انضم إلينا
اغلاق
"الكون المظلم".. هل يسبح على سطح محيط من المادة السالبة؟

"الكون المظلم".. هل يسبح على سطح محيط من المادة السالبة؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

على الرغم من التقدم الهائل الذي أحرزته البشرية في القرون القليلة الأخيرة، عبر العلم، فإن مجمل ما نعرفه عن الكون إلى الآن يقع فقط في نطاق 5% من تركيبه، والذي يحوي المادة التي نعرفها ونراها في الكواكب، والنجوم، وشاشة الهاتف الذي تقرأ منه هذا التقرير. أما باقي محتويات الكون، والذي ينحصر ضمن نطاق ما يسمى بالمادة والطاقة المظلمتين، فلا نمتلك إلى الآن نظرية فيزيائية متسقة يمكن لها أن تشرح تركيبه، لكنّ باحثا من جامعة أوكسفورد يقول إن تلك المشكلة لن تستمر طويلا.

فحسب دراسة جديدة، نُشرت(1) فقط قبل عدة أسابيع في دورية "آسترونومي آند أستروفيزيكس" (Astronomy and Astrophysics)، لجايمي فرانيس، الأستاذ بمركز البحوث الإلكترونية بجامعة أكسفورد، فإن الـ 95% المجهولة من تركيب الكون، والتي تتمثّل في المادة والطاقة المظلمتين، هي في الحقيقة وجهان لعملة واحدة، ظاهرة تُدعى "المائع المظلم" (Dark Fluid)، والذي يحمل خاصية تبدو غاية في الغرابة، للوهلة الأولى، تسمى بالكتلة السالبة!

كتلة سالبة

"تخيل أنك تحمل شيئا كتلته (سالب 2 كيلوجرام)، هذا هو شيء عجيب بالطبع"، يقول فرانيس في حديثه مع محرر "ميدان"، في محاولة لتوضيح ما يعنيه هذا الاصطلاح الغريب مضيفا: "إذا دفعت جسما سالب الكتلة للأمام، فإنه لن ينطلق للأمام، بل سيرتد إليك". لفهم تلك الفكرة، وقبل الخوض في الجوانب الأخرى لنموذج فرانيس الجديد، دعنا أولا نتعرّف إلى "الكتلة السالبة"(2).

إنها نتاج رياضي افتراضي للمعادلات، يُحتمل وجودها فيزيائيا، لكننا لم نرصدها في أي مكان بالكون، يُمكن أن توجد كتلة موجبة وسالبة بالضبط كما أن هناك شحنات موجبة وسالبة، لكن الشحنة السالبة هي شيء نتقبل وجوده ونفهمه بدرجة ما لأننا نتعرض له بشكل يومي، أما بالنسبة للكتلة السالبة فالأمر يحتاج إلى بعض التأمل في قانون نيوتن الثاني، والذي يهتم بما نسميه "الكتلة القصورية(3)" (Inertial mass).


تعني الكتلة القصورية مقاومة الجسم، أي جسم في وضع ما، لتغيير هذا الوضع. لنفهم هذا التعريف المعقد دعنا نفترض مثلا أن هناك مكعبا خشبيا يزن 70 كيلوجراما موجودا الآن على الأرض ونطلب منك تحريكه، سوف تحتاج إلى بذل بعض من الجهد لكي تنقله من حالة السكون إلى حالة الحركة، هنا يقال -حينما يتحرك المكعب من السرعة "صفر" في حالة السكون إلى أي سرعه ترغب بها- إنه قد تسارع (Accelerated).


بالطبع لو كان هذا المكعب ذا كتلة تساوي "صفرا" لما احتجت إلى أي جهد لجعله يتسارع، كذلك كلما ازدادت كتلة المكعب ازداد احتياجك إلى بذل طاقة أكبر لجعله يتسارع. من هنا يمكن أن نعيد تعريف مفهوم الكتلة، أي كتلة، بأنها: "مقاومة الجسم للتسارع"، أو يمكن فقط القول إنها طريقة الطبيعة في إخبارك أن تقف في مكانك!

دعنا الآن نفترض أن هذا المكعب الذي تحدثنا عنه قبل قليل"سالب الكتلة"، يقول قانون نيوتن الثاني إن القوة التي تبذلها لتحريكه تساوي "الكتلة التي تنوي أن تحركها مضروبة في التسارع"، إذا وضعنا للكتلة في المعادلة قيمة سالبة ثم حاولنا أن نحصل على قيمة التسارع فسوف يكون هو الآخر سالب القيمة، ويعني ذلك أنه سوف يكون في عكس اتجاه الدفع، فإذا قمت بدفع الصندوق سالب الكتلة للأمام، سوف يتحرك للخلف.

"للوهلة الأولى، تبدو هذه المادة غريبة عنا، لأننا نعيش في منطقة من الفضاء تهيمن عليها كتلة موجبة" يقول فرانيس في حديثه مع "ميدان" مستكملا: "ومع ذلك، يبدو أن مادة بتلك الخصائص متوافقة مع الكثير من الفيزياء المعروفة"، هنا يقصد فرانيس قوانين مثل: قانون حفظ الطاقة، وقانون حفظ الزخم، وكذلك إشعاع الخلفية الميكرو، وهو بقايا الإشعاع المتبقي خلف الانفجار العظيم الذي حدث قبل 13.8 مليار سنة، بالتالي فإن هذا التوافق يدفع بنا لسؤال آخر: لماذا لم تظهر نظرية تتحدث في وجود الكتلة السالبة من قبل طالما أن الأمور بتلك البساطة؟

ما تلاحظه الأرصاد الفلكية هو أن الكون يتسارع في تمدده، ما يعني أن هناك شيئا ما يساعد في تمدد الكون، وهو ما يسمى بـ "الطاقة المظلمة"

الجزيرة
 
موترات الخلق

في الحقيقة، لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تُقترح فيها المادة السالبة كأحد مكونات هذا الجانب المجهول للكون، بل إن ألبرت أينشتاين نفسه كان -قبل مئة سنة- قد اقترح إمكانية وجود مادة سالبة تغمر الفضاء الكوني، لكن المشكلة التي ظهرت كانت دائما ذات علاقة بطبيعة تلك الجسيمات، حيث تميل لأن تصبح أقل كثافة كلما تمدد الكون، وهو ما يتناقض مع طبيعة الأرصاد الكونية التي تقول إن الطاقة المظلمة لا تتبدد، وإنما تحافظ على كم ثابت مهما تمدد الكون.

لفهم طبيعة الطاقة المظلمة(4) يمكن أن نقوم بعمل تجربة فكرية بسيطة، لنفترض أنك تمسك بصخرة صغيرة في يديك وتلقي بها للأعلى، سوف تصعد قليلا ثم تقف وتنزل للأرض من جديد بفعل الجاذبية، لكن ماذا لو ألقيت بالصخرة للأعلى ثم اكتشفت أنها كلما ابتعدت أصبحت أكثر سرعة؟ هنا ستتصوّر أن شيئا ما يدفعها بالتأكيد.

بالطريقة نفسها، مع فارق كبير بالطبع يتضمن مئات الصفحات المملوءة بمعادلات معقدة غير مفهومة، يمكن أن نتخيّل الكون، حيث كان من المفترض بعد الانفجار العظيم بفترة أن تهدأ القوى الناتجة من الانفجار ويبدأ الكون من جديد في الانكماش على ذاته بفعل جاذبيته الخاصة، لكن ما تلاحظه الأرصاد الفلكية هو أن الكون يتسارع في تمدده، ما يعني أن هناك شيئا ما يساعد في تمدد الكون، وهو ما يسمى بـ "الطاقة المظلمة" (Dark Energy).

تحتم قوانين نيوتن أن تكون الأجرام الأكثر قربا من مركز الدوران حول مركز المجرة أسرع من تلك التي تدور في الأطراف

مواقع التواصل
 

لكن نموذج فرانيس الجديد يحاول أن يتجاوز تلك المشكلة الخاصة بتبدد الكتلة السالبة مع تمدد الكون، بحد تعبيره، عبر إضافة نموذج رياضي يسمى(5) بـ "مُوَتِّر الخلق" (Creation Tensor)، وهو ما يسمح نظريا بتولّد المادة السالبة باستمرار مع تمدد الكون، بذلك يضع فرانيس المادة سالبة الكتلة من جديد كمرشح لتفسير تركيب المادة والطاقة المظلمتين، يقول فرانيس في أثناء حواره مع "ميدان": "من خلال هذا النموذج الجديد، تبدو الكتل السالبة التي يتم إنشاؤها باستمرار متطابقة مع الطاقة المظلمة".

ومادة مظلمة

علاوة على ذلك، فإن هذا النموذج استطاع من خلال محاكاة حاسوبية لهذا المائع المظلم سالب الكتلة أن يظهر، بحد تعبير فرانيس، في حواره مع "ميدان"، سلوكا مشابها تماما للنتائج التي حصلت عيها التلسكوبات الراديوية عن سلوك لغز كوني ثانٍ إضافة إلى الطاقة المظلمة، وهي المادة المظلمة، حيث في حين أنه من المعروف أن الطاقة المظلمة تسبب في التمدد المتسارع للكون، فإنه يبدو أن هناك مادة منفصلة تماما تسمى المادة المظلمة تغلّف المجرات.


لفهم ما تعنيه المادة المظلمة(6) دعنا نبدأ من نيوتن، حيث تحتم قوانينه أن تكون الأجرام الأكثر قربا من مركز الدوران حول مركز المجرة أسرع من تلك التي تدور في الأطراف، وذلك مفهوم لأنه كلما ابتعدنا عن مركز المجرة من المفترض أن تضعف الجاذبية، لو تصورنا أن نجما ما في طرف مجرة يدور بسرعة كبيرة فسوف يفلت بسهولة من سيطرة جاذبية المجرة عليه.

لكن حينما بدأت فيرا روبين كوبر، في الستينيات من القرن الفائت، برصد بعض السحب الجزيئية العملاقة والتي تقع على مسافات مختلفة من مركز المجرة أندروميدا جاءت النتائج مخيبة للآمال، فلقد أكدت البيانات أن سرعة تلك السحب لا تقل كلما ابتعدنا عن مركز المجرة، بل تظل ثابتة في كل مرة، وهو ما يتناقض مع قوانين نيوتن.

ويُعد التصور السائد حاليا هو أن المادة المظلمة (Dark matter) هي السبب في هذا التناقض، فهي ذلك الكيان الذي يغلف المجرات ويمنع نجوم أطرافها من الهروب، أو قُل إنه يعطي أطراف المجرات من الكتلة ما يجعلها تنافس المركز فتسير نجومها بالسرعة نفسها، من المفترض أن تلك المادة المظلمة لا تشع أي شيء نعرفه ولا تتفاعل مع أي شيء، ونعرف تأثيرها جذبويا فقط، بمعنى أنها تؤثر على محيطها عن طريق قوة الجاذبية الخاصة بها، وذلك أمر يمكن رصده.

وكلمة "مظلمة" هنا، بالضبط كما هي بالنسبة لـ "المادة المظلمة"، لا تعني أنها مظلمة بطبيعتها، في الحقيقة نحن لا نعرف أي شيء عن مكونات هذين الكيانين، فقط يضع العلماء مجموعات من الفرضيات، مثل ما يفعله فرانيس هنا، ثم ننتظر أن يأتي اختبار تجريبي يمكن له أن يؤكد أو ينفي صحة أي من تلك الفرضيات، "مظلمة" إذن تعني أنها فقط متوارية عن قدراتنا المعرفية، لا نتمكن من رصد أثرها بسهولة، لا أكثر.


فرضية فرانيس إذن تجمع المادة المظلمة مع الطاقة المظلمة في نموذج فيزيائي واحد، يشرح تركيبهما ويوحد سلوكهما وإن بدا مختلفا للوهلة الأولى مع الأرصاد الفلكية، يقول فرانيس: "لذا يبدو أن فرضية بسيطة للغاية، علامة (ناقص)، يمكن أن تحل مشكلتين من أكبر المشكلات في علم الكونيات"، ثم يستكمل في أثناء حديثه مع "ميدان": "ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لاختبار هذه الفكرة أكثر!".

هل يمكن اختبار هذا النموذج؟

"بالطبع تقف المادة سالبة الكتلة كمرشح قوي للإجابة عن أسئلة المادة والطاقة المظلمتين"، يقول حسن الشال، باحث الدكتوراه المصري بقسم الفيزياء النظرية في جامعة ميامي، وغير مشارك في الدراسة، تعليقا على ذلك الإعلان الجديد لـ "ميدان"، مضيفا: "لكن هناك الكثير من المشكلات الرياضية التي يجب أن نجد حلولا لها، وهناك نماذج أخرى تقترح وجود موائع جذبوية تشرح سلوك المادة والطاقة المظلمتين، لكن لا توجد أفضلية لنموذج على آخر".

كذلك يضيف الشال أن نموذج فرانيس يريد لجزيئات المادة السالبة أن تتنافر مع بعضها البعض لكي يجد حلولا تسمح بتكوّن المادة السالبة بشكل مستمر، لكن فيزياء النسبية العامة، وإن كان من الممكن أن تسمح بذلك، وهي تفعل مع نماذج نظرية أخرى ربما أكثر غرابة، لكن رغم السلامة الرياضية لهذه النماذج فقد لا تتفق مع الواقع، فرانيس يفترض وجود المائع المظلم سالب الكتلة في كل مكان بالكون، سيؤثر ذلك، حسب تلك الفرضية، في كل شيء آخر، كطبيعة عدسة الجاذبية على سبيل المثال، أو الإنزياحات الحمراء والزرقاء، بالتالي فقد يكون النموذج صالحا رياضيا، لكنه قد يتسبب في تناقض من وجهة نظر الأرصاد الفلكية.

لكن المشكلة الرئيسية، بحد تعبير الشال، وهو هنا يتفق مع سابين هوسينفلدر(7)، الأستاذة في الفيزياء النظرية معهد فرانكفورت للدراسات المتقدمة، هي أن نموذج المادة والطاقة المظلمتين أكثر بساطة من نموذج فرانيس الذي يوحدهما. بمعنى أوضح، فإن هذا النموذج بحلول تلك المشكلات يطرح عددا أكبر من المشكلات الجديدة، بذلك يتناقض مع ما نسميه بـ "شفرة أوكام"، الفكرة القائلة -بدرجة من التبسيط- إن أبسط التفسيرات هي الأقرب للصواب.

"صفيف الكيلومتر المربع" (square kilometer array) (ska)، أكبر تلسكوب في العالم (مواقع التواصل)


في النهاية، فإن هذا النموذج الجديد في حاجة إلى الاختبار، ويتصور فرانيس أن ذلك ممكن لأنه يتنبأ بأن توزيع المجرات في الكون يجب أن يتغير بنمط واضح المعالم كدالة للوقت، لكن أفضل فرصة لاختبار النموذج ستكون عبر التليسكوب الراديوي الجديد، المسمى "صفيف الكيلومتر المربع"(8) (Square Kilometer Array) (SKA)، أكبر تلسكوب في العالم، حيث يمتد على قارتين ويولد 5 ملايين بيتابايت من البيانات كل عام، لكن علينا أن ننتظر للعام 2030 لحين الانتهاء منه.

سيساهم مركز البحوث الإلكترونية بجامعة أكسفورد في تطوير الأدوات اللازمة لتدقيق هذه الفيضانات الهائلة في البيانات، وهذا سيسمح في نهاية المطاف للمجتمع العلمي بقياس توزيع المجرات مرة أخرى في الماضي أكثر من أي منشأة سبق أن حاولت من قبل، يقول فرانيس: "وهذا سيسمح لنا بمقارنة نظريتي المقترحة الجديدة مقابل النموذج الكوسمولوجي التقليدي (الذي لا يمكن أن يفسر الطاقة المظلمة أو المادة المظلمة) وأيضا نظريات مقارنة مع نظريات كوسمولوجية رائدة أخرى".

حسنا، نموذج فرانيس الجديد هو إذن محاولة للإجابة عن أهم سؤال معاصر في عالم الفيزياء الفلكية، وربما العلم كله، وبطبيعة العلم فإن محاولات كتلك يمكن أن تنجح، بشرط أن تصمد لكم مهول من الفحص والتمحيص العقلاني، بحد تعبير فيلسوف العلم الأشهر كارل بوبر(9)، أو لا تمر وتظهر نظريات جديدة أكثر قوة تصمد في مواجهة الاختبارات التكذيبية المتتالية، لكن البشر سوف يستمرون في المحاولة على أي حال، فالإجابة عن أسئلتنا عن طبيعة هذا الكون هي أيضا إجابة عن أسئلتنا حول ذواتنا: من نحن؟ وماذا نفعل هنا؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار