انضم إلينا
اغلاق
نوبل للكيمياء.. كيف حددت بطارية هاتفك الفائز بنوبل؟

نوبل للكيمياء.. كيف حددت بطارية هاتفك الفائز بنوبل؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"في هذا النطاق، تعاملوا مع البحث العلمي وكأنه عملية حفر بئر نفط"

(ستانلي ويتنجهام)

  

بينما كان طفلًا، في العام 1750، تمنى لويجي جالفاني أن يصبح مهندسًا لكي يدرس في الجامعة المجاورة بمدينة بولونيا الإيطالية، بعد ذلك أراد أن يدرس علم اللاهوت في الكنيسة، لكن والديه -مثل أي والدين- قررا أنه سيدرس الطب، وكأي مراهق مؤمن بأهمية إطاعة رغبات الوالدين قرر صديقنا فعلًا أن يدرس الطب، ثم حدث قبل أن يتم الخمسين من عمره، وبينما كان يقوم بتشريح ضفدعة أمام مجموعة من تلامذته، أن تلامس المشرط مع جسم الضفدعة الميتة فانتفضت إحدى أقدامها.

 

هنا تصوّر جالفاني أن تلك هي "كهرباء الحياة"، وقد صدرت عن الضفدعة نفسها لسبب ما، لكن ألساندرو فولتا الفيزيائي الإيطالي الشهير وقتها كان له تفسير آخر، حيث قال إن ما حدث هو أن الكهرباء انتقلت بين مشرط جالفاني والدبابيس التي ثُبتت بها الضفدعة على الطاولة في وجود محلول بينهما، وهو السائل الخاص بجسم الضفدعة، وأدى ذلك إلى صعق عضلات الضفدعة فتحركت، رفض جالفاني تلك الفكرة ودار جدل كبير حولها، لكن فولتا حسم الأمر حينما ابتكر تجربة ذكية.

  

حيث وضع فولتا طبقات من النحاس والزنك فوق بعضها البعض بشكل متبادل يفصل بينها قطع قماش مشبعة بمحلول ملحي، في محاكاة لتجربة جالفاني، ثم فحص مرور الكهرباء بين تلك الطبقات، ووجد ضالته بالفعل، وبذلك انتصر فولتا في هذا الصراع الفكري، لكنه لم يكن يدرك وقتها أنه ابتكر أول بطارية في التاريخ، أما جالفاني فلم نعرفه كمهندس، أو عالم لاهوت، أو حتّى طبيب، بل نتذكره فقط في حصص الكيمياء والفيزياء، كم هي عجيبة تقلبات الزمن!

  

    

 
ما الكهرباء على أية حال؟

ربما في تلك النقطة ستود أن تسأل عن علاقة ضفدعة ميتة بجائزة نوبل للكيمياء في العام 2019، حيث أعلنت الأكاديمية السويدية للعلوم فوز كل من جون جودإينوف من جامعة تكساس، وستانلي ويتنجهام من جامعتي بينجهامنتون ونيويورك، وأكيرا يوشينو من جامعة ميجو اليابانية، بجائزة نوبل في الكيمياء للعام 2019 عن ابتكارهم وتطويرهم لبطاريات أيون الليثيوم، إلا أن الأمر كله مرتبط، فكل خطوة على هذا السلم بداية من جالفاني ثم وصولًا إلى نوبل للكيمياء كانت السبب في أنك تقرأ هذا التقرير الآن، على هاتفك الذكي أو حاسوبك المحمول.

 

حسنًا، لفهم الفكرة دعنا نبدأ من الكهرباء، إنها شيء نعرفه، نراه في المصباح والثلاجة وحينما نضع شيئًا معدنيًا بالخطأ في فتحة القابس فنتراقص فورًا على الأرض، لكن الكثيرين لا يعرفون أن تلك الكهرباء ما هي إلا إلكترونات سابحة بين ذرتين، الأولى تفقد هذه الإلكترونات من مداراتها والثانية تكتسبها، خلال هذا النهر السابح من الإلكترونات بين مجموعتين من الذرات يمكن أن تضع مصباحًا صغيرًا وسيُنير، ضع راديو صغير وستسمع صوت المذيع يتحدث عن كم الرفاهية الذي تعيش فيه بدولتك، رغم أن الجميع يعرف أن ذلك غير حقيقي.

 

البطارية تفعل نفس الشيء، فكرتها أن تضع في جانب البطارية مادة يمكن أن تفقد إلكتروناتها بسهولة (تجدها عند القطب السالب)، بحيث تنطلق من هذا الجانب إلى الجانب الآخر (القطب الموجب) لتكتسبها مادة أخرى، يحدث ذلك بسبب تفاعل بين المادتين المكونتين للبطارية، ويستمر التفاعل -ومعه يستمر سيل الإلكترونات في التدفق- حتّى تنهي كل الذرات تفاعلاتها، وهنا تنتهي البطارية، أما إذا كانت بطارية قابلة للشحن فإن ما يحدث هو أن الكهرباء من الشاحن تعيد نفس التفاعل بطريقة معكوسة، فيعود كلٌ لمكانه.

    

نموذج بطارية ليثيوم أيون (رويترز)

 

بالنسبة لبطاريات أيون الليثيوم، فإن نفس الأمر يحدث مع فوارق تقنية لا تؤثر كثيرًا على المفهوم الذي نريد تعلمه، لكن رحلة الوصول لهذا الكشف هي ما نود التطرق له الآن، فهي نموذج مباشر على الحكمة القديمة القائلة أن "الحاجة أم الاختراع"، في منتصف القرن الفائت -ومع تزايد استخدام السيارات بصورة غير مسبوقة- بدا واضحًا أن عصر الوقود الأحفوري سيصل إلى نهايته عاجلا أم آجلا، سواء لأنه سينضب أو لأنه يلوث الغلاف الجوي بصورة قد ندفع ثمنها غاليًا، ونحن نفعل الآن، وبوصول أزمة النفط العالمية في تلك الفترة اندفعت بعض الشركات لاتخاذ طريق ابتكاري جديد يعتمد على أي شيء آخر غير النفط، العملاق إيكسون Exxon كانت واحدة من تلك الشركات.

 

في تلك الفترة كانت البطاريات الكهربية المستخدمة على نطاق واسع هي بطاريات الرصاص الثقيل، والتي ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر، وبطاريات النيكل-كادميوم التي ظهرت في أوائل القرن العشرين، لكن الهدف كان أن نتخطى كل ذلك وصولًا إلى بطاريات ثورية، تعمل بأضعاف الكفاءة وحجم أصغر بفارق كبير بحيث يمكن استخدامها في نطاق واسع يصل إلى السيارات مستقبلا، هنا يظهر ستانلي ويتنجهام في الصورة ليعمل في إيكسون في سبعينيات القرن الفائت.

 

العابثون بالمواد الصلبة
ستانلي ويتنجهام من جامعتي بينجهامنتون ونيويورك  (رويترز)

  

كان اهتمام ويتنجهام منصبًا بالأساس على دراسة المواد الصلبة التي تحوي داخلها على فراغات بمساحات ذرية يمكن لها احتواء أيونات من مواد أخرى ("الأيون" هو فقط ذرة مشحونة بسبب أنها فقدت أو اكتسبت إلكترونات)، الهدف من تلك الفكرة هو أنه بدلًا من محاولاتنا المرهقة لتغيير خصائص مادة ما عبر تفاعلات كيميائية، يمكن أن نفعل ذلك عبر وضع مادة أخرى بين طبقاتها، نجحت محاولات ويتنجهام وأصبحت قاعدة لصناعة بطاريات جديدة أقل في الحجم والتكلفة وأكبر في القدرة، وهنا دخل الليثيوم للقصة.

    

الليثيوم عنصر مميز، خفيف جدًا لأنه بالأساس من أصغر الذرات، خفيف لدرجة أنه يطفو على الماء كالفلين، ما يعني أنه يمكن لنا تكديس كمية أكبر من ذراته في نطاق ضيق، ونحن نعرف أنه كلما ازداد عدد الذرات التي تتحرك الإلكترونات ما بينها -في بطارية ما- كانت البطارية أكثر قوة وكفاءة، من جهة أخرى فإن الليثيوم يحوي إلكترون واحد في مداره الخارجي، ويعني ذلك -بدون الدخول إلى الكثير من التعقيدات الخاصة بكيمياء المرحلة الثانوية- أنه يمكن لليثيوم فقد إلكتروناته بسهولة لتسافر كتيار كهربي، ما يعني أيضًا بطارية مثالية.

               

في تلك النقطة كانت هناك مشكلة كبيرة، وهي أن مزايا الليثيوم تعد أيضًا عيوبا، لأن ذلك يعني أن قدراته على التفاعل مع محيطه تكون مرتفعة، ما قد يسبب تلفًا أو انفجارًا (تأمل الفيديو المرفق)، لكن عبر استخدام طبقات من مادة التيتانيوم ثنائي السلفيد تمكن ويتنجهام من تجاوز تلك المشكلة لأنها تمرره بين فتحاتها ولا تتفاعل معه، لكن "الحلو" -بحد تعبير المثل المصري الشهير- لم يكتمل، ظهرت بعض المشكلات لتلك الطريقة، فمع الوقت كوّن الليثيوم أشكال إبرية رفيعة تمتد بين قطبي البطارية لتتلفها، هنا ظهر "جودإينوف".

   

 

جون جودإينوف، الطفل الذي تلعثم كثيرًا أثناء القراءة لذلك قرر أن يجد ذاته مع الرياضيات، كان يرى أن ما قدمه ويتنجهام هو أمر جيد، لكنه يحتاج للمسة إضافية من العظمة، وكانت تدور في ذهنه أفكار عن استخدام "أكسيد" المعدن بدلًا من "سلفيد" المعدن المستخدم في بطاريات ويتنجهام، خلال عقد الثمانينات نجح جودإينوف في تطبيق فكرته باستبدال "التيتانيوم ثنائي السلفيد" بـ"أكسيد الكوبلت"، ضاعف ذلك من قدرات البطارية برفع جهدها من 2 فولت إلى 4 فولت، لكن.. ما هو الجهد؟

 

لفهم الفكرة، بدرجة من البساطة، تخيل أن التيار الكهربائي الدائر بين طرفي البطارية هو نهر جار بين نقطتين، المنبع والمصب، يتحرك الماء في النهر ببطئ لأن النقطتين في نفس المستوى معًا، لكن ماذا لو رفعنا إحداهما عن الأخرى قليلًا، هنا سيتحرك الماء بشكل أسرع. ماذا لو باعدنا في الارتفاع بين النقطين بحيث أصبحا أشبه ما يكون بالشلال؟ هذا هو -بالنسبة للبطاريات- فارق الجهد، كلما ارتفع كان تدفق التيار أكثر قوة، بطاريات ويتنجهام كانت بجهد 2 فولت، أما بطاريات جودإينوف فكانت 4 فولت. 

   

جون جودإينوف من جامعة تكساس (رويترز)

   

كانت الخطوة الأساسية لجودإينوف إذن هي رفع كفاءة البطارية الحديثة الواعدة، لكن خطوة أكيرا يوشينو تعلقت، بشكل أكبر، بالآمان. حتى تلك اللحظة التي ظهر فيها يوشينو في ثمانينيات القرن الفائت كانت بطاريات الليثيوم متداولة لكن ليس بصورة تجارية، خشي الجميع من الليثيوم، هذا العنصر الذي يتفاعل بقسوة مع محيطه وقد يتسبب في كارثة ما.

 

حلم مطعّم بألوان السبعينيات

هنا فكر صديقنا في أنه يمكن لنا استخدام كوك النفط الغني بالكربون لحفظ أيونات الليثيوم بدلًا من الليثيوم الخام صاحب كل المشكلات، بنى يوشينو مشروعه على بطاريات جودإينوف السابقة ثم - في مفاجأة ممتعة للجميع - نجحت الخطة، لقد حصلنا أخيرًا على الحلم الذي بدأ في السبعينيات كمحاولة، مجرد محاولة، لتجاوز مشكلات النفط، في العام 1991 روجت شركة "سوني" لأول بطارية أيون الليثيوم في العالم، انطلقت بعد ذلك ثورة عارمة تضمنت كل ما تعرفه الآن بداية من هاتفك الذكي، مرورًا بحاسوبك المحمول، ووصولًا إلى أدق الاستخدامات في أجهزة ضبط السمع ومنظمات القلب وغيرها.

  

لكن هذا الحلم السبعيناتي بنى نفسه على هدف رئيسي، وهو تجاوز عصر النفط الذي يلوث البيئة، والانتقال لاستخدام السيارات الكهربائية بدلًا من السيارات التي تعمل بالوقود الأحفوري، كذلك ساهمت بطاريات الليثيوم في طفرة أخرى تتعلق بالطاقة المستدامة، حيث يمكن لها تخزين الطاقة القادمة من الخلايا الشمسية أو الرياح، وهو ما دفع بتطوّر جذري في مستقبل الطاقة النظيفة، كل ذلك حدث فقط لأن بعض الباحثين أبى أن يصدق أن تلك هي نهاية الطريق، هناك دائمًا حلول، قد تأخذ الكثير من الوقت، لكنها موجودة، وللتأكد من تلك الفكرة يمكن أن تتأمل حياة جودإينوف المثيرة للانتباه، حصل هذا الرجل على نوبل عن عمر 97 سنة، نعم.. إنها كما قرأت.

   

أكيرا يوشينو من جامعة ميجو اليابانية (رويترز)

  

نوبل 2019 كيمياء هي إذن رسالة إلى الجميع تقول إنه يجب علينا أن نعبر من عالم الوقود الأحفوري إلى عالم نظيف، لا يخفى علينا أن كوكبنا يعاني من نوبة تغير قاسية على كل المستويات لكن أشهرها هو تغير المناخ. بسبب استخدامنا للوقود الأحفوري فإن كميات ثاني أكسيد الكربون المنطلقة في غلافنا الجوي هي الأكبر منذ 800 ألف سنة مضت! يتسبب ذلك في ارتفاع متوسطات درجات الحرارة بصورة قياسية، يتسبب ذلك في طيف واسع من المشكلات يبدأ من الجفاف ويمر بالموجات الحارة ومشكلات وصولًا إلى تغيرات واضحة للمنظومة البيئية بحيث يتصور بعض العلماء أنها ما نعرفه الآن باسم "الانقراض السادس".

 

هل يمكن لكل تلك المشكلات أن تنمحي من عالمنا يومًا ما؟ إجابة نوبل للكيمياء هذا العام هي "نعم، يمكن"، إن عقول البشر، على مر تاريخنا، لم تعجز أبدًا أن تجد حلولًا لأعقد المشكلات، لكن المعضلة التي تواجهنا هي أن البعض قد يتطرف لأجل مصالحه الخاصة دون نظرة بسيطة إلى الصورة الكبرى والتي تقول إن التعاون بيننا، مدفوعًا بالحاجة إلى الابتكارات الجديدة، يمكن أن يؤسس لحلول ذكية، فقط دع الكثير من العقول الواعدة تعمل معًا، اعطها الموارد، اسمح لها بالتبحر في عوالم الأفكار النيّرة، وانتظر المعجزات.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار