انضم إلينا
اغلاق
لأن الأزمات الاقتصادية لا تضرب جيوبنا فقط!

لأن الأزمات الاقتصادية لا تضرب جيوبنا فقط!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

لا بد أن شعورك بتلك الحالة من الغرابة يكاد يتكرر يوميا، بل وربما في بعض الأحيان تظن أنك قد جئت في زمن ومكان ليسا مناسبين، فنحن في عصر يتبدل فيه كل شيء بسرعات غير مسبوقة، بينما كان ممكنا يوما ما أن تظل الأمور مستقرة لسنوات طويلة، كان ممكنا للناس أن يُلقوا بأنفسهم على الأسرّة مساء آملين في غدٍ أفضل أو على الأقل شبيه باليوم، وذلك بالنسبة لأوضاعهم المالية والاجتماعية، لكن الاضطرابات الاقتصادية في بلادنا أفقدتنا كل الاستقرار الممكن، بل إن الأمر -في الواقع- أسوأ بكثير مما قد تظن.

   

في حديثها مع "ميدان"، تقول الدكتورة "أدينا زكي الحزوري" أستاذة علم الأوبئة من جامعة كولومبيا إن "تقلبات الدخل هي عامل خطر جوهري"، مضيفة أن الأمر أعمق من مجرد اهتزاز في قيمة ما نمتلكه في جيوبنا أثناء الأزمات الاقتصادية التي تمر ببلادنا، "فالأشخاص الذين يواجهون تقلُّبات مهمة في الدخل قد يكونون أكثر عُرضة للإصابة بالأمراض القلبية الوعائية أو الاكتئاب أو الإجهاد، والتي ترتبط بدورها بتدهور في الصحة الإدراكية".

 

عقل غير هادئ

  

تحاول أدينا أن تبحث في مدى عمق أثر تقلبات الدخل على حياتنا، وفي دراسة أخيرة(1) -نُشرت بدورية "نيورولوجي"- أشارت مع رفاقها إلى أن انخفاض الدخل بقيمة الرُبع قادر على دفع الشباب في سن صغيرة، العشرينيات والثلاثينيات، إلى مشكلات حقيقية في القدرة على التفكير، فقد جمع الفريق البحثي نحو ثلاثة آلاف شخص ممن واجهو الأزمة الاقتصادية الأميركية في نهايات العقد الأول للألفية، بعض هؤلاء لم يتأثر دخله بالأزمة، البعض الآخر انخفض دخله مرة واحدة خلالها، ومجموعة ثالثة انخفض دخلها أكثر من مرة.

  

خلال 20 سنة، مدة التجربة، كان على هؤلاء الأشخاص إرسال بيانات دخولهم إلى فريق العمل، كذلك خضع بعضهم إلى تقنية تصوير دماغية تُدعى "الرنين المغناطيسي الوظيفي" (fMRI) على فترات منتظمة، بعد ذلك قامت "أدينا" ورفاقها بإخضاع المجموعات الثلاثة لاختبارات ذكاء وذاكرة، تقول أستاذة علم الأوبئة في حديثها مع "ميدان": "لقد وجدنا أن الأشخاص الذين انخفضت دخولهم مرة أو أكثر سجلوا قدرات أسوأ في إكمال المهام المطلوبة منهم مقارنة بهؤلاء الذين لم تنخفض دخولهم".

   

بجانب ذلك أتت نتائج تصوير الدماغ، بعد عشرين عاما من تصوير أوّلي في بداية التجربة، لتقول إن هؤلاء الذين انخفضت دخولهم أصبحت أدمغتهم أقل في الحجم الكلي بفارق واضح، كما أن البيانات الصادرة من الرنين المغناطيسي الوظيفي أظهرت تدهورا في عدد الوصلات بين الخلايا العصبية بها، ما يشير إلى علاقة بين تدهور الدخل وأثر مباشر على حالة أدمغتنا وخلاياها العصبية، لكن ربما في تلك النقطة قد تسأل: كيف حدث ذلك، ما علاقة الدخل بالدماغ؟!

   

الوظائف الإدراكية للإنسان تتضاءل بسبب الجهد المستمر الذي يضطر لبذله من أجل أن يتعامل مع الآثار الفورية لانخفاض الدخل

مواقع التواصل
   

تقول أدينا في حديثها مع محرر "ميدان": "أظهر عملنا البحثي ارتباطا بين صحة الدماغ وانخفاض الدخل، لكنه ارتباط لا يعني السببية"، موضحة أنه على الرغم من عدم فهمنا لطبيعة تلك العلاقة، فإن الدلائل السابقة من نطاق واسع من الدراسات تشير إلى أن عوامل أخرى ترتبط بانخفاض الدخل يمكن أن تتسبَّب في ضرر للدماغ. على سبيل المثال، فإن انخفاض دخلك يعني عدم حصولك على رعاية صحية كافية، خاصة في البلاد التي تواجه مشكلات في مؤسسات الرعاية الصحية، وبالتالي يساعد ذلك على تردي صحة الدماغ بشكل أكبر.

 

وكانت دراسة قد صدرت قبل نحو عامين(2) في دورية منشورات الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS) تشير إلى ذلك السبب كأحد التفسيرات لنتائج شبيهة في الفئات العمرية 33-60 سنة، حيث وجدت الدراسة ارتباطا واضحا بين انخفاض القدرات الإدراكية وانخفاض المستوى الاقتصادي للناس، تأكدت النتائج حتى مع مقارنة أفراد كانت لهم القدرات الإدراكية نفسها والمستوى المعيشي نفسه في الطفولة، ما يعني أن ما حدث له علاقة بانخفاض الدخل الذي حدث لهم قبل عدة سنوات مثلا وهم أكبر سِنًّا.

    

أدينا زكي الحزوري، حصلت على البكالوريوس والماجستير من الجامعة الأميركية في بيروت، ثم حصلت على الدكتوراة من جامعة ميتشجن، تهتم -ضمن نطاقات عدة- بفحص العلاقة بين تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية واستجابة أجسامنا (مواقع التواصل)

  

أما الباحثون من جامعة برينستون فقد وجدوا -في ورقة صدرت بدورية(3) "ساينس" (Science) في 2013- أن الوظائف الإدراكية للإنسان تتضاءل بسبب الجهد المستمر الذي يضطر لبذله من أجل أن يتعامل مع الآثار الفورية لانخفاض الدخل، مثل اضطرارك لخفض المصروفات اليومية وآلية تنظيم ذلك، الوظائف الإدراكية هي ببساطة عملية الإدارة العقلية، أي قدرة الدماغ على التحكم والضبط للعمليات الإدراكية الأساسية، بما في ذلك قدراتنا على التخطيط مثلا، وحل المشكلات وترتيب الأولويات، وتركيز انتباهنا على شيء بعينه أو أداء مهام متعددة، وتحويل انتباهنا بدرجة من المرونة لشيء آخر.

  

أين يسكن ضغط الدم؟

وتوضح "أدينا" في حديثها مع "ميدان" أن هناك دلائل على أن انخفاض الدخل المفاجئ يؤثر في عدة عوامل أخرى مرتبطة بصحة القلب والأوعية الدموية، وربما تكون هي السبب في انخفاض أداء الدماغ. وكانت أدينا ورفاقها من جامعة ميامي قد أشاروا، في دراسة تابعة لجمعية القلب الأميركية نُشرت(4) في يناير/كانون الثاني الفائت، إلى أن انخفاض الدخل المفاجئ، في الفئة الفئة العمرية 23-35 سنة، تُعرِّض الشخص بنسبة أكبر من الضعف للإصابة بالسكتات الدماغية أو الذبحة الصدرية أو الفشل القلبي أو الموت، خلال 15 سنة فقط بعد أول ضربة قاسية للدخل الشخصي.

    

  

أجرى الفريق البحثي تجاربه على نحو أربعة آلاف فرد من أربع مدن أميركية مختلفة، وقاموا بالربط بين نسب الإصابة بأمراض الشريان التاجي خلال الفترة من 1990 إلى 2015، والتذبذب في الدخول السنوية لأفراد هذه العيّنة، يأتي ذلك خلال فترة في تاريخ الولايات المتحدة تتزايد فيها نسب التفاوت بين الأغنياء والفقراء، ما يعني أن نسبة أكبر من السكان تواجه الفقر ولا تتمكَّن بسهولة من التكيُّف مع الصعوبات الاقتصادية، وفي حين أن معظم الناس يعانون من بعض التغيُّر في الدخل من وقت لآخر، فإن تقلُّب الدخل المعاصر كان قد وصل إلى مستوى قياسي منذ أربعة عقود.

  

تتأكد تلك النتائج بعدد من الدراسات الشبيهة التي تربط بين انخفاض الدخل، في سن الشباب، ومخاطر الإصابة بالأمراض القلبية الوعائية. على سبيل المثال، كانت دراسة قد صدرت(5) من جمعية القلب الأميركية 2016، هي الأكبر من نوعها، قد أشارت إلى أنه مع فحص بيانات عينة مقدارها نحو مليون شخص من 90 دولة فإنها تُبيِّن أن ثلث العينة كان مصابا بارتفاع في ضغط الدم، لكن النتائج الأكثر لفتا للانتباه كانت أن 75% من المصابين كان يعيش في دول متوسطة إلى منخفضة الدخل.

   

 تقلُّب الدخل في أثناء الاضطرابات الاقتصادية يُؤثِّر بقوة في الصحة العامة

وكالة الأنباء الألمانية
   

أما الباحثون من جامعة هارفارد، في دراسة(6) صادرة قبل عدة أسابيع فحصت ما يقرب من تسعة آلاف مشارك من أربع مناطق في الولايات المتحدة الأميركية، فقد وجدوا أن انخفاض الدخل بنسبة 50% أو أكثر يرتبط مع ارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية خلال فترة متابعة متوسطة تبلغ 17 عاما من لحظة انخفاض الضغط.

  

تقول "أدينا" في تصريح لـ "ميدان": "الواضح إذن هو أن تقلُّب الدخل في أثناء الاضطرابات الاقتصادية يُؤثِّر بقوة في الصحة العامة"، مضيفة أنه على الرغم من أننا لا نعرف بعد الأسباب المباشرة لتلك العلاقة، فنحن نعرف أن ارتفاع الدخل يخفف من تلك المخاطر في المقابل، وكان هذا واضحا أيضا في نتائج دراسة جامعة هارفارد التي تحدَّثنا عنها قبل قليل.

   

أما بالنسبة للوطن العربي، فإننا للأسف لا نمتلك أية دراسات تربط بين تردّي صحة المواطنين والتقلُّبات الاقتصادية الأخيرة، لكننا بالطبع نعرف أن موجة التغيُّر السياسي والاقتصادي التي نمر بها حاليا، وخلال عقد مضى، هي الأعنف منذ فترة طويلة جدا، وبالتالي فإن آثار ذلك على الصحة العامة لا بد أنها ستكون كبيرة وواضحة، خاصة في الأمر المتعلِّق بصحة القلب والأوعية الدموية، أو الاضطرابات العقلية بأنواعها، وخاصة القلق والاكتئاب.

  

   

أضف إلى ذلك مشكلة أخرى وهي أن نسب التفاوت(7) في الدخل بين أغنياء وفقراء منطقة الشرق الأوسط تُعَدُّ من أكبر القيم في العالم، على سبيل المثال فإن 10% فقط من السكّان يحصلون على نحو 64% من إجمالي الدخل، مقارنة بـ 37% في أوروبا الغربية، و47% في الولايات المتحدة، و55% في البرازيل، و62% في جنوب أفريقيا، بينما يتم وصف الدولتين الأخيرتين على أنهما الأكثر تفاوتا في العالم كله، ما يعني ضغطا أكبر على الطبقات متوسطة الدخل، في الوطن العربي، للانحدار إلى عالم الفقراء.

  

دليلك لحياة سعيدة في بلد مضطرب

لكن، ربما في تلك النقطة قد تتساءل، كمواطن قد نال من ضربات الأزمات الاقتصادية ما يكفي للإطاحة بجيش كامل: ماذا أفعل؟ في هذا العالم الجديد الذي يحيطني بالمزيد من الأزمات المستقبلية المتوقَّعة، كيف يمكن أن أحمي نفسي من تلك الضربات، كيف أحافظ على صحتي وصحة عائلتي من الاضطرابات المزاجية التي تنتشر بكثرة أو المشكلات القلبية الوعائية التي ترتفع مخاطرها مع انخفاض دخولنا إذا كنت لا أمتلك المال للسكن في منطقة هادئة وآمنة كغيري ممَّن أسعفهم الحظ؟

  

  

تجيب "أدينا" عن هذا السؤال، في حديثها مع "ميدان"، قائلة: "نحن نعلم أن عوامل الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، على سبيل المثال، يمكن أن تتحسَّن عبر العمل عليها، وقد يمتد ذلك ليؤثر في صحتنا العقلية"، وتقصد أدينا أنه يجب علينا، في ظل ظروف اقتصادية متوترة، أن نمارس العادات الصحية الجيدة بشكل مستمر وبدرجة التزام أكبر، سيساعد ذلك في دفع تلك المخاطر عنا.

 

لفهم تلك الفكرة يمكن أن نتأمل دراسة أخرى صادرة(8) من جمعية القلب الأميركية قبل عام واحد تقول إن الالتزام بخمس عادات صحية، بشكل مستمر، يقلل مخاطر الوفاة بسبب الأمراض القلبية الوعائية بقيمة 82%، ومخاطر الإصابة بالسرطان بقيمة 65%. هل تتخيل ذلك؟ يحدث ذلك فقط إذا قررت -بحسب الدراسة- أن تمتنع عن التدخين، وتحافظ على وزن جسم مناسب، وتمارس الرياضة باستمرار، وتتبع حمية غذائية صحية، وتحتسي الكحول بنسب معتدلة فقط، إذا كنت ممن يحتسون الكحول (بالطبع لا يواجه معظم سكان الوطن العربي مشكلات بالنسبة لهذه العادة الخامسة والتي يحظرها الدين الإسلامي على المسلمين).

   

  

يعني ذلك أننا، في بلاد تتقلَّب فيها دخولنا بشكل مستمر، يجب أن نبذل جهدا أكبر في سبيل الحفاظ على حياتنا وصحة عقولنا، لكي نتمكَّن من الأساس من بذل جهد أكبر في سبيل التكيُّف مع تلك التغيُّرات، بمعنى أن ممارسة تلك النشاطات اليومية التي تحدَّثنا عنها منذ قليل ليست اختيارا أو رفاهية كما اعتدنا أن نراها، بل هي ضرورة لحياة طبيعية فقط، أو كما قال ألبير كامو ذات مرة: "بعض الناس يضطرون لبذل جهد خرافي فقط ليصبحوا أناسا عاديين".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار