انضم إلينا
اغلاق
تحدي العشر سنوات.. لماذا تجذبنا التفاهات؟

تحدي العشر سنوات.. لماذا تجذبنا التفاهات؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

قبل عدة أيام بدأت مجموعة من المنصات الإعلامية، على مستوى عالمي، التحذير(1) من نوع جديد من التحديات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، يسمّى "تحدي بيرد بوكس"، والذي يدعو الناس لوضع عصابة على أعينهم وممارسة بعض النشاطات اليومية، والتي من المفترض ألا تكون ضارة، لكن التحدي الجديد تسبب في إصابة أحد الأشخاص في حادث(2) مروري على الطريق السريع بولاية "يوتاه" الأمريكية، على إثر قيادته للسيارة معصوب العينين.

 

بدأ التحدي على خلفية فيلم "نتفليكس" الجديد "صندوق الطيور Bird Box"، بطولة ساندرا بولوك، والذي يحكي عن ظروف أبوكاليبسية تدخل فيها الأرض بعد ظهور كيان قاتل يمكن له السيطرة عليك فقط إذا رأيته بعينيك في مكان مفتوح، لهذا السبب فإن أبطال الفيلم يضطرون إلى وضع عصابات على أعينهم في أثناء محاولاتهم الهروب بحياتهم من هذه الظروف الاستثنائية، لكن اللافت للنظر في تلك النقطة هو أهمية هذا التحدي في رفع نسب مشاهدة الفيلم ليصبح واحدًا من أهم ضربات نتفلكس إلى الآن، لدرجة دفعت الكثيرين للحديث عن أن هذا التحدي كان بالأساس دعاية غاية في الذكاء من صنّاع الفيلم نفسه. حيث، ما الذي يمكن أن يكون أكثر شهرة في العالم المعاصر، كأداة دعاية، من تحديات وسائل التواصل الاجتماعي؟!

 

هل أصبحت أفضل حقًا؟



أنت تعرف ذلك بالفعل، وتراه كل يوم، أو ربما قد شاركت في أحد أشهر تلك التحديات انتشارًا حاليًا، وهو "تحدي العشر سنوات(3) 10 Years Challenge" الذي يتضمن أن تقوم برفع صورتين لك، واحدة من العام 2009 وأخرى حديثة في يناير 2019. شارك في التحدي ملايين البشر، وساعد على انتشاره مئات المشاهير من عوالم الكرة، إدارة الأعمال، والتمثيل، لدرجة دفعت البعض لوضع افتراضات جادة عن العلاقة بين الشهرة الواسعة لهذا التحدي ورغبة الفيسبوك في تطوير آلية برمجية ذكية أكثر دقة لتقصّي الوجوه مع تأثير ازدياد العمر عليها.

 

في الحقيقة، يمكن لنا فهم هذا النوع من التحديات في ظل مجموعة من السياقات. على سبيل المثال، يعد السر الرئيس لنجاح "تحدي العشر سنوات" متعلقًا بالفئات(4) العمرية الأكثر وصولًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تتراوح بين 18 و34 سنة، ونتحدث هنا بشكل خاص عن تلك الفئات التي تمر الآن بمراحلها الجامعية أو بعد الجامعية، منذ 10 سنوات كان هؤلاء الأشخاص مراهقين بصفات جسدية ونفسية واجتماعية، وفي مراحل تعليمية، مختلفة تمامًا عن الوضع الحالي.

 

بالتالي فإن المشاركة في تحدي السنوات العشر هي فرصة لتقديم نموذج شخصي يقول أنك قد أنجزت شيئًا ما على مستويات عدة خلال تلك الفترة. لقد انتقلت إلى الجامعة، وربما تعمل الآن بعد أن كان كل ما تعرفه هو "المصروف اليومي"، كذلك لقد تغير جسدك بشكل واضح، اختفت علامات المراهقة وبدت صفاتك أكثر نضجًا، لكن على الرغم من ذلك فإن المشاهير(5) قد استخدموا نفس "التحدي" من أجل رسالة مختلفة تمامًا، فمعظمهم من فئات عمرية أكبر، لهذا السبب كانت تلك هي فرصة البعض منهم لإطلاق رسالة مختلفة تمامًا تقول: "أنا كما أنا لازلت جميلًا وناجحًا ولم أتغير"، لهذا السبب نشأت بعض الرسوم الكاريكاتورية التي تقارن بعض المشاهير في 10 سنوات سائلة: أي الصور هي لـ2009 وأيها لـ 2019؟ (ليلى علوي وعمرو دياب مثلًا في الأجواء العربية).

 


من تلك النقطة انتقل تحدي السنوات العشر ليصبح أكثر كثافة، حينما يرى الناس أن المشاهير يشاركون في نشاط ما يمكن للجميع ممارسته فإنك ستود أن تفعل نفس الشيء لتبدو وكأنك جزء من مجتمع النخبة الذين يمارسون تلك لأفعال البرّاقة، في النهاية فإن تحدي السنوات العشر ساعد الجميع على إظهار نفسه في أجمل حلّة، وتلك هي بالأساس وظيفة وسائل التواصل الاجتماعي.

 

هوية بديلة

لفهم الجملة الأخيرة دعنا نتأمل تقرير(6) نُشر عام 2011 بعنوان "الحيوات الافتراضية" قام الباحثون فيه، بتكليف من الهيئة الخيرية البريطانية للأطفال، بفحص أنشطة الإنترنت من قبل أكثر من ألف طفل ومراهق، تتراوح أعمارهم بين أحد عشر وثمانية عشر سنة، ذكر نصفهم أنهم يتصرفون على الإنترنت بشكل مختلف عن الحياة العادية، حيث يجعلهم ذلك يشعرون أنهم أكثر قوة وثقة.

 

من السهل أن تكون ما تود أن تكونه طالما لن يعرفك أحد، وإن لم يعجبك الأمر فيمكن أن تنسحب ببساطة، كذلك يمكن لك تحرير صورك بشكل يجعلك أجمل وأكثر قوة، إن فكرة الحصول على هوية بديلة لا تتحمل أية مسؤوليات –  حسب سوزان جرينفيلد متخصصة العلوم العصبية في كتابها الشهير "تغير العقل" – لم تظهر سابقًا في أثناء رصدنا لنمو الأطفال والمراهقين، في وسائل التواصل هناك فرصة دائمًا للظهور بمظهر من أنجز شيئًا ما، حتّى وإن تضمن الأمر ظروفًا جسدية لا علاقة لأفعالك بها.

 

"تحدي الملح والثلج Salt and ice challenge"، الذي انتشر في السنوات الأخيرة، تسبب في حدوث حالات طبية كارثية

مواقع التواصل
 

من جهة أخرى فإن بعض التحديات تدفعك بالفعل للشعور أنك قد ساهمت في إنجاز شيء ما مع بذل قدر يسير(7) من الجهد. "تحدي دلو الثلج Ice-Bucket Challenge" قبل عدة سنوات على سبيل المثال، أحد أكثر تحديات التواصل الاجتماعي شهرة على الإطلاق، والذي يتمثل في أن تقوم بسكب وعاء من الماء المثلج فوق رأسك أو تتبرع بمائة دولار لصالح حملة تكافح حول مرض "التصلب العضلي الجانبي" وتوعّي الناس به، ساهم العديد من المشاهير في هذا التحدي ودفع ذلك ملايين المشاركين حول العالم للمساهمة، هنا تستشعر أنك تؤدي دورا ما في هذا العالم، في المقابل تظهر أمام الناس، في مجتمع وسائل التواصل، كإنسان طيّب، مبادر، وقادر على الفعل.

 

لذلك فإن الفكرة الأساسية التي تعتمد عليها التحديات التي تلقى انتشارًا واسعًا تتعلق بالبساطة، عليك فقط أن تدفع 100 دولار، أو تسكب دلو ثلج على رأسك أو تتشارك صورة قديمة مع الآخرين لتشعر أنك شخص مهم وفعّال في المجتمع، يشبه الأمر أن تتصوّر أنك قد حصّلت قدرًا جيدًا من المعرفة عبر مشاهدة محاضرات تيد أو قراءة بعض التويتات وتدوينات الفيسبوك، على الرغم من أن ذلك قد يكون مفيدًا في الكثير من الأحيان ويساعد على انتشار الأفكار والمبادرات، إلا أنه أيضًا يعزز قدرًا من الكسل والسطحية، ويعطي البعض شعورًا أن العالم أبسط مما يحدث في أرض الواقع.

 

أضف لذلك أن الأمر ربما قد يكون مرتبط بهويّاتنا، تحديات وسائل التواصل الاجتماعي هي ببساطة وسيلة لإعلان أنك تنضم لمجموعة من الناس الذين يقومون بنفس النشاط، في الحقيقة أحد أقوى غرائزنا كبشر - بجانب الرغبة الجنسية والجوع - هي الاهتمام بالانضمام لجماعة، فحسب ما يسمى بـ "نموذج القناعات القائمة على الهوية"(8) (identity-based model of belief)، نقوم نحن البشر بتقييم صوابية الأفكار أو عدمها بناء على انتمائنا. الإنسان كائن اجتماعي، يساعده الانتماء لمجموعة من الناس التي تمارس نفس النشاط على تعريف هويّته، ويعزز إحساسه بذاته، وهو ما يمكن أن يكون أكثر أهمية بالنسبة إلينا من الدقة أو الصوابية أو العقلانية في مسألة ما.

   
لكن الأمر قد يتطور لما هو أبعد من ذلك، خذ "تحدي بخّاخ النار  Fire Spray Challenge"، أو "تحدي الممحاة Eraser Challenge" أو "تحدي الملح والثلج Salt and ice challenge"، على سبيل المثال، والتي انتشرت في السنوات الأخيرة، وقد تسبب بعضها بالفعل في حالات طبية كارثية. على الرغم من ذلك اندفع عدد كبير من المراهقين تحديدًا خلف تلك النوعية من التحديات، ويختلف(9) المراهقون عن غيرهم في أنهم في مرحلة من نمو أدمغتهم لازالت راغبة في خوض التجارب الجديدة والمختلفة، هكذا يتعلّم الدماغ في تلك المرحلة العمرية ويبني ذاته من خلال تلك التجارب، ومع كل ما سبق من أسباب كان من السهل أن تنتشر تحديات التواصل الاجتماعي الخطرة بين الفئات العمرية الأصغر.

 

سيزيف العصر الرقمي

الأمر المتعلق بانتشار تحديات التواصل الاجتماعي إذن لا يكون مفهومًا بوضوح إلا في إطار نقطتين أساسيتين، الأولى هي بساطة التجربة بحيث تبذل جهد قليل في سبيل الظهور بصورة "الفعّال"، والثانية هي الظهور بشكل جيد أمام الآخرين، أضف لذلك تأثير ما يسمى بمفهوم "التيسير الاجتماعي(10) Social Facilitation" ويعني زيادة سرعتك واهتمامك وجودة إنتاجك، في أي نشاط، نتيجة رؤية آخرين يقومون بأنشطة مماثلة.

 

أحد أنواع هذا السلوك الاجتماعي هو ما نسميه بتأثير الجمهور(11) audience effect، وهو ما يعني عزمك على المشاركة بشكل أكثر فاعلية في نشاط ما حينما تعرف أن هناك من يتابعك. لا ينجح هذا التأثير في كل الأحوال وقد يكون عكسي إن تسبب في القلق، لكن تحديات وسائل التواصل الاجتماعي لا تثير التنافس، كذلك لا تحاول اختبار قدراتك الحقيقية، بل تقدم لك شيئا يمكن أن تفعله لتستشعر فقط أنك "تفعل شيئا ما".

 

لكن، على الرغم من ذلك، فإن الأسباب الرئيسية لانتشار تحديات التواصل الاجتماعي غير مفهومة بعد بشكل كامل، حيث تشير بعض الدراسات(12) التي شارك فيها باحثون من جامعتي "UCLA" و"ستانفورد" إلى أن الأفراد الذين ينشئون تحديات كتلك ويقومون بتمريرها للآخرين، كذلك هؤلاء الذين يكونون أكثر حماسة لمشاركة تحديات كتلك، تكون منطقة "temporoparietal  junction التقاطع الصدغي" لديهم أكثر نشاطًا. يتحمس علماء الأعصاب، ورجال التسويق على حد سواء، تجاه نتائج كتلك، حيث يمكنها في يوم ما إعطاء تنبؤات أكثر دقة للدعاية التي يمكن أن تنتشر أكثر من غيرها.

 

هناك جوانب يمكن وصفها بأنها إيجابية لتحديات كتلك، فهي تُشعرنا أننا أفضل، مقبولين اجتماعيًا، كذلك فإنها حقًا ممتعة

مواقع التواصل
 

من جهة أخرى فإن علوم التعقّد، يمكن لها، بصورة كليّة، أن تشرح الآليات التي يتطور بها انتشار تحديات كـ "العشر سنوات"، وذلك عن طريق ما نسميه بـ حلقات التغذية الرجعية(13) Feedback Loops، لفهم ما يعنيه ذلك دعنا نفترض أنك مدير شركة ما لإنتاج حلوى الأطفال، سوف تطرح منتجك الأول في السوق ثم تقوم بعمل استقصاء لمعرفة رأي الجمهور في المنتج الجديد، بعد ذلك سوف تستخدم تلك المعلومات في تحسين إنتاج الجيل الثاني من إنتاجك ثم تقوم بعمل استفتاء آخر للجمهور وهكذا.

 

إنه نفس المنطق الذي ترتفع به شعبية منشور ما على فيسبوك، سوف يعجب بعض الأفراد بالمنشور وسوف يدفع ذلك المنشور عبر خوارزمية فيسبوك للظهور أمام عدد أشخاص أكبر والحصول على عدد إعجابات أكتر، هنا يرى الآخرون أن هذا المنشور يمتلك الكثير من الإعجابات، يعني ذلك أنه منشور مهم بطريقة ما، دعنا إذن نضغط على زر الإعجاب وننضم للآخرين.. وهكذا. التغذية الرجعية إذا تحدث حينما تعاود النتائج دورتها للتأثير على الأسباب مرة أخرى في حلقات مستمرة.

 

بالطبع هناك جوانب يمكن وصفها بأنها إيجابية لتحديات كتلك، فهي -كما قلنا- تُشعرنا أننا أفضل، مقبولين اجتماعيًا ونعتبر "سلعة رائجة"، كذلك فإنها حقًا ممتعة، وقد نحتاج إلى ذلك في حياتنا كثيرًا. هذا مفيد، يطلق دفقات الدوبامين في جنبات أدمغتنا مع كل "لايك" أو "أضحكني" على صورتك كطفل، لكن المشكلة التي يجب أن نهتم بها كذلك هو أن النتيجة الرئيسية من تلك الحالة الرقمية المتسارعة هي أننا ننتقل من "ترند" لـ "ترند"، ومن أشياء تافهة سطحية إلى أشياء أكثر تفاهة وسطحية، بسرعة كبيرة.

 

من "كيكي" إلى "دلو الثلج" ومن "الفستان الأزرق" إلى "سمعتها ياني"، تتصاعد نسب نواقل السعادة العصبية في أدمغتنا ثم تنخفض مرة أخرى فننضم إلى "ترند" جديد لنحصل على نفس الجرعة، وهكذا ننتقل بين المهام والحالات النفسية كسيزيف، الذي كانت مهمته في الأسطورة القديمة أن ينقل الصخرة إلى أعلى الجبل فتتدحرج للأسفل، ثم يرفعها لأعلى الجبل من جديد فتتدحرج للأسفل مرة أخرى، وهكذا، سلسلة عبثية بلا نهاية!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار