذا المبدأ، يجب أن يكون الكون متناحياً في كل مكان، من جميع المواقع وليس من موقعنا فقط؛ وحتى يكون هذا صحيحاً، يجب أن يكون الكون متجانساً أيضاً. إذا كان المنظر من كل السفن يبدو متناحياً، فلا يجب أن تكون هناك أرض لجعل الأشياء تبدو مختلفة، لذلك يجب أن يكون المحيط هو نفسه في كل موقع.

  

لقد كان مبدأ كوبرنيكوس مقبولاً تماماً في علم الكونيات حيث خلط العديد من العلماء بينه وبين المبدأ الكوني، أو ببساطة يعاملونه كأمر بديهي مسلَّم به حتى في الكتب المدرسية. لكي نكون منصفين، يمكن النظر إلى المبدأ الكوني على أنه نسخة أكثر عمومية من نسخة كوبرنيكوس لأنه في عالم متجانس ومتناحٍ، لا يوجد مراصد مميزة أو أماكن خاصة في أي مكان. ومع ذلك، يمكن اختبار المبدأ الكوني بوضوح، بينما يتبنى مبدأ كوبرنيكوس اعتقاداً بما أصبح عليه الكون دون اللجوء إلى بيانات تجريبية. إنها أيضا فكرة حديثة بشكل واضح؛ على مر التاريخ البشري، لم يكن لدى الناس مشكلة في الاعتقاد بأن الأرض كانت في المركز.

   

كوبرنيكوس، عالم فلك بولندي (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

إن أهمية هذه الآراء في علم الكونيات هي مجرد طريقة يتم فيها ضبط التزكيات على الحجج الفلسفية. علم الكونيات مثله مثل علم الفلك (وهو علم دراسة الأجسام السماوية)، يمكن له اختبار نظرياته فقط عن طريق الملاحظة بدلاً من التجريب. لا يمكننا إجراء تجارب على الكون ككل، أكثر مما يمكننا القيام به هو تفجير نجم في المختبر فرضاً. حتى لو تمكنا من تفجير نجم في المختبر، قد يأخذ المرء الموقف الفلسفي الذي لا ينبغي لنا الأخذ به. لكن بينما يقوم الفلكيون ببناء تلسكوبات لمراقبة ملايين المجرات أو مليار نجم، لا يوجد سوى كون واحد (أو أكوان متعددة واحدة فقط). علاوة على ذلك، نحن عالقون في نقطة واحدة ويمكننا ملاحظة قدر محدود -رغم أنه قدر كبير- من الكون. تعني هذه القيود أن الاختيارات الفلسفية سوف تلعب دوراً في بناء النظريات الكونية واختبارها.

 

إلى جانب مسائل المنهج، يثير محتوى علم الكونيات أسئلة فلسفية حول طبيعة الوجود. يتعامل علم الكونيات مع البدايات بأكثر الطرق الأساسية الممكنة. هل بدأ الكون في التفرّد الأولي للانفجار الكبير؟ هل الوقت نفسه؟ وهل يبدو هذا السؤال منطقياً؟ أم أن بعض التفرّدات (وهي مراكز لانهاية موضعية كالثقوب السوداء) تدل على مشكلة في نظرياتنا؟ ربما يجب علينا أن نفضل النموذج المتذبذب[4]، حيث سبقت الانفجار العظيم زوال بعض الكون الماضي الذي ولد منه الكون الحاضر. وإذا كان من غير الممكن إعادة إنتاج ظروف الكون المبكر (إذا كانت هذه الطاقات العالية يتعذر بلوغها باستخدام أي مسرعات جسيمات يمكن أن نبنيها) فكيف يمكننا التعامل مع هذه الألغاز؟

  

ليس بالضرورة أن يفكر علماء الكونيات في مثل هذه الأسئلة أو يجيبوا عليها، كما أنها ليست مهمة فلاسفة العلوم صياغة "نظرية كل شيء". لكن قد يستفيد علماء الكونيات من إذا كان هناك رغبة في التعاون مع زملائهم الفلسفيين في هذه الرحلة. ومع وجود الكثير من العلماء عالقين في نظريات مثل "قابلية الدحض"[5] لكارل بوبر، وبينما كان يخوض فيزيائيو الجسيمات وعلماء الكونيات في استنتاج المبدأ الإنساني حول الأكوان المتعددة، يمكننا بالتأكيد استخدام بعض المساعدة. العدد المتزايد من مبادرات فلسفة علم الكونيات قد يكون علامة على أن التوقعات آخذة في التحسن على الرغم من الكارهين. ويذكرنا مثال المبدأ الكوني بأن علم الكونيات مليء بالخيارات الفلسفية، سواء كنا ندرك ذلك أم لا.

------------------------------------------------------------

هوامش

[1] الوضعانية المنطقية: هي حركة فلسفية ظهرت في النمسا وألمانيا في العقد الثاني من القرن العشرين. تعنى هذه الحركة بالتحليل المنطقي للمعرفة العلمية، حيث تؤكد أن المقولات الميتافيزيقية أو الدينية أو القيمية فارغة من أي معنى إدراكي، بالتالي لا تعدو كونها تعبير عن مشاعر أو رغبات. إذاً، فقط المقولات الرياضية والمنطقية والطبيعية هي ذات معنى محدد.

[2] التموّج الكمّي: هو اهتزاز أو تغير للطاقة وقتي في الفراغ. يعبر عن التموج الكمومي للفراغ بـ"طاقة الفراغ" في نظرية المجال الكمومي. ولكن محاولة إيجاد علاقة بين طاقة الفراغ و الطاقة المظلمة أدى إلى نتيجة أكبر بكثير من الطاقة المظلمة التي ترجحها قياسات المراصد.

[3] إشعاع الخلفية الكونية الميكروي: هي أشعة كهرومغناطيسية توجد في جميع أركان الكون بنفس الشدة والتوزيع وهي تعادل درجة حرارة 2.725 درجة كلفن.

[4] النموذج المتذبذب: هو أي نموذج كوني يتبع فيه الفضاء الكوني دورات ذاتية متكررة ولا نهائية. باختصار تعتبر نظرية الكون المتذبذب التي وضعها ألبرت أينشتاين سنة 1930، أن الكون يتبع سلسلة أبدية من الدورات، كل منها تبدأ مع الانفجار العظيم وتنتهي مع الانسحاق الشديد، وبينهما يتمدد الكون لفترة من الزمن قبل أن تتسبب جاذبية المادة في انسحاقه وفق نظرية الارتداد العظيم.

[5] قابلية التكذيب أو قاعدة الدحض: قاعدة هامة من أُسس فلسفة العلوم؛ من المسلمات أنه لا طريقة لإثبات صحة أي فرضية أو نموذج مطلقاً، لأنه ممكن دائماً استعمال علة أخرى لتفسير نفس الملاحظات. لذا فحتى أرسخ قوانين الفيزياء مشروطة، فلا يمكن أبداً للمنهجية العلمية إثبات صحة فرضية معينة قطعياً، بل ممكن إثبات عدم صحتها فقط (دحضها).


------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار