انضم إلينا
اغلاق
لماذا نكره الرياضيات ونراها جميلة في نفس الوقت؟

لماذا نكره الرياضيات ونراها جميلة في نفس الوقت؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"لِمَ الأرقام جميلة؟ يشبه هذا السؤال آخر يتساءل عن سبب كون السيمفونية التاسعة لبيتهوفن جميلة. إذا كنت لا ترى السبب، فلن يتمكّن أحد من إخبارك"

(بول إيردوس)

    

لطالما كانت علاقتنا بالرياضيات حذرة، غير واضحة، تعبث بمخيّلاتنا وأحلامنا ثم تصدمنا بنتائج امتحانات آخر العام والتي غالبا ما تكون مثيرة للشفقة، رغم ذلك نحب الأفلام التي تتحدث عن أبطال الرياضيات، نتمنى أن نمتلك قدرات جون ناش من "بيوتيفول مايند" أو جود ويل من "جود ويل هانتينج"، لكننا في الوقت نفسه نشعر أن بيننا وبينها حاجزا خرسانيا باردا لا يمكن تخطيه، هذا المزيج العجيب عبّر عنه برتراند راسل في كتابه "التصوّف والمنطق" حينما قال:

     

"إن الرياضيات لا تملك الحقيقة فحسب، بل الجمال الأسمى، وهو جمال بارد وقاسٍ، مثله مثل النحت، وتفعل الرياضيات ذلك دون اللجوء إلى أي جزء من طبيعتنا الضعيفة، دون زخارف رائعة من الرسم أو الموسيقى، ورغم ذلك فهي نقية بشكل رائع كأعظم فن يمكن أن يظهر. يمكن أن تجد في الرياضيات الروح الحقيقية للبهجة والعلو والشعور بأن الإنسان أكثر من مجرد إنسان، مثلما تجدها في الشعر"

     

  

الرياضيات في المعمل

يقول ستيفان شتاينربرجر، أستاذ الريا ضيات المساعد من جامعة ييل، في حديثه مع "ميدان": "كيف يمكن لفكرة مجردة أن تكون جميلة؟ إنه سؤال صعب، لكن للإجابة عنه يمكن أن نقارن فكرة رياضية مع مقطوعة موسيقية ولوحة فنية، ثم نفحص كيف يرى الناس التشابه بين ثلاثتهم"، في دراسة أخيرة صادرة في دورية "كوجنشن" حاول شتاينربرجر، من خلال تجربة ذكية صمّمها مع صديقه سامويل جونسون أستاذ علم النفس، أن يجيب عن هذا السؤال، وكانت الفكرة ببساطة هي أن يتعرّض الخاضعون للتجربة للأشكال الثلاثة السالف ذكرها، الرياضيات والموسيقى والرسم.

  

في الدراسة، قسّم الفريق البحثي 300 طالب من جامعة ييل إلى ثلاث مجموعات، الأولى ستتعرّض لأربع لوحات تضم مشهدا طبيعيا، وكذلك أربعة براهين رياضية شهيرة، ثم يطلب إليهم ربط كل لوحة بصيغة رياضية، المجموعة الثانية فعلت الشيء نفسه لكن مع مقطوعة موسيقية على البيانو، والثالثة أعطت تلك البراهين الرياضية والأعمال الفنية تقييما في تسعة معايير للجمال وهي:  الجدية، العمومية، العمق، الأصالة، الوضوح، البساطة، الأناقة، التعقد، الدقة.

      

      

يقول شتاينربرجر في حديثه مع "ميدان": "تفاجأت من هذا التشابه الواضح بين تقييم الناس للوحات الفنية والبراهين الرياضية"، مضيفا أنه كان من المتوقع أن نجد تشابها في التقييم بين الموسيقى والرياضيات، بحسب دراسات سابقة، لكن أن يمتد الأمر للوحات الفنية فإن ذلك يُعبّر عن شيء حقيقي في تلك العلاقة، لقد ربط الناس، بنسبة أكبر من المصادفة الطبيعية، المعادلات نفسها باللوحات والمقطوعات الموسيقية نفسها، وكأنما كل لوحة منهم أو كل مقطوعة موسيقية تقول شيئا ما يشبه ما تقوله معادلة رياضية بعينها.

  

وربما كانت النتائج الأكثر إثارة للانتباه في تجارب شتاينربرجر ورفاقه هي أنه أمكن استخدام تقييمات المجموعة الثالثة للوحات والبراهين الرياضية للتنبؤ بتوقعات المجموعتين الأولى والثانية، بمعنى أن الأناقة والبساطة وُجدتا بتقييم مرتفع في لوحة ما ومعادلة رياضية ما بحيث أمكن -قبل أن تظهر النتائج- توقّع أن المشارك في الدراسة سيربط هذه اللوحة تحديدا بتلك المعادلة، ما يعني -بالتبعية- أن تلك القوانين التي تحكم جمال معادلة رياضية ليست ذاتية وإنما عامة يستخدمها الجميع.

     

إحدى اللوحات التي عرضت في تجارب شتاينربرجر، وهي إطلالة على وادي يوسمايت، كاليفورنيا لألبرت بيرشتات (مواقع التواصل)

       

أضف إلى ذلك أن هذه النتائج لم تخرج من عيّنة متخصصة في الرياضيات، بل عيّنة عامة قام رياضيون بشرح البراهين الرياضية لهم، أشياء كمبدأ برج الحمام (Pigeonhole principle) الشهير الذي ينص على أنه إذا تم وضع عدد "n" من العناصر في عدد "m" من الخانات بحيث يكون "n > m"، فإن ذلك يؤدي إلى استنتاج يقول إنه توجد على الأقل خانة واحدة تحتوي على أكثر من عنصر، على سبيل المثال إذا وجدت تسع غرف في برج الحمام و10 حمامات فإنه لا بد أن توجد حمامتان في غرفة واحدة، لكن على بساطة هذا البرهان فإن نتائجه التي تُبنى عليه باهرة ومعقدة في آنٍ واحد، ويمكن لها أن تصنع جمالا رياضيا بديعا وبسيطا بالنسبة لشخص عادي، أمثلة أخرى استخدمتها الدراسة مثل صيغة فاولهابر وحيلة جاوس لجمع الأعداد الموجبة ومجموع المتواليات الهندسية.

    

من فيثاغورث إلى أويلر

لكن، هل يمكن أن يقف الأمر عند هذا الحد؟ بمعنى أن هذا النمط الواضح من التشابه بين الرياضيات والفن لا بد أنه يمتلك جذورا ضاربة في أعماق أدمغتنا، في تلك النقطة يلجأ محرر "ميدان" إلى الدكتور سمير زكي أستاذ علم الأعصاب الكبير من "يونيفرستي كولدج لندن" (UCL)، والذي اهتم خلال عدة عقود بفحص استجابة الدماغ للجمال، يقول زكي في حديثه مع "ميدان" إن الصيغ الرياضية تكون جميلة بقدر اللوحات الفنية والمقطوعات الموسيقية لأن الأمر يتعلق من الأساس بقدرات الدماغ على الاستنتاج والاستقراء وبناء المقاربات، لكن هناك أيضا ما هو أعمق من ذلك.

  

في التجارب الخاصة به، يحاول زكي فحص مدى عمق تلك العلاقة بين الرياضيات والجمال عبر إخضاع 15 عالم رياضيات لتقنية الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) ثم تعريضهم أثناء ذلك لصيغ رياضية قاموا بتصنيفها على أنها جميلة أو محايدة أو قبيحة بأرقام تقع بين موجب 5 (جميل) وسالب 5 (قبيح)، وفي أثناء ذلك يقوم فريق زكي بفحص مناطق الدماغ التي تنشط أثناء التعرض لتلك الصيغ الرياضية.

   

يقول زكي في حديثه مع "ميدان": "اكتشفنا أن المنطقة نفسها من الدماغ التي تنشط أثناء الاستجابة للتجارب الجمالية الموسيقية أو البصرية أو الأخلاقية تنشط أيضا استجابة للصيغ الرياضية"، هذه المنطقة هي الجزء الأوسط من القشرة الجبهية الحجاجية (medial orbito-frontal cortex)، وتقع خلف العينين أسفل الجبهة، حدث ذلك مع 60 معادلة رياضية تعرّض لها علماء الرياضيات الخاضعون للتجارب، ما يشير إلى أن الدماغ يستجيب للجمال الرياضي على مستوى أعمق مما كنّا نظن.

     

القشرة الجبهية الحداجية، حيث يتواجد الجمال الرياضياتي (مواقع التواصل)

      

ما يؤكد تلك النتائج هو أن التجارب أشارت أيضا إلى أن كثافة النشاط العصبي الخاص بتلك المنطقة الدماغية كان قد تناسب مع القيمة التي أعطاها الرياضيون للمعادلة الرياضية، ما يعني أن هناك استجابة حقيقية للجمال الرياضي، أضف إلى ذلك أننا دائما ما نحصل على هذا الاتفاق حول صيغ رياضية بعينها على أنها الأكثر جمالا في تاريخ الرياضيات، على سبيل المثال -بحد تعبير زكي في حديثه مع "ميدان"- صيغ أويلر أو فيثاغورث أو معادلات كوشي ريمان.

  

يقول زكي لمحرر "ميدان": "عادة ما تُعتبر صيغة ليونارد أويلر، من قِبل جميع علماء الرياضيات، واحدة من أجمل الصيغ الرياضية على الإطلاق"، مضيفا أن تلك الصيغة تربط خمسة ثوابت رياضية أساسية مع ثلاث عمليات حسابية أساسية تحدث كلٌّ منهم مرة واحدة، هذه الصيغة تحديدا تم ربطها بمناجاة هاملت لذاته في رواية شكسبير الشهيرة، والتي قال ضمن أحدها: "أكون أو لا أكون، هذا هو السؤال".

    

لم الرياضيات صعبة؟

في الواقع، فإن تلك الاستجابة التي حصل عليها كلٌّ من زكي وشتاينربرجر تُثير الانتباه إلى نقطة أخرى مهمة، فرغم أن علماء الرياضيات أو طلبة جامعة ييل فهموا ما تعنيه تلك الصيغ الرياضية، لكن الفهم لم يكن مؤشرا للجمال، فالبعض فضّل مجموعة من الصيغ على أخرى واستجاب دماغه بنشاط مختلف الكثافة في كل مرة، ما يعني أن الفهم لم يكن فقط هو المتحكم الرئيسي في هذا النشاط، بل استشعار الجمال نفسه.

  

ينقلنا ما سبق للإجابة عن سؤال آخر مهم، فهناك فارق بين فهم الرياضيات واستشعارنا لجمالها إذن، وهذا الفارق يبدو واضحا في التناقض الذي نشعر به تجاهها. في المدرسة، كانت الرياضيات أصعب المواد وأسخفها بالنسبة للكثيرين، رغم ذلك كنا نحب الأفلام التي تتحدث عن الرياضيين ونرى الطلاسم الرياضية تتشكّل على الشاشات وكأنها سيمفونية بديعة، يحدث ذلك لأن مشكلة الرياضيات هي تجريدها، ونحن البشر أكثر ميلا للتأثر بالسياقات الحياتية من الأفكار المجردة.

       

لو تمكّنّا من تحقيق فهم أفضل لكيفية تعامل أدمغتنا مع الرياضيات قد نتوصّل إلى أفضل طرق تقديمها، الطرق التي تركّز على جمالها الحقيقي ما يجعلها أكثر سهولة

مواقع التواصل

    

على سبيل المثال، حينما تقدم حجة منطقية لأحدهم في صورة سؤال مسكون بالكثير من الصيغ الرياضية المجردة، ثم تقدم له الحجة نفسها في صورة قصّة أو موقف حياتي معتاد، ستجد أن معظم الناس سيستجيبون للسؤال الأول بصعوبة شديدة رغم فهمهم لطبيعة السؤال، بينما ستكون إجاباتهم عن السؤال الثاني سريعة وسلسة وصحيحة، وذلك لأننا نميل لاستخدام ذكائنا بشكل أكبر في الحالات التي نحتاج فيها إليه من أجل حل مشكلاتنا اليومية المعتادة، أما التجريد فهو أمر بعيد عن طبيعتنا البشرية، ويحتاج إلى وقت للتدرب عليه.

  

في حديثه مع محرر "ميدان" أوضح شتاينربرجر أنه يمكن للنطاق البحثي الذي يفحص العلاقة بين الرياضيات والجمال أن يتمخض عن آليات جديدة لتدريس الرياضيات للأطفال والمراهقين، فلو تمكّنّا من تحقيق فهم أفضل لكيفية تعامل أدمغتنا مع الرياضيات قد نتوصّل إلى أفضل طرق تقديمها، الطرق التي تركّز على جمالها الحقيقي ما يجعلها أكثر سهولة، أو على الأقل يجعل الطلاب أكثر تقبّلا لها، وهو ما سيُفيدهم في كل شيء آخر.

  

يبدو إذن أن الرياضي المجري الشهير بول إيردوس كان مخطئا بدرجة ما حينما قال: "لِمَ الأرقام جميلة؟ يشبه هذا السؤال آخر يتساءل عن سبب كون السيمفونية التاسعة لبيتهوفن جميلة. إذا كنت لا ترى السبب، فلن يتمكّن أحد من إخبارك". وذلك لأننا بتنا بالفعل نمتلك بعض الإجابات عن طبيعة العلاقة بين الرياضيات والجمال، لكن على الرغم من ذلك فإن الأمر ما زال محيرا ومعقدا، لقد أمكن بالفعل الإشارة إلى منطقة في الدماغ والقول إنها تستشعر جمال الرياضيات، لكن هناك الكثير من الأسرار، يقول زكي في حديثه مع "ميدان": "كيف بالضبط يرى الدماغ معادلة رياضية؟ إجابة هذا السؤال ليست معروفة جيدا"، ما زلنا في حاجة إلى الكثير من البحث، لكننا يوما بعد يوم نتفاجأ بأن كل شيء، على مستوى عميق جدا، متصّل!".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار