انضم إلينا
اغلاق
نوبل للطب 2019.. هل بدأنا ننتصر في حرب مكافحة السرطان؟

نوبل للطب 2019.. هل بدأنا ننتصر في حرب مكافحة السرطان؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"ليست هناك طرق مختصرة للوصول إلى هذا المكان"

(ويليام كايلين)

    

هل سألت نفسك يومًا عن الكيفية التي يعمل بها قرص المسكّن الذي تناولته لتجاوز نوبة صداع قاسية بعض الشيء؟ حيث لا تمر سوى نصف ساعة حتى تبدأ شدة الألم بالانخفاض تدريجيا، وتختفي تمامًا. في الحقيقة، لو كنا نعيش قبل مائتي عام من الآن لقال الناس إن الأمر ينطوي على سحر، لكنه بالطبع ليس كذلك، بل هو درجة من درجات الدقّة غير المسبوقة في تاريخنا كله، حتّى يجوز لنا حقًا أن ننعته بالسحر!

   

حسنًا، لفهم الأمر دعنا نبدأ من الأمس، حينما أُعلن فوز كل من جريج سمينزا من جامعة جون هوبكنز، وبيتر راتكليف من جامعة أوكسفورد، وويليام كايلين من جامعة هارفارد، بجائزة نوبل في الطب والفيسيولوجيا لعام 2019، وذلك لتمكنهم من كشف الطريقة التي تستشعر بها الخلايا وجود الأكسجين في محيطها، والكيفية التي تتكيف بها مع تغير كمّيته، لكن.. ما علاقة نوبل للطب والفيسيولوجيا بقُرص المسكّن الذي تحدثنا عنه قبل قليل؟

  

الكثير في الحقيقة، الدواء -أي دواء- هو مادة كيميائية تدخل أجسامنا لتفعيل أو منع أثر ما، يعني ذلك أنها تذهب إلى مكان محدد داخل الجسم ثم تتفاعل معه لتؤدي وظيفتها، بالتالي فنحن، قبل ابتكار أي دواء جديد، بحاجة لفهم تركيب منطقة محددة من الجسم بدقة شديدة جدًا بحيث يمكن أن نتعرف على المركبات الكيميائية المتواجدة بها، بعد ذلك نقوم بدراسة الكيفية التي يمكن أن نؤثر بها على تلك المنطقة بحيث نحفزها أو نمنع نشاطها.

      

فوز كل من جريج سمينزا من جامعة جون هوبكنز، وبيتر راتكليف من جامعة أوكسفورد، وويليام كايلين من جامعة هارفارد، بجائزة نوبل في الطب والفيسيولوجيا لعام 2019  (وكالة الأناضول)

     

الخلايا التي تتنفس

قبل ظهور أبحاث جريج سيمنزا، في التسعينات من القرن الفائت، كان كل ما نعرفه هو أن خلايانا تتعامل بدرجة كبيرة من الدقة مع الأكسجين، فكلما انخفضت كمياته أفرزت الكلى هرمون "الإريثروبيوتين EPO"، ضمن مجموعة أخرى من الاستجابات، والذي يساعد بدوره على إنتاج عدد أكبر من كرات الدم الحمراء، والتي ترفع من قدرة الدم على حمل الأكسجين، بالتالي تتعامل معه بحساسية كبيرة عن المعتاد، فيوازن ذلك من آثار انخفاضه، وبذلك يمكن لنا أن نتكيّف مع معدلات أقل من الأكسجين، هذا هو ما يحدث بالفعل في هؤلاء الذين يعيشون في مناطق مرتفعة حيث تكون كمية الأكسجين أقل من المعتاد.

 

على الرغم من ذلك، لم نكن نعرف الآلية الجزيئية الدقيقة التي تتم بها تلك العملية، عند هذه النقطة يدخل سيمنزا، والذي تعرف إلى هذا النطاق بالصدفة بعد أن فشلت محاولاته البحثية في عدة مختبرات سابقة، ثم يعطي اهتمامًا للكيفية التي يمكن من خلالها أن نستخدم فئران مُعدلة جينيًا لاستكشاف تركيب بعض الجينات، ثم انصب تركيزه على الجين المسؤول عن تكوين هرمون الإريثروبيوتين، لكن.. ما الجين؟

     

"جريج سمينزا" من جامعة جون هوبكنز (رويترز)

    

جميل جدا، الآن نحن نقف وجها لوجه أمام أول أجزاء الاكتشاف الذي حصل على نوبل طب 2019، لكن قبل البدء دعنا نعود قليلا إلى المرحلة الثانوية لأجل أن نتعلم بشكل مبسط للغاية عن بعض البيولوجيا الجزيئية التي ستفيدنا كثيرًا في ما هو قادم، نحن نعرف أن الحمض النووي (DNA) الخاص بكل كائن حي أشبه بكتاب ضخم يحتوي على شفيرة كل صفاته الظاهرة، طول الجسم مثلًا، شكل الأذن، لون العينين، شكل الأنف، لون الشعر، وظائف الخلايا وتشكلها.. إلخ، كل شيء، والحمض النووي هو مركب كيميائي طويل للغاية يتخذ شكل شريط مزدوج، لكنه يتكون بالأساس من تتابع لأربع وحدات، نسميهم بالحروف الإنجليزية "C" و"T" و"G" و"A".

  

تتكرر هذه الوحدات على طول الشريط الطويل للحمض النووي حوالي 3 مليارات مرّة، وتعبر كل مجموعة منها عن صفة، بمعنى أن التتابع "UUCCGCATACGAA" يعبّر مثلا عن صفة ما، ولتكن لون العين، أما التتابع "UUUCATGGACTAU" فرغم أنه يحتوي على نفس العدد من الوحدات إلا أنه يعبّر عن صفة أخرى، ولتكن شكل الشعر، هذا التتابع من الوحدات الكيميائية الذي يعبّر عن صفة ما هو ما نسميه "الجين"، وقد تستلزم الصفة جينا واحدا في الكائنات البسيطة، أو أكثر من جين في الكائنات المعقدة كالإنسان. يشبه الأمر أن تكتب برنامجا ما بلغة الحاسوب، فقد يكون هذا البرنامج عبارة عن لعبة سيارات تجري في شوارع كاليفورنيا أو بغداد، لكنه بالأساس هو مجموعة حروف مكتوبة بطريقة ما ومسجّلة في ذاكرة الجهاز.

  

رحلة للبحث عن بروتين

حينما بدأ سيمنزا بفحص الجين المسؤول عن تكوين الإيرثروبيوتين اكتشف أن هناك منطقة بجانبه – في الحمض النووي - تؤثر على نشاطه، يتحد بهذه المنطقة بروتينان سميا معًا HIF "هيف"، حينما ينخفض كم الأكسجين الموجود في الخلية يرتبط هذان البروتينان بالمنطقة المجاورة لجين الإرثروبيوتين، فيفعلانه لإنتاج الإرثروزبيوتين، والذي يدفع الخلية للتكيف مع الوضع الجديد منخفض الأكسجين، حينما ترتفع نسب الأكسجين مرة أخرى للدرجة الطبيعية فإن أحد البروتينين يتكسّر فيقف إنتاج الإريثروبيوتين، هذا البروتين هو ببساطة مفتاح لتشغيل ماكينة، تضعه بها فتعمل، تنزعه منها فتقف.

    

  

في تلك الفترة، منتصف التسعينات من القرن الفائت، كان بيتر راتكليف يقف عند نفس النقطة البحثية مع سيمنزا، توصل إلى نفس النتائج، وأضافا معا مفاجأة لم تكن في الحسبان، حينما اكتشفا أن بروتينا "هيف" ليسا فقط جزءًا من عملية تدور في أنسجة الخلايا الكبدية التي عملا عليها، بل في كل الجسم، ما يعني أن لها دورًا رئيسيًا في موازنة استجابة الجسم لوجود الأكسجين، وهو ما فتح الباب للتعامل مع ما اكتشفاه كنقلة جوهرية في هذا النطاق البحثي، لكن السؤال الذي استمر في إثارة انتباه كل من سيمنزا وراتكليف في تلك النقطة كان عن الكيفية التي يتكسر بها "هيف"، أين يذهب؟ وكيف يحدث هذا؟

  

هنا يدخل ويليام كايلين إلى أرض الملعب بمفاجأة أخرى، حيث كان مهتمًا بدراسة أحد الأمراض الوراثية يسمى داء "فون هيبل لينداو" ويحدث بسبب طفرة في أحد الجينات، ارتبطت العائلات المصابة بهذا المرض بوجود حالات سرطانات بنسب أعلى من المعتاد وبفارق واضح، ما عنى أنه قد يكون هناك دور للجين المسؤول عن هذا المرض في الإصابة بالسرطان، بمعنى أوضح:إذا كانت الطفرة التي توقف عمل جين ما تتسبب في سرطان، فلابد وأن الجين الطبيعي يوقفه. 

   

ويليام كايلين (الفرنسية)

   

بالاتحاد مع راتكليف، تمكن الفريق من التوصل إلى أن هذا الجين هو المسؤول عن إنتاج بروتين يمنع بروتينات الـ "هيف"، وطالما أن لهذا الجين علاقة بالسرطان فإن ذلك يعني بالتبعية أن الخلايا السرطانية تستخدم نفس الآلية لتنمو وتتشعب، بمعنى أنها تعمل على تفعيل بروتينات "هيف" حتّى في حالة نسب الأكسجين الطبيعية لكي ترتفع أعداد كريات الدم الحمراء المحيطة بها فتنمو بصورة أكبر وتتشعب لأماكن أبعد.

   

العبث بالسرطان

عند هذه النقطة، أصبحنا نضع أيدينا على آلية جديدة يمكن من خلالها العبث بالخلايا السرطانية، عن طريق تصميم أدوية تمنع بروتينات "هيف" من العمل في حالة الأكسجين الطبيعي، وهو ما قد يمنع الخلايا السرطانية من النمو والتشعب فيخفف من تطور بعض أنواع السرطان، لكن نطاق فوائد هذه الاكتشافات أكثر اتساعًا من السرطان، فنحن هنا نتحدث عن الأكسجين، سر الحياة الرئيسي، إنه ما يعطي خلايانا الطاقة لتعيش بالضبط كما يسمح لنور الشمعة أن يستمر، دون أكسجين تنطفئ الشمعة، وكذلك الحياة.

   

لذلك، فإنه بجانب الدعم الذي ستقدمه اكتشافات كتلك في علاج الكثير من الأمراض كالفشل الكلوي، والسرطان والسكتة الدماغية والإصابات البكتيرية والأنيميا ومشكلات التئام الجروح وأمراض القلب والأمراض المناعية، فإن تحسين فهمنا لعمليات طبيعية كالتمرين الرياضي وكيفية نمو الجنين وعمليات الأيض كلها - والتنفس بالطبع - سيفتح بابا جديدًا واسعًا لتنظيم حياة البشر بشكل أفضل، بل ربما أفضل مما قد نتصور للمستقبل، بالتالي يتحقق شرط ألفريد نوبل الذي تركه في وصيته قائلًا إن الحاصل على نوبل لابد وأن يقدم فائدة كبيرة للبشرية كلها.

    

  

نوبل 2019 للطب والفيسيولوجيا هي إذن رسالة للباحثين الصغار تقول: "استمروا في البحث"، هناك الكثير من الأشياء الدقيقة جدًا والمجهولة في أجسامنا، وكلما تمكنّا من فهم أحدها، فتح ذلك لنا بابا جديدًا تمامًا لعلاج المزيد من الأمراض أو على الأقل تحسين حياتنا، لذلك فإنه يمكن القول إننا في عصر تعد أقوى المهام فيه هي تصنيع المعرفة، هنا لن تتعجب حينما تجد أن رد راتكليف – في المكالمة الهاتفية مع منصة جائزة نوبل على الإنترنت – جاء فيه: "أنا أعمل في صناعة المعرفة".

  

لكن الطريق للأسف طويل، وليس هناك أي وعد بعشاء مجاني فيه، وبحد تعبير كايلين: "ليست هناك طرق مختصرة للوصول إلى هذا المكان"، في الواقع فإن نظرة بسيطة على خط السير البحثي الذي خاضه ثلاثي نوبل خلال العقود القليلة السابقة ستُعلمك أنه لا توجد طرق واضحة للإنجاز، هناك الكثير من التخبط والملل والإحباط، وبالطبع الكثير من العمل، مع نتائج غير مضمونة كفاية، لكن الأمر – بحد تعبير جيمس أليسون الحاصل على نوبل العام الفائت – بدا وأنه يستحق.

 

أما الأكثر إثارة في جائزة نوبل للطب والفيسولوجيا هذا العام هو تلك القدرة الدقيقة للعلم على سبر أغوار صغيرة للغاية والتعرف إلى جوانبها، إن تلك القطعة الصغيرة من الحمض النووي، والتي عمل عليها سيمنزا في البداية، تقع على شريط طوله 2 متر، يلتف حول نفسه داخل مساحة صغيرة جدًا، وهي نواة خلية واحدة من ضمن 37 تريليون خلية توجد في جسمك، هل تتخيل مدى الدقة؟ قديمًا قالوا إن العثور على "إبرة" في كومة قش هي مهمة صعبة جدًا لدرجة أننا نضرب بها المثل، ماذا عن بروتين في خلية؟!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار