انضم إلينا
اغلاق
نوبل للاقتصاد 2019.. ماذا لو أعطينا الناس ناموسيات مجانية؟

نوبل للاقتصاد 2019.. ماذا لو أعطينا الناس ناموسيات مجانية؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"غالبا ما يُبدي الفقراء مقاومة لما نبتكره لهم من برامج رائعة لحل مشكلاتهم، لأنهم لا يشاطروننا الثقة في تلك البرامج"

(أبهجيت بانرجي، إستر دوفلو)

   

حسنا، طالما أننا في أرض علم الاقتصاد فإن أفضل طريقة للفهم يمكن أن تكون في صورة تجربة فكرية. لنفترض أنك طالب في إحدى الجامعات، تدرس البيولوجيا وتريد في المستقبل أن تتخصص في أحد النطاقات الطبية، في أثناء دراستك يتطلب الأمر أن تشتري حاسوبا محمولا لإتمام الكثير من الأعمال، أنت تملك بالفعل النقود، لذلك ستقوم بشرائه. ما تفعله في هذه الحالة هو استثمار ناجح، تدفع في تعليمك الآن لتحصل على منفعة مستقبلية حينما تتخرج وتعمل طبيبا، لكن ماذا لو حدث وتعطل هذا الحاسوب لسبب ما في أثناء استذكارك لدروسك، لنفترض مثلا أنك أوقعت كوبا من الشاي عليه؟

   

مصيدة الفقر

هنا ستضطر لتصليحه بمبلغ من المال، إذا كنت لا تمتلك المال فهناك طرق جانبية يمكن من خلالها أن تُصلح حاسوبك، كأن تطلب إعانة من الجامعة أو تحصل على المال من صديق أو تدفع لشركة التصليح في صورة أقساط أو تبيع شيئا آخر تملكه، لكن في دولة فقيرة بوسط أفريقيا، على سبيل المثال، فإن ذلك لا يحدث، سيكون هناك دائما سبب لمنع استثماراتك في التعليم من المُضي قُدما، ولن تجد طرقا جانبية للتعويض عن النقص كما حدث قبل قليل، ما يضعك بشكل مستمر في المستوى نفسه دون أي تطور في دخلك، تلك الحالة هي ما نسميه بـ "مصيدة الفقر".

  

على سبيل المثال، "بثينة" هي أمٌّ لخمسة أطفال، تقوم بتربية الدجاج لأجل دفع مصاريف المدارس، لكن النقود التي تخرج من تربية الدجاج تكفي فقط لدفع مصاريف المدارس، وحينما يحدث أن يمرض أيٌّ من الأطفال أو يصاب الدجاج بمرض ما أو يتحطم جدار البيت أو أي سبب آخر فإن بثينة ستضطر لبيع الدجاجات والعودة إلى نقطة العَوَز، بثينة هنا هي نموذج لمواطن في دولة نامية لا يتمكّن من أن يخرج من مصيدة الفقر لأسباب خاصة به وبالدولة التي لا تدعمه صحيا أو اجتماعيا، وكلما حاول هذا المواطن أن يخرج من تلك المصيدة حدث شيء ما يهدم بيت الورق الذي كان قد بناه.

  

     

كيف إذن يمكن أن نساعد هؤلاء الذين تُحاصرهم الظروف بأكبر مما لديهم من قدرات؟ كيف يمكن أن ننقذ 25 ألف طفل يموتون يوميا لأسباب اقتصادية يمكن التدخل ومنعها؟ كيف يمكن أن ننقذ 700 مليون فقير في العالم؟ إنها مأساة تتطلّب أن نبدأ في جمع النقود الآن من أجل حل تلك المشكلات، فلسنا -نحن البشر- أصحاب قلوب قاسية. الآن لنفترض أننا فعلنا هذا، جمعنا مئتي مليار دولار بطريقة ما، هل نبدأ في إعطائها لهؤلاء الفقراء بحيث يساعدهم ذلك في تطوير حياتهم والخروج من مصيدة الفقر؟

  

يرى جيفري ساكس، أستاذ الاقتصاد وأحد أهم خبراء النمو الاقتصادي، في كتابه "نهاية الفقر"، أن ذلك -بشكل أو بآخر- هو علاج الفقر العالمي، لنجمع معا مئتي مليار دولار ونعطيها للدول الفقيرة في عشر سنوات، لكن ويليام ايسترلي، أستاذ الاقتصاد من جامعة نيويورك، في كتابه "مسؤولية الرجل الأبيض" يرى عكس ذلك، حيث يمكن لتلك المساعدات أن تعزز من التبعية، وتعطي القوة لشبكات المصالح في البلاد وبالتالي ينتعش الفساد، بجانب ذلك يمكن أن تعوق المساعدات الدول الفقيرة عن فحص ظروفها لإيجاد حلول لمشكلاتها الحقيقية.

  

أي الطريقين هو الأفضل لمحاربة الفقر؟ في تلك النقطة قد يطلب البعض أن نتأمل الماضي، ربما يمكن أن يجيبنا عن هذا السؤال، فإذا تقدمت متوسطات الدخول في الدول الأفريقية النامية، على سبيل المثال، فإن ذلك يعني أن كل المساعدات التي قُدِّمت لها في العقود القليلة الماضية كانت نافعة، لكن دخول تلك الدول لم ترتفع بل كانت ثابتة تقريبا، إلا أن ذلك بدوره لا يجيب عن سؤالنا، فقد تكون المساعدات قد أدّت دورها بالفعل في منع تردي الدخول خلال العقود السابقة فرفعتها لمستوى ثابت، أو يمكن أن تكون قد منعت ارتفاع الدخول فأبقتها كما هي.

    

ناموسيات مجانية

ما الحل إذن؟ كيف يمكن أن نُعالج الفقر إذا كنّا عُميانا بهذا الشكل لا نعرف أي طريق هو الصواب؟ في تلك النقطة يتدخّل ثلاثي نوبل للاقتصاد هذا العام والمُتمثِّل في "إيستر دوفلو"، وزوجها "أبهيجيت بانيرجي" من معهد ماساتشوستس العالي للتكنولوجيا، مع مايكل كريمر أستاذ الاقتصاد من جامعة هارفارد، ليجيبوك بشكل غير متوقع تماما قائلين: سؤالك خاطئ من الأساس، لأنه لا يمكن ببساطة أن نواجه مشكلة غاية في التعقيد كتلك بسؤال واحد فقط، بل يجب أن نُفكِّكه لمجموعة من الأسئلة الصغيرة جدا ثم نغوص داخل عالم الفقراء لكي نجيب عن كل واحد منها.

  

لفهم الفكرة يمكن أن نبدأ من مشكلة ما، في كينيا تقتل الملاريا عشرات الآلاف من الأطفال سنويا، وأحد الحلول المطروحة هي إعطاء السكان ناموسيات مُجهَّزة بحيث تطرد بعوضة الملاريا بعيدا عن أسرّة الأطفال، هل نعطي الناس تلك الناموسيات مجانا، أم نعطيها لهم مقابل ثمن قليل لكي يشعروا بأهميتها ويستمروا في استخدامها كمانع لبعوضة الملاريا بدلا من استخدامها كشبكة صيد مثلا؟ هنا يمكن تصميم تجربة دقيقة للإجابة عن هذا السؤال.

        

ناموسيات للوقاية من بعوضة الملاريا (غيتي)

    

في التجربة، سنُقدِّم الناموسيات للسكان في عدة قرى منتقاة عشوائيا، في مجموعة أولى من القرى سنُقدِّم الناموسية بخصم 20%، في مجموعة أخرى سيكون الخصم أعلى قليلا 40%، ثم نستمر في التقدم في المجموعات حتّى يحصل عليها السكان بنسبة خصم 100%، أي مجانا، بعد ذلك سنبدأ في جمع البيانات والنظر إلى الإحصاءات ونسأل: كم من السكان حصل على الناموسية مع كل نسبة خصم؟ كذلك سنسأل: هل اختلفت طبيعة استخدام الناموسية بين نسب الخصم المُمكنة؟ وأخيرا سؤال ثالث: هل سترفض فرقة الناموسيات المجانية الحصول على ناموسية غير مجانية بعد أن تتلف الأولى؟

  

حينما نفحص النتائج، سنجد أن السكان يريدون الحصول على الناموسيات كلما كانت أرخص صعودا إلى الناموسيات المجانية، وحينما نقارن طبيعة استخدام الناموسية بين مَن لم يدفعوا شيئا مقابل مَن دفعوا نقودا لن نجد فارقا واضحا، ما يعني أن هؤلاء الذين حصلوا عليها مجانا لم يستهينوا بها، ويعني ذلك أن هؤلاء الذين لا يستخدمون الناموسية لأغراض الوقاية من بعوضة الملاريا يحتاجون إلى التوعية أكثر من النقود، من جهة أخرى فإننا سنجد أن هؤلاء الذين حصلوا على ناموسيات مجانية سيرغبون في الدفع مقابل ناموسيات إضافية، يجيبنا هذا عن سؤال إذا كانوا قد اعتادوا على الناموسيات أم اعتادوا الصدقات.

  

ما حدث هنا هو أننا قمنا بتفكيك السؤال الكبير عن الفقر إلى عدة أسئلة صغيرة، منها سؤال عن الناموسيات والملاريا، والذي قمنا بتفكيكه إلى ثلاثة أسئلة صغيرة، يمكن أن نجيب عن كلٍّ منها بنتائج تجريبية خالصة، ومن خلال النتائج يمكن لنا أن نحصل على إجابة محددة هي الأفضل للتعامل مع مشكلة الناموسيات والملاريا، والخطوة التالية هي استخدام تلك الإجابات التجريبية -من قِبل السلطات التنفيذية- لوضع حدٍّ لتلك المشكلات، في تلك النقطة نصبح واعين، ليس فقط للإجابة عن سؤال: "هل ستصلح تلك الطريقة لعلاج تلك الحالة؟"، بل أيضا للإجابة عن أسئلة إضافية كـ "لماذا صلحت أو لم تصلح؟".

  

يشبه الأمر، بالضبط، التجارب الطبية السريرية المعروفة، حينما نرغب في اختبار دواء جديد فإن كل ما نحتاج إلى فعله هو اختيار مجموعتين عشوائيتين من الناس، الأولى سنختبر الدواء الجديد معها، والثانية سنعطيها حبوبا وهمية، ثم بعد ذلك نقارن نتائج الحالتين ونفحص قدر الفارق في التحسّن بينهما، إذا كان واضحا لصالح الدواء الجديد فإنه قد نجح في الاختبار ويمكن أن نمرّره للاستخدام، إذا لم ينجح فلا بد أن هناك مشكلة ما.

  

    

كيلوجرام عدس

مثال آخر شهير قادم من منطقة أودايبور شمالي الهند، هناك لا يحصل على التطعيمات السنوية سوى 1- 6% فقط من الأطفال، سوف ندفع ملايين الدولارات في سبيل توفير التطعيمات لهؤلاء، لكن نكتشف أن النسبة تظل كما هي، ما السبب؟ هل يهمل الناس هناك أطفالهم؟ في الواقع، لا يحدث ذلك لأنهم يُنفقون على الأطفال الكثير من الأموال من أجل علاجهم بعد الإصابة بالحصبة على سبيل المثال، في تلك النقطة سنبحث عن سبب آخر.

  

ربما يفعل الناس ذلك بسبب انتشار الخرافات حول التطعيمات السنوية، كذلك ربما يفعلون ذلك لأن مراكز التطعيم بعيدة جدا بحيث يضطرون إلى السير مسافة عدة كيلومترات للوصول إليها وقد يجدون أبوابها مغلقة لأن الممرضة المعنية ذهبت لشراء بعض احتياجات المنزل، في تلك النقطة يمكن لنا أن نُصمِّم مجموعة من التجارب لفهم السر في أن 6% فقط من السكان يحصلون على التطعيمات، سنقوم بعمل مخيمات تطعيم في مجموعة من قرى تلك المنطقة بحيث تكون قريبة من الناس، في مجموعة أخرى من القرى سنحفز الناس للقدوم وتطعيم أطفالهم مقابل الحصول على كيلوجرام من العدس، وفي مجموعة ثالثة من القرى لن نفعل شيئا (مجموعة للمقارنة).

      

     

بعد فترة سنبدأ بتقييم النتائج لنجد ارتفاعا بقدر 18% في استخدام التطعيمات بالقرى التي وضعنا بها مخيمات للتطعيم، يرتفع الرقم ليصبح 39% إذا أضفنا كيلوجرام من العدس، ما يعني أن الناس كانوا بحاجة إلى مراكز قريبة كي يذهبوا إليها لتطعيم أبنائهم، كذلك فإنهم في حاجة إلى حافز بسيط كي يتغلبوا على كسلهم ويمضوا لتطعيم أطفالهم، الآن قارن بين تكلفة كيلوجرام من العدس وتكلفة إبقاء ممرضة في المخيم لفترات طويلة من أجل تطعيم كل الأطفال وستجد أن إعطاء العدس لسكان القرى أرخص، هنا سيكون الحل غير المتوقع بالمرة، إنه كيلوجرام من العدس إلى جوار التطعيم!

   

هل تلاحظ ذلك؟ يمكن لنا استبعاد التخمينات -التي قد تُكلِّف الكثير جدا من الوقت والنقود- فقط عبر بناء تجارب ذكية وصارمة بحيث لا يهم أن تجيب عن سؤال ساكس أو ايسترلي الكبير، وإنما فقط تجيب عن أسئلة صغيرة جدا لإتاحة أفكار ذكية للتصرف الفوري، ليس ذلك فقط، لقد أجرينا التجارب في بيئة المشكلة نفسها وليس عبر محاكاة مثلا، ما يعني أننا حصلنا على النتائج الأدق على الإطلاق، لكن الأكثر أهمية وعمقا هو أننا -في أثناء إجراء تلك التجارب- راقبنا سلوك الناس الذين يعانون من المشكلة، وأدركنا القواعد التي يتخذون على أساسها القرارات الخاصة بهم.

  

هل الفقراء هم سبب الفقر؟

تلك في الواقع هي أحد أهم النتائج التي حصل ثلاثي نوبل الاقتصاد عليها هذا العام، فبجانب تطويرهم لمنظومة جديدة تماما تنقل دراسة اقتصاد الفقر من تكهّنات نظرية إلى تجريب دقيق، تمكّنوا أيضا من الولوج إلى عوالم الفقراء الحقيقية، وهناك اكتشفوا أسرار المشكلة الكبرى، حيث يبدو أن الفقراء، حينما يتصرفون بطريقة غير عقلانية تجاه مشكلة ما، فإنهم لا يفعلون ذلك لأن تلك هي طبيعتهم التي أفقرتهم من الأساس، بل لأن الفقر هو ما دفعهم لذلك السلوك، وتلك هي إجابة سؤال قديم عن السبب في الفقر، الظروف أم الفقراء أنفسهم؟!

    

 

      

على سبيل المثال، ستجد أن الفقراء في بعض المناطق يقومون بإنفاق الأموال التي حصلوا عليها للتو في شراء أشياء غير مجدية، كهاتف ذكي أو وجبة غالية الثمن كان من الممكن تعويضها بأخرى رخيصة ومفيدة، قد تتعجب حينما تعطي أحدهم مبلغا من المال، وهو فقير جدا، لتجد أنه اشترى قميصا مرتفع الثمن أو تلفازا أو علبة سجائر بينما كان من الممكن أن يدّخره ويقسّمه على عدة أيام، هنا ستستاء مما فعل، وستقول إن ما حدث يبرر أنه فقير من الأساس، فهو يُبدِّد ما يملك بلا حساب.

  

لكن هذا يحدث فقط لأنك ابن طبقة مختلفة تنام ليلا وبطون أبنائها مسكونة بعشاء طيب، بالنسبة للفقراء فإنه لا يمكن لهم بسهولة التفكير في المستقبل كما تفكر به، هذا الضغط الدائم من قِبل الجوع والفقر قادر على وضعهم في حالة من التوتر العصبي المزمن التي لا يمكن معها توقّع أن يتصرفوا بعقلانية تجاه مواردهم الاقتصادية، إنها صورة أكثر عمقا من مصيدة الفقر.

  

لا يعني ذلك بالطبع أن الفقراء ليسوا جزءا من المشكلة، لكنه لا شك يُخفِّف من أثر تلك النظرة اللا اكتراثية تجاههم وكأنهم كانوا -هم فقط- السبب فيما هم فيه. لكن المشكلة هي أننا لا نعرف ما سبب ذلك كله في النهاية، يزداد حجم الهوة بين طبقات الأغنياء والفقراء يوما بعد يوم، ولا نعرف بالتحديد السبب في ذلك، لكننا نعرف أن هذا ضار للجميع، ربما تساعدنا أفكار ثلاثي نوبل هذا العام يوما ما على تطوير فرضيات أكثر رصانة تستكشف أسباب تلك المشكلة الحقيقية.

  

قيل في المثل القديم: "لا تعطني سمكة ولكن علّمني كيف أصطاد"، لكن بالنسبة للفقراء فإن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك كما يبدو. في الواقع، فإن نوبل للاقتصاد هذا العام ليست للإجابات بقدر ما هي للأسئلة، فبعد أن كان من الممكن أن نخرج بحلول سريعة مثل "فقط أعطهم النقود يا رجل" أو "لا، لا تعطهم النقود"، بات من الضروري أن نقوم بإجراء عدد كبير من التجارب للإجابة عن عدد كبير من الأسئلة الصغيرة، بذلك يتحول اقتصاد الفقر إلى ما يُشبه الطب في بداياته، وبينما كنا نظن أننا في درجة السلم الأخيرة لفهم وعلاج الفقر، إذ بنا نكتشف أننا ما زلنا في أول درجة، لكننا على الأقل متأكدون أنها درجة أولى صحيحة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار