انضم إلينا
اغلاق
"كاره الفلسفة".. لماذا تفلسف ريتشارد فاينمان؟

"كاره الفلسفة".. لماذا تفلسف ريتشارد فاينمان؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"لا يمكن لنا تحديد أي شيء بدقة. إذا حاولنا ذلك، فإننا سنصل إلى هذا الشلل في الفكر الذي يصيب الفلاسفة... أحدهم يقول للآخر: أنت لا تعرف ما الذي تتحدث عنه! فيرد الثاني: ماذا تقصد بـ "أنت"؟ وماذا تقصد بـ "تعرف"؟ وماذا تقصد بـ "تتحدث"؟"

(ريتشارد فاينمان(1))


في الفصل الأول من كتابه "طبيعة القانون الفيزيائي" يتنقل بك ريتشارد فاينمان، الحاصل على نوبل، وأحد أهم علامات الفيزياء على مدى عدة قرون، في رحلة سلسة وممتعة بين العلامات الرئيسية لتاريخ هذا العلم، ليربطها معا ببساطة شديدة، بحيث تبدو الصورة الكاملة وكأن كل نقلة في تاريخ الفيزياء تعتمد على ما سبقها، وكل قانون نتوصل إليه يمكن استخدامه كقاعدة لقانون آخر جديد.

انطلاقا من كوبرنيكوس، مرورا بتايخو براهي، ثم عصر نيوتن، والذي شهد ثورة حقيقية في التعرف إلى مكونات السماء، حتّى من دون النظر إليها، يتحدث فاينمان عن تلك اللحظة التي فحص فيها جون أدامز وأوربان لوفيرييه، بصورة منفصلة ومتزامنة، مدار كوكب أورانوس فظهرت مشكلة في تطابق التوقعات مع النتائج، هنا افترض كل منهما وجود كوكب أبعد من أورانوس، وهو نبتون. أرسلا النتائج الرياضية الخاصة بهما إلى مرصدين، وكان العلماء في أحدهما غاية في التعجب، سأل فلكي منهم: كيف يمكن لشخص يجلس على مكتبه مع بضع أوراق بيضاء أن يقول لنا "انظروا هناك، سوف تجدون كوكبا جديدا"؟! أي نوع من العرّافين هو؟

هل تفلسف كاره الفلسفة؟!


في تلك النقطة يحاول فاينمان أن يضع مفهوما بسيطا عن مهمة العلم في اللحظات الأولى لظهوره، وكيف تمكّن العلماء الأوائل من رسم سماته بداية من "القصور الذاتي" الخاص بجاليليو وصولا إلى الإلكتروديناميكا الكمومية. في الحقيقة، فإن هدف هذا الكتاب بالأساس، والذي كان تفريغا لسبع محاضرات رائعة ألقاها في كورنل، هو وضع فلسفة للعلم، يمكن لك أن تجد ذلك أيضا إن تأملت الكثير من محاضرات فاينمان. على سبيل المثال، محاضرة "ما العلم؟"، تلك التي ألقاها عام 1966 في اللقاء الخامس والخمسين لمعلمي العلوم الأميركيين.

لكن ما سبق يطرح سؤالا مهما. فاينمان، كما يعرف الجميع، هو أحد أشهر كارهي الفلسفة من العلماء، ينسب إليه الاقتباس الشهير القائل: "أهمية فلسفة العلم بالنسبة للعلم كأهمية علم الطيور بالنسبة للطيور"، نقله(2) عنه الفيزيائي البريطاني ومقدم العلوم الشهير "براين كوكس"، لا نعرف في الحقيقة إن كان فاينمان قد قال ذلك أم لا، لكن فاينمان، من حين لآخر، تهكّم على الفلاسفة، دعنا مثلا نتأمل إحدى محاضراته، في أوكلاند سنة 1979، حينما سأله أحدهم: "حينما ترى شيئا ما، هل ترى الضوء الصادر من هذا الشيء أم ترى الشيء نفسه؟".


هنا كانت إجابة فاينمان أن هذا هو واحد من الأسئلة الفلسفية البليدة للغاية بحيث يمكن لشخص عادي أن يفهمه، على الرغم من ذلك يمكن لفيلسوف معروف أن يواجه مشكلة بينما يأكل طعام الغداء حينما ينظر لقطعة اللحم ويسأل إن كان ما يصله منها هو ضوؤها فقط أم أن هناك بالفعل قطعة لحم هناك، يتهكم فاينمان في تلك اللحظة قائلا إن تحليل هذا الموقف يتطلب تجربة تقتضي أن يرفع الفيلسوف قطعة اللحم بالشوكة ليختبر طعمها فيعرف أنها كانت هناك، مستكملا: "هؤلاء الفلاسفة الذين لم يتمكنوا من صياغة هذا التحليل وتلك الفكرة، قد سقطوا من الجوع!".

أما في كتابه "متعة اكتشاف الأشياء"، أحد أشهر كتبه العامة كذلك، فيقول: "ابني يأخذ مساقا في الفلسفة، وفي الليلة الماضية كنا ننظر إلى بعض أعمال سبينوزا، لم نجد بها أكثر من منطق طفولي!"، ثم يستكمل بعد قليل: "إليكم هذا الفيلسوف الهولندي العظيم، ونحن نضحك عليه، لأنه ليس هناك عذر لذلك! في الفترة نفسها كان هناك نيوتن، وكان هارفي يدرس دوران الدم، كان هناك أشخاص لديهم طرق التحليل التي يتقدم بها العالم، يمكن لك أن تنظر إلى أي من مقترحات سبينوزا والمقترحات المضادة لها، ثم تأمل العالم من أجل اختبارهما، لا يمكنك معرفة أيهما صحيح وأيهما خاطئ".

لا أحد يفهم ميكانيكا الكم


   
لكن على الرغم من وضوح الاقتباسات السابقة، وغيرها من التصريحات في بعض المناسبات والمقالات والكتب، فإن موقف فاينمان من الفلسفة كان معقدا، ولفهمه لا بد أن نبدأ من أحد أشهر الاقتباسات التي يرددها طلبة الفيزياء من حين لآخر، في إشارة إلى صعوبة الجزء الخاص بميكانيكا الكم على الفهم، وهي لريتشارد فاينمان حينما قال ذات مرة(3): "أستطيع أن أقول وأنا مطمئن إن لا أحد يفهم ميكانيكا الكم"، لكن على الرغم من أن ظاهر تصريح فاينمان قد يعني صعوبة عالم الكوانتم على الاستذكار، أو أننا لم نتمكن بعد من فهم كامل عالم الكوانتم، فإنه كان يقصد شيئا آخر.

بالنسبة لفاينمان، فإن المشكلة ليست في أننا لا نفهم عالم الكوانتم، لكنها في أن العالم الموجود بداخل الذرة لا يشبه عالمنا الموجود هنا في الأعلى، لا يشبه درجات السلم، ولا قفزات الكرات بين مدارات الطاقة، ولا يشبه المجموعة الشمسية، ولا يشبه السحابة، ولا يشبه أي شيء آخر يمكن أن نستخدمه للوصف، بما في ذلك أدوات الفيزياء الكلاسيكية نفسها، بمعنى أوضح، وكما يقول هايزنبرج في كتابه "الفيزياء والفلسفة": ينشأ تناقض واضح حينما نحاول قراءة عالم الكم بلغة كلاسيكية، ولأننا لا نمتلك إلا اللغة الكلاسيكية لقراءة عالم الكم، فإننا نستخدمها على أي حال.

بالتالي فإن تفسير كوبنهاجن لميكانيكا الكم لا يقول تحديدا إن قطة شرودنجر "ستكون حيّة وميّتة في الوقت نفسه"، بل يقول إنه ليس من الممكن، أو من الضروري حتّى، أن نعرف ما يحدث داخل الصناديق المغلقة، لكن الضروري هنا هو أن نتمكّن من صياغة نماذج رياضية دقيقة تستطيع توقع مستقبل تلك الصناديق بأكبر درجة ممكنة من الدقة.

من هنا نشأت مدرسة "اسكت واحسب"(4) (Shut Up And Calculate)، وهي المنهجية القائلة ألا تهتم بالبحث عن الواقع أو جوهر الطبيعة، لكن فقط اتبع المعادلات واحصل على المعرفة. يقول نيلز بور، في كتابه "النظرية الذرية ووصف الطبيعة"، إن مهمة العلم هي توسيع مدى خبراتنا، واختزالها في ترتيب منظم. أثناء وصفنا للطبيعة ليست مهمتنا هي الكشف عن جوهر الظاهرة، بل عمل كل المحاولات الممكنة لتعقب العلاقات بين الجوانب متعددة الوجوه لخبرتنا، ويضيف: "لا وجود لعالم كمومي، هناك فقط وصف فيزيائي مجرد. من الخطأ أن نعتقد أن مهمة الفيزياء أن تكتشف كيف تكون الحقيقة. الفيزياء تهتم بما يمكننا أن نقوله عن الطبيعة".

انطلق فاينمان، كأحد روّاد الرؤية الكمومية للعالم، لينتقد الفلسفة بوضوح وصراحة، لكنه لم يعن الفلسفة بصورتها العامة

مواقع التواصل
 
فاينمان ثائرا

دفع ذلك بفريق الكوانتم إلى تغيير مفاهيمه، ليس فقط عن ميكانيكا لكم، وإنما العلم ككل، فبينما كان أينشتاين يرى أن العلم يتحدث عن وقائع العالم الفيزيائي، كان فريق الكوانتم براغماتيًّا في تعامله مع نتائج معادلات الكوانتم، وأثّر ذلك -أكثر ما فعل- في ريتشارد فاينمان، فأصبح منهجه الواضح في فحص كل شيء براغماتيًّا في الأساس، على سبيل المثال يقول في أحد أشهر اقتباساته(5): "هل السؤال الخاص بـ "لماذا نحن هنا؟" يحمل أي معنى على الإطلاق؟ يمكنني التفكير بصدده لمدة قصيرة ولكن إذا لم أستطع إيجاد إجابة، أتوجه بفكري إلى أي شيء آخر، فأنا لست مضطرا لأن أمتلك إجابة يقينية"، ثم يقول في موضع آخر(6): "لم يحدث أن اكتشف أحد ما الذي تعنيه الحياة، وهذا لا يهم".

لفهم أفضل لتلك الفكرة عن العلم، يضرب فاينمان مثالا عن لعبة شطرنج سماوية، لنفترض أن الآلهة بالأعلى تلعب لعبة ما تشبه الشطرنج، هنا على الأرض لا يمكن لنا إلا أن نرى تحركات القطع. نحن لا نعرف ما هي تلك اللعبة ولا نعرف قوانينها، لكننا فقط -من حين لآخر- نرى أن قطعة ما -الحصان- تتحرك بشكل حرف "L" على الرقعة، وظيفتنا هي مراقبة تحركات تلك القطع وتكوين صورة في شكل قوانين.

في بعض الأحيان تحدث أشياء مفاجئة كعملية "التبييت" مثلا، فنغير من أسئلتنا وطريقة رؤيتنا للأمور لنسأل: كيف يمكن للملك أن يتحرك خطوتين أو ثلاثة؟ أليس ذلك مخالفا لما تعلمناه؟ كيف تجاوزت "القلعة" الملك؟، وهكذا. هنا، لا حاجة إلى العلم في أن يبحث وراء تلك الآلهة بالأعلى، ولا فيما وضع القطع بتلك الطريقة في المقام الأول، ولا في القطع نفسها، ولكنه فقط يختص بفهم حركات قطع الشطرنج، أو ما ندعوه "الطبيعة".


من تلك النقطة البراغماتية، انطلق فاينمان، كأحد روّاد الرؤية الكمومية للعالم، لينتقد الفلسفة بوضوح وصراحة، لكنه لم يعن الفلسفة بصورتها العامة، في الحقيقة فقد أوضح في إحدى محاضراته بكورنل أن الفلسفة التي تقع خلف أفكار أينشتاين، أو نيوتن، أو ماكسويل، وإن كانت غير مهمة بالنسبة لتوافق التجارب مع النظريات، من أجل إثبات أو نفي صحّتها، فإنها مهمة في توضيح عواقب تلك النظريات وأثرها على رؤيتنا للشكل الذي تعمل به الطبيعة.

ثلاثة مواقف من الفلسفة

لكن فاينمان اهتم في الأساس بانتقاد عدة نقاط أساسية متعلقة بالفلسفة، فهو يقول في محاضرة "ما العلم؟"(7) إن "فلاسفة العلم أخطأوا في تعريف العلم"، كذلك فإنه يوضح أن الأمر لا يتعلق بالفلسفة فقط. مفاهيم العلم، على سبيل المثال، تلك التي يتعلمها الطلبة في المدارس والجامعات، ليست كذلك تعريفا للعلم، وحتّى تعليم العلم نفسه، ليس ذا علاقة بالممارسة العلمية، كذلك ما هو موجود في الكتب والمراجع العلمية، في تلك النقطة يضرب فاينمان مثالا يدفع إلى الكثير من التأمل، حينما نسأل عن تعريف العلم، حيث يشير إلى أنه حينما نقول إن الطاقة(8) هي ما دفع الزنبرك إلى التمدد على أثر ربط ثقل به، أو أن نقول إن الله هو من فعل ذلك، فإن كلا الجملتين متكافئة!

بمعنى أوضح، واعتمادا على الفكرة السابقة التي تقول إنه لا يمكن لنا التعرف إلى الواقع، لا يهتم العلم، من وجهة نظر فاينمان، بتعريف الأشياء، لأن تعريفها يقيدها، أو أنه فقط يقيد تصوراتنا عنها، لذلك فإنه حينما نستخدم مرادفات "الطاقة" لوصف الطاقة فنحن لا نفعل شيئا، بالتالي فالعلم يخبرنا عن العلاقات التي توجد فيها الطاقة، ولكن ليس ما الطاقة، إنها الطريقة نفسها التي وصف بها فاينمان لعبة الشطرنج السماوية قبل قليل، في كتابه "متعة اكتشاف الأشياء" يقول فاينمان إنه لا يهم أن ننطق اسم هذا الطائر في اليونانية أو اليابانية أو العربية أو الإنجليزية، حينما نعرف كل تلك الأسماء الخاصة به فنحن ما زلنا لا نعرف أي شيء عن الطائر نفسه.

فاينمان لا يُفضّل العلم على الفلسفة، بل هو، بشكل أو بآخر، مقتنع تماما أن الفلسفة الجديدة (تلك التي تسمى الآن العلم) أفضل من سابقتها

مواقع التواصل
 

من جهة أخرى رفض فاينمان تعمد الكثير من الفلاسفة اللعب بالألفاظ دون أي اهتمام بتوضيح الحقائق أو البحث عنها أو حتى بذل الجهد في سبيل ذلك، وهو هنا يتفق مع فيلسوف العلم الأشهر كارل بوبر حول ما أسماه(9) "الميل إلى الرطانة" (appeal to gibberish)، حيث يهتم البعض فقط باللعب اللغوي، أو بتصدير كلمات، وجمل، ومقاطع كاملة بلغة معقدة، ثم تمتد تلك المشكلة حينما يحاول بعض الفلاسفة أن يستلهم مفاهيم علمية لدسّها في أفكار فلسفية.

يهتم فاينمان كثيرا بتلك النقطة الأخيرة لأنه يلوم على هؤلاء عدم اهتمامهم الأصيل وتكاسلهم الواضح في فهم ما تعنيه المفاهيم العلمية. لذلك، ستجد أنه في مقدمة الفصل السادس عشر من الجزء الأول في المرجع الشهير جدا "محاضرات فاينمان"، يبدأ فاينمان حديثه بالسخرية ممن سماهم "فلاسفة حفلات الكوكتيل"، وهم مجموعة من الفلاسفة، ربما المتخصصين، الذين يقولون بسطحية شديدة في جلسة سمر: "حسنا، الأمر بسيط، تقول النظرية النسبية إن كل شيء نسبي"، وقد تسبب ذلك في نقل فكرة خاطئة عن النسبية، أدّت بعدد من الفلسفات الاجتماعية إلى اتخاذها دليلا على صحة المفهوم الكاري الذي يُدعى "النسبية الأخلاقية".

هنا يتفق أينشتاين مع فاينمان(10) قائلا: "لقد أُسيء فهم ما تعنيه النسبية على نطاق واسع، يلعب الفلاسفة بالكلمات كما يلعب الأطفال بالدُمى. النسبية، كما أراها، تشير إلى أن بعض الحقائق الفيزيائية والميكانيكية التي كان يُنظر إليها على أنها ثابتة، هي نسبية حينما نضع في الاعتبار حقائق فيزيائية وميكانيكية أخرى، النسبية لا تعني أن لدينا الحق في أن نقلب العالم رأسا على عقب بخبث".

من جهة أخرى فإن فاينمان لا يرى أن الفلسفة غير صحيحة بقدر ما يعتقد أن العلم هو الفلسفة الجديدة، بمعنى أوضح: كان فاينمان على قناعة تامة أن طرق التحليل التي استحدثتها المعرفة العلمية أكثر دقة وسرعة من تلك التي أنتجتها الفلسفة، بالتالي فإن فاينمان لا يُفضّل العلم على الفلسفة، بل هو، بشكل أو بآخر، مقتنع تماما أن الفلسفة الجديدة (تلك التي تسمى الآن العلم) أفضل من سابقتها، أو -على الأقل- هي أفضل فيما تختص بفعله.



يوميات رجل براغماتي

لفهم تلك الجملة الأخيرة دعنا نبدأ بالتحدث عن موقف فاينمان من التخصص، نحن نعرف أن فاينمان كان عاشقا للعلم، وللطريقة العلمية، وقراءة كتاب "طبيعة القانون الفيزيائي" هي فرصة للتعرف إلى ذلك الشغف، لكن ذلك لم يدفع بفاينمان، كما حدث مع الكثير من العلماء، لربط عظمة العلم بعظمة العلماء، بل أوضح في أكثر من مرة أن مهمة العالِم هي العلم، فيقول(11): "حينما يحاول عالم ما أن يحل مشكلة غير علمية فهو أحمق بقدر الشخص نفسه الذي يجلس بجانبه".

بالتالي فإن إحدى مشكلات فاينمان كانت محاولات العبور بين النطاقات وليست الفلسفة فقط، وكان فاينمان يحاول بقوة أن يحدد كل نطاق باهتماماته. في إحدى محاضراته للطلبة (المجلد الأول) يقول إن هناك تغييرا مهما في أفكار وفلسفة العلم الناجمة عن ميكانيكا الكم، وهي الفكرة القائلة إنه ليس من الممكن التنبؤ بالضبط بما سيحدث في أي ظرف، بالتالي فإن الطبيعة، كما نفهمها اليوم، تتصرف بطريقة تجعل من المستحيل في الأساس إجراء تنبؤ دقيق لما سيحدث بالضبط في تجربة معينة. رغم ذلك قال الفلاسفة إن أحد المتطلبات الأساسية للعلم هو أنه في كل مرة تضع فيها الشروط نفسها، يجب أن يحدث الشيء نفسه.

"هذا ببساطة ليس صحيحا"، يقول ريتشارد فاينمان في محاضرته مستكملا: "إنه ليس شرطا أساسيا في العلم"، ثم في ختام حديثه يقول فاينمان إن الفلاسفة يقولون الكثير حول ما هو ضروري للغاية للعلوم، وهو دائما، بقدر ما يمكن للمرء أن يرى، ساذج إلى حد ما، وربما خاطئ. يشير فاينمان إلى أن فيلسوفا ما قد قال إنه من الأمور الأساسية للبحث العلمي أنه إذا تم إجراء تجربة في ستوكهولم ومن ثم إجراء التجربة نفسها في كيتو يجب أن تحدث النتائج نفسها بدرجة واسعة من التوافق، بينما بالنسبة لطبيعة الكوانتم فالأمور إحصائية تتحدث في متوسطات لا أكثر.

لم يهتم ريتشارد فاينمان بواقع الأشياء أو ما تبدو عليه أو ما يمكن أن نعطيها من تعريفات، بل اهتم بتحصيل أكبر قدر ممكن من المعرفة عن كل ذلك

مواقع التواصل
 

كذلك أصر فاينمان، من وجهة نظر براغماتية أيضا، على توضيح الحدود الفاصلة بين الفيزياء والرياضيات، فقال ذات مرة(12) إنه "لو اختفت كل الرياضيات التي نعرفها الآن، ستعود الفيزياء إلى الخلف أسبوعا واحدا فقط"، وهو هنا لا ينتقد الرياضيات، التي طالما تغزل في جمالها، بل يحاول أن يوضح أن الفيزياء ذات طبيعة مختلفة وإن كانت تعتمد على الرياضيات كإحدى أدواتها، فالرياضيات أكثر عمومية، تهتم بالمفاهيم وليس بتحليل الطبيعة، حينما تتحدث مع رياضي عن أبعاد ثلاثة أو أربعة فإنه لا يهتم بوضع العالم في أي من تلك الأبعاد، بل يتأمل فقط المفهوم العام لكلمة بُعد ثم يمكن لك أن تضع عدد الأبعاد مكان "س" في المعادلة. لهذا السبب تحديدا تحوّل فاينمان من دراسة الرياضيات إلى الفيزياء، لأنه كان يرى أن الفيزياء نافعة أكثر، أو -بمعنى أوضح- قريبة أكثر لوصف مشكلات نتعرّض لها في الطبيعة.

الأمر المتعلق بنظرة فاينمان إلى الفلسفة هو إذن أكثر تعقيدا مما يمكن أن نظن، لكنه مفهوم إذا تأملنا العلم والفلسفة من وجهة نظر رجل لم يهتم بواقع الأشياء أو ما تبدو عليه أو ما يمكن أن نعطيها من تعريفات، بل اهتم بتحصيل أكبر قدر ممكن من المعرفة عن كل ذلك، بشكل العلاقات بين الأشياء، عبر الفيزياء، والتي نجحت في هذه المهمة لدرجة جعلت من النتائج التجريبية في عالم ميكانيكا الكم هي الأدق على الإطلاق في تاريخ العلم لدرجة تشبه أن تكون نسبة الخطأ في تقدير المسافة من الأرض إلى القمر هي قطر شعرة بشرية.

ملاحظة:

بجانب المصادر، فإن هذا التقرير بالأساس هو قراءة في عدة كتب لفاينمان، سواء "محاضراته الشهيرة في الفيزياء" بثلاثة مجلدات، "طبيعة القانون الفيزيائي"، "أنت حقا تمزح يا سيد فاينمان"، "متعة اكتشاف الأشياء"، "الإلكتروديناميكا الكمية: نظرية للضوء والمادة"، "ما العلم - محاضرة مكتوبة"، وكتابَي: "الفيزياء والفلسفة" لـ فيرنر هايزنبرج و"النظرية الذرية ووصف الطبيعة" لـ نيلز بور.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار