انضم إلينا
اغلاق
الحملة ضد تكييف الهواء.. الأغنياء يريدونكم أن تموتوا حرّا!

الحملة ضد تكييف الهواء.. الأغنياء يريدونكم أن تموتوا حرّا!

Jacobin

مجلة فصلية
  • ض
  • ض

إن معارضة تكييف الهواء هي مجرد شكل آخر من أشكال سياسة التقشف النيوليبرالي الذي لا يريد للطبقة العاملة التحرر من الحرارة. لم تكن درجات الحرارة الشديدة التي عمّت العالم هذا الصيف مزعجة فقط، بل كانت قاتلة.

   

في الشهر الماضي، أودت موجة الحر في كيبيك بحياة ما يصل إلى تسعين شخصا. توفي ما لا يقل عن ثلاثة وخمسين شخصا في مونتريال وحدها، بعد أن تجاوزت درجات الحرارة الـ ٤٠ درجة مئوية. ازدحمت مشرحة المدينة بالجثث ولم تعد تستوعب المزيد، وهي المرة الأولى التي حدث فيها ذلك بسبب الإصابات المتعلقة بموجة الحر.

   

وكانت غالبية الضحايا من المجتمعات الفقيرة أو الضعيفة، وممن يعيشون بمفردهم، ومن يعانون من أمراض مزمنة أو نفسية، والفقراء والمرضى وكبار السن، والرضع، الذين لم يكتمل نمو الآليات الطبيعية لتنظيم درجات الحرارة لديهم. في كل هذه الحالات، كان عدم وجود أنظمة لتكييف الهواء قاتلا لهم.

    

    

تدفع درجات الحرارة القاسية في جميع أنحاء المعمورة الناس إلى الهلاك. فلقد توفي ٤٤ شخصا في الشهر الماضي في طوكيو، بمن فيهم ١١ في يوم واحد فقط. في كوماغايا، بالقرب من العاصمة، سجلت أعلى درجات الحرارة في البلاد حتى تاريخه وكانت ٤١.١ درجة مئوية.

   

في شهر مايو/أيار، توفي خمسة وستون شخصا في كراتشي بباكستان في غضون ثلاثة أيام فقط عندما بلغت درجات الحرارة ٤٤ درجة مئوية. وفي جنوب إيران، قامت قوات الأمن بقمع الاحتجاجات العنيفة التي اندلعت بعد أن تجاوزت درجات الحرارة ٥٠ درجة مئوية.

   

لا يمكننا أن نعزو أيا من الظروف المناخية المتطرفة بمفردها إلى ظاهرة تغير المناخ، فهناك ببساطة الكثير من التقلبات الطبيعية، في حين أن العديد من الكوارث (بما في ذلك الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات) لها أسباب اجتماعية واقتصادية، وليس فقط أسباب مرتبطة بالمناخ والطقس.

  

فلنأخذ مثلا حرائق الغابات الأخيرة في اليونان. لا ينبغي لنا التقليل من دور التقشف الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على اليونان في مفاقمة الأوضاع هناك. وكما ذكر يانيس بابولياس مؤخرا في صحيفة الـ "لندن ريفيو أوف بوكس"، فإنه "غالبا ما يعمل رجال الإطفاء بموجب عقود موسمية، وفي بعض الحالات تكون ميزانيتهم ​​متدنية للغاية، بحيث عليهم أن يشتروا أحذيتهم بأنفسهم".

     

   

وبالمثل، خلال حرائق الغابات التي في مقاطعة كولومبيا البريطانية مؤخرا، أصبح هواء المقاطعة لفترة وجيزة الأسوأ تلوّثا في العالم، وذلك يعود في جزء منه إلى سنوات طويلة من سياسات الحكومات المحافظة التي خفضت الإنفاق العام وتجاهلت التحذيرات التي أصدرها خبراء الغابات وخبراء الإطفاء بشأن الحاجة إلى إزالة غابات خشب الوقود الخطرة.

   

ولكن حتى لو قبلنا بأن الظواهر المناخية المتطرفة الفردية وتأثيراتها تنتج بسبب عوامل متعددة، فلا يزال بإمكاننا القول إن زيادة وتيرة وشدة موجات الحر في جميع أنحاء العالم هي مرتبطة بزيادة حرارة الكوكب. ففي جميع أنحاء العالم، كانت سبع عشرة من السنوات الثماني عشرة الأخيرة الأكثر سخونة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة في الأرض.

   

خلال فصل الصيف في عام ٢٠٠٣، شهدت معظم مناطق أوروبا الغربية أعلى درجات الحرارة منذ عام ١٥٤٠، مما تسبب في وفاة أكثر من سبعين ألفا في جميع أنحاء القارة. كانت فرنسا من أكبر المتضررين، حيث بلغ عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة ١٤٨٠٢ حالة (معظمهم من كبار السن). كان تكييف الهواء في ذلك الوقت، ولا يزال إلى حد كبير، غير متوفر في البلاد.

   

لكن مع تغير المناخ، علينا أن نركز بقدر أكبر على التكيف مع الاحترار الحتمي بالتوازي مع محاولة التخفيف من أسبابه. وكجزء من هذا التكيف، ينبغي لنا أن ننظر إلى تكييف الهواء على أنه حق من حقوق الإنسان.

  

الحق في تكييف الهواء

ماذا يعني أن يكون لديك الحق في تكييف الهواء؟ على وجه التحديد، يعني أنه ينبغي أن يكون لديك الحق في التمتع الحرّ أو الرخيص والموثوق به بظروف حرارية مثلى للاستقلاب البشري (عندما تكون درجة حرارة الهواء بين ١٨ درجة مئوية و٢٤ درجة مئوية، طبقا لمنظمة الصحة العالمية)، أي لا حار جدا ولا بارد جدا.

    

   

يجب أن تزود كافة المباني الجديدة بأنظمة تكييف ولا ينبغي أن يكون الهدف من أي برنامج لإعادة تأهيل المباني القديمة المدعومة من قِبل القطاع العام مجرد تبديل نوع الوقود وتحسين العزل، بل يجب أيضا تثبيت أنظمة تكييف الهواء تكون هادئة وفعالة. أما في ما يخص شبكة الكهرباء، يجب أن يشمل ذلك أيضا الحصول على التكييف باستعمال كهرباء رخيصة ونظيفة.

   

ولكن يجب أن يكون الهدف الأساسي هو إنقاذ المزيد من الأرواح. من بين جميع الكوارث الطبيعية، تعتبر موجات الحرارة الأكثر فتكا، حيث تقتل أكثر من الفيضانات والأعاصير والزلازل. في الوقت الحالي، يواجه نحو ٣٠% من سكان العالم ظروفا تتجاوز العتبة التي تكون عندها درجة حرارة الهواء والرطوبة مهددة للحياة لأكثر من عشرين يوما في السنة. وحتى في ظل السيناريوهات التي تفترض النجاح في إجراء تخفيضات جذرية في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، فقد توصل الباحثون إلى أنه بحلول نهاية القرن، سوف ترتفع النسبة هذه إلى أقل من النصف بقليل. وإذا استمرت الانبعاثات في النمو كما هي، فإن النسبة سترتفع لتشمل ثلاثة أرباع سكان الأرض.

     

إذن ليس من سبيل المشاكسة المطالبة بتكييف الهواء للجميع. ولكن حتى إذا غضضنا النظر عن دور التكييف في الصحة العامة المنقذة للأرواح، فإنه بالنسبة لنا جميعا، هناك نطاق ضيق جدا من درجة الحرارة التي نتمتع فيها بالراحة ونكون أكثر إنتاجية. هذا ليس شيئا كماليا أو جماليا، إنه من المتطلبات البيولوجية للحفاظ على الظروف الأيضية المثلى للجسد. وفي حين أن معظم البشر الأصحاء لن يموتوا إذا وجدوا أنفسهم خارج هذا النطاق من درجات الحرارة، فإن الحرارة الزائدة لا تزال تؤثر عليهم بشدة، مما يسبب الحمى، والصداع، والغثيان، والطفح الجلدي، وإجهاد القلب، والجفاف، وضربات الشمس، والتضايق، والارتباك.

  

ﻳﻌﺎﻧﻲ ﻋﺸﺮات اﻟﻤﻼﻳﻴﻦ ﻣﻦ اﻷﺷﺨﺎص ﻣﻦ ﺁﺛﺎر ﺻﺤﻴﺔ ﺧﻄﻴﺮة وﺗﻌﻄﻞ في حياتهم اليومية بسبب ذلك. نحن أكثر إرهاقا، وأقل إنتاجية، ونختبر قدرا كبيرا من القدرات المعرفية بسبب الحر. في الحالات القصوى، يصبح الناس ضعيفين لدرجة أنهم يصبحون غير قادرين على العمل.

    

   

ولكن لدينا التكنولوجيا لضمان أن يعيش كل شخص حياة كريمة ومزدهرة ومنتجة في ظروف حرارية مريحة ومثالية. عندما يتعلق الأمر بالبرودة الشديدة، فإن التقنيات التي نستخدمها لتحقيق درجة الحرارة المريحة هي قديمة جدا، أي بالإكثار من الملابس واستخدام اللهب والنار (أو التدفئة مؤخرا). وعندما يتعلق الأمر بالحرارة الشديدة، فإن التكنولوجيا التي نستخدمها للحصول على درجة حرارة مريحة هي حديثة الأوان، أي تكييف الهواء. لكن بصرف النظر عن ذلك، فإن تكييف الهواء من الناحية الأخلاقية لا يختلف عن الملابس والنار.

  

الزاهدون ضد تكييف الهواء

لا يقبل الجميع بفضائل تكييف الهواء. يجلب الصيف عادة معه انتقادات واسعة لتكييف الهواء باعتباره إدمانا أو بذخا من قِبل العالم الغني، مثله مثل الإفراط في الاستهلاك.

  

كتبت كارين هيلر في صحيفة واشنطن بوست قبل بضع سنوات: "لقد جعل تكييف الهواء الأميركيين جشعين وسخيفين... بعد أن أدمنت البلاد على التكييف المركزي، ظهرت ظواهر غريبة مثل النوافذ التي لا تفتح، وارتداء السترات في المكاتب في أغسطس/آب، ونزلات البرد الصيفية، ولاس فيغاس، وكرة القدم في فينيكس". ثم زهت بقدرة عائلتها "على التحمّل، والالتزام بتقليل انبعاثات الكربون وفواتير الكهرباء، التي تبلغ قيمتها نصف درجة الحرارة الخارجية"!

   

قد يصح التساؤل حول ما إذا كان لعب كرة القدم الأميركية في فينيكس (منطقة حارة جدا) في منتصف يوليو/تموز يبرر استخدام تكييف الهواء (ولكن طالما أن التكييف يعمل بالكهرباء النظيفة، فلماذا يكون مختلفا عن تسخين ملعب الهوكي في مونتريال في الشتاء مثلا؟). لكن إذا وضعنا هذا جانبا، فكيف لا تكون مثل هذه الآراء نوعا من إصدار الأحكام الجاهزة والتعالي على الناس؟ هل المشردّون في دينتون بتكساس "جشعون وسخيفون" لأنهم سارعوا إلى مأوى مكيف للهروب من الحرارة الشديدة؟ هل يجب على أولئك الموجودين في نيودلهي تحمّل الحرّ الشديد دون تذمر (حتى لو كانوا عرضة للإغماء من الإرهاق الحراري)؟

    

   

يصر آخرون ممن يفكّرون مثل هيلر على أنه بدلا من تكييف الهواء يجب أن نعتمد على مراوح السقف وظلال الأشجار، أو بناء المباني التي تستخدم أنظمة تبريد تقليدية مثل تلك التي كانت تستخدم "لآلاف السنين" في المناطق الاستوائية والصحراوية. هذا فيما يطلب البعض الآخر منا ضبط الحرارة في الصيف إلى "أعلى درجة حرارة يمكنك تحمّلها" واستخدام تكييف الهواء فقط عندما يصبح الجو "حقا لا يطاق". (يريد بعض الزاهدين أيضا منا التحول إلى ثلاجات مصنوعة منزليا من الأواني الفخارية والرمل والماء).

  

يشبه كارهو التكييف هؤلاء مناصري "يوم الكنزة الوطني"، الذين يحثّوننا على ارتداء المزيد من الثياب السميكة بدلا من رفع درجة حرارة التدفئة في الشتاء. احتجّت منظمة غرين بيس في آسيا على استعمال أنظمة تكييف الهواء في مراكز التسوق، وندد البابا فرانسيس، وهو صديق للبيئة، بتكييف الهواء في المنشور الكنسي الدوري مشيرا إليه كمثال على السعي الإنساني وراء الراحة الفورية فقال:

  

قد يكون لدى الناس حساسية متزايدة نحو البيئة، ولكن هذا لم ينجح في تغيير عاداتهم الضارة في الاستهلاك والتي يبدو أنها تتزايد أكثر من أن تنقص. مثال بسيط هو زيادة استخدام تكييف الهواء كمية ونوعا. إن الأسواق، التي تستفيد على الفور من المبيعات، تحفز المزيد من الطلب. إذا نظر كائن خارجي إلى عالمنا سوف يندهش من مثل هذا السلوك، والذي في بعض الأحيان يبدو وكأنه تدميرا ذاتيا.

  

قداسة البابا ربما كان قد نسي أن كنيسة سيستين في روما قد حظيت في عام ٢٠١٤ بنظام تكييف جديد لحماية اللوحات الجدارية من الحرارة وأنفاس الزوار البالغ عددهم ستة ملايين سنويا، وأن الأرشيف السرّي من القرن السابع عشر في القصر البابوي مزوّد بأنظمة تكييف للحفاظ على آلاف الوثائق التاريخية، بما فيها رسالة هنري الثامن الذي طلب فيها الطلاق من كاثرين أراغون ووثائق محاكمة غاليليو بتهمة الهرطقة.

 

من الواضح أن البابا فرانسيس يهتم بالضرر الذي يحدثه البشر في النظام البيئي الذي تعتمد عليها الحضارة الحديثة، من تغير المناخ إلى ضياع التنوع البيولوجي، وهو يستحق الثناء على ذلك. إذ إنه أول رئيس للكنيسة الكاثوليكية يضع البيئة في قلب دعوته. لكن نظرته، مثلها مثل نظرة البعض في الحركة البيئية، ليست نظرة إنسانية، إنها وعظ أخلاقي حول الإنسان المخطئ الذي وقع فريسة خطايا الشراهة والغرور، ويتعيّن عليه أن يتعلم التواضع إزاء قوانين الطبيعة.

   

البابا فرانسيس (رويترز)

    

المقاربة الأحسن هي التخلي عن هذا الهوس بالزهد الفردي، وبدلا من ذلك السعي لتعزيز التدابير التي ستقلل فعليا من الانبعاثات وتحسن الظروف لكافة الناس، مثلا من خلال وضع القوانين لتشجيع التحول السريع إلى التكنولوجيا النظيفة، والتمويل السخي للعالم النامي، وتوسيع دور القطاع العام بشكل يوفر طاقة منخفضة التكلفة ونظيفة وموثوق بها للجميع.

   

أربع مشاكل يتسبب بها التكييف

مع ذلك فإن التوسع الجذري في تكييف الهواء في جميع أنحاء العالم يتسبب بأربع مشاكل كبيرة. يمثل تكييف الهواء نحو ١٠% من الطلب على الكهرباء في العالم، وبحلول عام ٢٠٥٠ سوف يزداد استخدام التكييف ثلاثة أضعاف، وفقا لتقرير صدر مؤخرا عن وكالة الطاقة الدولية، كنتيجة للطلب المتزايد في الاقتصادات الناشئة مثل الهند والصين.

  

المشكلة الأولى هي أن مركبات الكربون الهيدروفلورية، وهي المواد الكيميائية المستخدمة عادة في وحدات تكييف الهواء، هي غازات دفيئة تغذي ظاهرة الاحتباس الحراري. لكن من حسن الحظ أنه بموجب تعديل عام ٢٠١٦ لبروتوكول مونتريال، فإنه من المقرر أن يتم التخلص تدريجيا من مركبات الكربون الهيدروفلورية واستبدالها ببدائل صديقة للبيئة. وتتضمن هذه الصفقة فترة سماح للبلدان النامية ذات درجات الحرارة العالية جدا التي بإمكانها تأجيل التخلص التدريجي منها حتى وقت لاحق من العقد المقبل. في حين أن الكثير من البلدان النامية تعاني بشدة من ارتفاع درجات الحرارة، فإن لديها هواجس من أن اختيار أنظمة تبريد صديقة للبيئة أكثر كلفة سيؤدي إلى المزيد من الوفيات في المدى القصير لأنه سيكون هناك عدد أقل من الناس قادرين على تحمل كلفتها.

    

   

يمس هذا الموضوع قلب إحدى أخبث الديناميكيات في التفاوض على سياسة المناخ: فالبلدان النامية سوف تكون أكثر استعدادا لاعتماد هدف مناخي أكثر صرامة إذا اقتنع العالم الغني بالوفاء بوعوده بتمويل الانتقال إلى الطاقة النظيفة فيها. لكن في كل قمة مناخ تعقدها الأمم المتحدة، تعارض الدول الغنية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) المزيد من ما يسمى "التمويل المناخي" في صنعة الدبلوماسية، أي الأموال المطلوبة لتغطية التكلفة العالية في كثير من الأحيان لتكنولوجيا الطاقة النظيفة. فهذه الدول تتعهد بمليار هنا أو مليار هناك، ولكن في غضون بضعة سنوات تقوم بنكث الوعود التي قطعتها. إذن يجب أن يكون الكفاح من أجل المزيد من التمويل المناخي بشكل يتناسب مع حاجات البلدان الأكثر فقرا جزءا من أي إستراتيجية من أجل تحقيق العدالة المناخية.

   

المشكلة الثانية هي أنه إذا كانت الزيادة شبه المؤكدة في استخدام مكيفات الهواء سوف تتم تغذيتها بالطاقة الكهربائية من المصادر الأحفورية، فذلك يعني أننا سنبرد أنفسنا عن طريق تسخين كوكبنا! وسنفعل ذلك باستخدام أكثر الخيارات كثافة بالكربون، بما أن الوقود الأحفوري مثل الفحم لا يزال هو مصدر الطاقة المهيمن في الاقتصادات الناشئة.

   

المشكلة الثالثة ذات الصلة هي تلوث الهواء من نفس هذه المصادر. في يوليو/تموز، استنتج باحثون من جامعة ويسكونسن ماديسون أن ما يصل إلى ألف شخص يموتون سنويا في شرق الولايات المتحدة وحدها بسبب ارتفاع نسبة الجسيمات الدقيقة الناتجة عن الاستخدام المتزايد للوقود الأحفوري لتبريد المباني. أي إنه من أجل إنقاذ أنفسنا، نحن نقوم بإهلاك أنفسنا.

  

لكن بغض النظر عن حجم هذين التحديين، فنحن قادرون الآن على التغلب عليها عن طريق التخلص السريع من الكربون في إمدادات الكهرباء لدينا، ولكن هنا لا يمكننا الاعتماد على الأسواق الخاصة للاستثمار في هذه العملية.

    

    

في حين أنه قد يبدو هذا السيناريو من ضرب الخيال في الولايات المتحدة، فإنه شمالي الحدود في كندا، فإن مقاطعات أونتاريو، وكولومبيا البريطانية، وكيبيك لديها شبكات شبه خالية من الوقود الأحفوري (بنسبة ٩١٪، ٩٥٪، و٩٩٪، على التوالي)، بحيث تعتمد على الطاقة الكهرومائية أو النووية. هذا في حين أن الولايات الأكثر نظافة في الولايات المتحدة (فيرمونت وواشنطن وأوريغون وأيداهو) تعتمد أساسا على الطاقة المائية والنووية. وتتمتع كل من فرنسا والسويد والنرويج وفنلندا بنسب عالية من الكهرباء النظيفة أيضا، مع نفس المزيج من المصادر المبيّنة أعلاه. هذه البلدان تُظهر أن التحوّل إلى الطاقة النظيفة يمكن تنفيذه بسرعة، فلقد قامت فرنسا بإزالة الكربون من معظم شبكة الكهرباء في نحو عقد من الزمن من خلال توسيع مصانعها النووية.

 

ولكن في جميع هذه الحالات تقريبا، بُنيت المعامل قبل عقود، أي قبل أن تسيطر السياسات النيوليبرالية وتستبعد القطاع العام من قطاع الطاقة. لكن مفتاح التغيير اليوم مثل الأمس، هو تدخل الدولة. ففي حين أنه قد توفر الطاقة المائية والنووية بعضا من أرخص أنواع الكهرباء وأكثرها موثوقية في العالم، فإن بناء السدود والمفاعلات يتطلب رأس مال كثيف. إن الشركات الخاصة عادة لا ترغب في الاستثمار على هذا المستوى دون دعم حكومي كبير أو ضمانات سعرية. بعبارة أخرى، فإنه من أجل معالجة مشكلة غازات الدفيئة، سنحتاج إلى القطاع العام لقيادة هذه العملية.

  

وتتمثل المشكلة الأخيرة في أن تكييف الهواء يمتص قدرا هائلا من الطاقة، مما يجعله باهظ الثمن. وتحذر شركة "ConEdison"، وهي شركة الكهرباء في نيويورك، العملاء من أنه كلما خفضوا درجة الحرارة لديهم بمقدار درجة مئوية واحدة، فإن فاتورتهم سوف ترتفع بنسبة ٦% بالمقابل. وطالما بقيت الكهرباء كثيفة الكربون، فإن فرض ضريبة كربون مباشرة -وهو شكل من أشكال الضريبة الثابتة التي تستهدف الاستهلاك وليس الدخل أو الثروة- من شأنه أن يزيد العبء على الفقراء، مما يزيد من صعوبة دفع ثمن تكييف الهواء بدوره.

  

أيا كانت الآلية التي نختارها للقضاء على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، يجب أن تكون العملية عادلة. لا يمكننا أن نجعل الفقراء يسددون فاتورة مشكلة هم الأقل مسؤولية عنها. إن أماكن مثل كولومبيا البريطانية وكييبك وفرنسا لديها بعض أرخص مصادر الكهرباء تكلفة في العالم، ونظرا للكم الهائل من الكهرباء اللازمة لتوسيع نطاق توفّر أجهزة تكييف الهواء، يبدو أن الطاقة النووية هي أحد الطرق الوحيدة التي يمكن أن يحدث بها ذلك بطريقة رخيصة ونظيفة.

   

    

الخلاصة هي أن الحق في التكييف هو هدف أخلاقي وقابل للإنجاز، علينا ببساطة أن نتأكد من أننا لا نزيد من تفاقم تغير المناخ وتلوث الهواء والفقر عندما نحاول تحقيقه.

  

الطبقة الكادحة تستحق التكييف

من مونتريال إلى كراتشي، فإن الكثير من الأشخاص الذين لقوا حتفهم في موجات الحرارة الأخيرة هم من أولئك الذين يعيشون بمفردهم أو من المسنين أو يعانون من مشاكل صحية أو عقلية مزمنة. غالبا ما كانوا يفتقرون إلى شيء بسيط مثل وجود شخص يحبهم بما فيه الكفاية ليأخذهم إلى مكان فيه مكيّف للهواء، ولكن حتى هذا قد يكون من نتيجة النموذج النيوليبرالي.

  

فلقد تطلّب نجاح النيوليبرالية موت نظم العيش التكافلي الجماعي وتفكيك بنى المجتمع. إن تدمير مجتمعات التضامن التي تتميز بالتفاعلات الإنسانية الحميمة العميقة والمتجذرة -أي الفصل الجديد والعجيب بيننا وبين الناس الآخرين بشكل لا سابق له في التاريخ وتغليب الهوية/المصلحة الفردية- هو بالتأكيد أحد أفعال التخريب الرأسمالي غير المعترف بها على نطاق كاف. أي إنه على مستوى ما، فإنها ليست الحرارة الزائدة، بل غياب التعاطف هو ما يقتلنا. ومع ذلك، فإن تكييف الهواء، رغم أنه ليس الحل الوحيد هنا، يظل ضروريا للغاية.

  

في الواقع فإن خيارات "الزهد الأخضر" -مثل تغييرات نمط الحياة، ومكافحة الاستهلاك، والتراجع عن المطالب المادية- تبدو متوافقة مع سياسات التقشف الاقتصادي في المسيرة النيوليبرالية الماضية قدما منذ أربعة عقود. فإذا كان "الأخيار" الليبراليين يقولون لنا إن لدينا عددا مفرطا من الأشياء والامتيازات أصلا، ألا يصبح من الأسهل بكثير على الطبقات الحاكمة أن يعظونا بالشيء نفسه؟ لكنهم مخطئون. تستحق الطبقة الكادحة الكثير، بما في ذلك النوم في غرفة نوم مريحة وباردة ومكيفة في ليلة صيف حارة.

-----------------------------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

هذا التقرير مترجم عن:(JACOBIN) ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار