انضم إلينا
اغلاق
كيف نتعامل مع الحياة إذا كانت مجرد "مأساة"؟

كيف نتعامل مع الحياة إذا كانت مجرد "مأساة"؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

   

"لم أترك حجرا إلا وقلبته، ولم أتخلّ عن روح المرح، فقد خلق الله الحمار وأعطاه القدرة على التحمّل".

  

كان ما سبق هو نص رسالة من ألبرت أينشتاين لصديقه مارسيل جروسمان. خلف تلك الرسالة تقع حكاية مثيرة امتدت لسنوات عدة، حيث كانت أعمال أينشتاين البحثية الأولى غير موفقة، وكان عاطلا عن العمل ولا يمتلك ما يكفي من المال لإتمام أوراق الحصول على الجنسية السويسرية، في أثناء ذلك خاطب أينشتاين كل أساتذة الفيزياء في قارة أوروبا تقريبا، في محاولة للحصول على عمل كفيزيائي مساعد في معمل أيٍّ منهم، لكنه لم يتلقَّ أي رد. (1)

  

أينشتاين والريس عبد الواحد

في كتابه "ألبرت أينشتاين.. حياته وعالمه" يذكر والتر إيزاكسزن حكاية خاصة جدا تربط بين أينشتاين و"فيلهلم أوستفالد" أستاذ الكيمياء بجامعة لايبتسيج، حيث كان الأخير قد تجاهل رسالة من أينشتاين يقول فيها إنه يود لو يعمل في فريقه لأنه -بصراحة- بلا نقود، ولن يساعده على مواصلة دراسته إلا وظيفة كتلك، حينما لم يتلقَّ أينشتاين ردا أرسل مرة أخرى لأوستفالد يقول: "أرسلت مرة أخرى لأني لست متأكدا إن كنت قد كتبت عنواني في الرسالة السابقة"، لكنه لم يتلقَّ أي رد أيضا.

  

في تلك النقطة يصبح الأمر دراميا، حيث تدخّل والد ألبرت ليرسل بدوره إلى السيد أوستفالد قائلا له: "أرجو أن تصفح عن أب بلغت به الجرأة أن يستنجد بك أيها الأستاذ المحترم لمصلحة ابنه"، ثم أضاف أن ابنه شاب مجتهد والجميع يُثني على عمله وهو يحتاج إلى تلك الوظيفة بشدة، يذكّرنا ذلك بـ "الريس عبد الواحد" من فيلم "رد قلبي" والذي ذهب إلى الباشا ليطلب يد ابنته لـ "علي"، ابنه الضابط الذي يأمل أن يحصل على ترقية كبيرة مستقبلا، لكن الباشا رفض بقسوة، أما أوستفالد فاستمر في التجاهل.

     

الأمر لا يتطلّب فقط أن تبذل كل ما يمكن من الجهد والوقت والصبر لكي تمتلك مكانك في هذا العالم، لكنه يتطلّب أيضا أن تفعل ذلك بدرجة من الرضا

مواقع التواصل
    

هنا يرسل أينشتاين إلى جروسمان، الصديق الوفي الذي سيساعده بالفعل ويكون سببا غير مباشر في شهرة أينشتاين الواسعة، حيث سيوفر له وظيفة آمنة في مكتب براءات الاختراع السويسري، بعد ذلك سيمتلك أينشتاين الوقت والهدوء الكافي لينطلق إلى المجد، لكن أليس عجيبا أن يهتم صديقنا الباحث الصغير بالحديث عن أهمية روح المرح في ظل كل تلك المشكلات؟

  

في الواقع، فإن الأمر -بحسب أينشتاين هنا- لا يتطلّب فقط أن تبذل كل ما يمكن من الجهد والوقت والصبر لكي تمتلك مكانك في هذا العالم، لكنه يتطلّب أيضا أن تفعل ذلك بدرجة من الرضا وعدم الاهتمام، ذلك الذي يظهر في جملة أينشتاين القائلة "لم أتخلَّ عن روح المرح"، والتي تُمثّل ربما "المكوّن السحري" لرحلته قاطبة.

  

يشير فيكتور فرانكل، النفساني طبيب الأعصاب النمساوي الذي عانى في سجون النازية وسمحت له الأقدار بأن يُفلت من الموت ويخرج ليحكي لنا حكايته، في كتابه "الإنسان يبحث عن معنى"، إلى الفكرة نفسها الخاصة بروح المرح، فيقول إن أحد أهم أسلحة الروح في نضالها من أجل البقاء -في ظروف غاية في القسوة- هو حس المرح والدعابة، والذي يمكن أن يزوّد المرء بقدر محترم من القدرة على الانعزال عن المواقف، والسمو فوقه، ولو لثوانٍ قليلة. (2)

    

"فيكتور فرانكل" النفساني طبيب الأعصاب النمساوي الذي عانى في سجون النازية (مواقع التواصل)

   

حتّى إن فرانكل يقول إنه دأب، مع الرفاق في المعتقل، على ابتكار النكات وأوجه الدعابة من حين لآخر، كانت إحدى تلك الدعابات تعليقا على قسوة مشرفهم الذي يصيح دائما: "اشتغل.. اشتغل" هي أن قال لصديقه: "في يوم من الأيام سوف تعود إلى غرفة العمليات لتجري جراحة في البطن ثم في أثناء العملية الجراحية يدخل المشرف ليصيح بك: اشتغل اشتغل".

  

سيدة الخبز والشاي

لكن ألبرت أينشتاين، في حكايته القصيرة السابقة، يمد الخطوط على استقامتها، فلا يرى في المرح فقط طريقة للتعالي على الواقع الأليم، بل يراه طريقة للقبول بهذا الواقع، حيث أصبح الآن يعرف أنه لا سبيل سهل للوصول للنتائج المرجوة، فالحياة ليست عادلة يا صديق، لذلك دعنا نتعامل على طبيعتنا ونهدأ قليلا إن أمكن، وننتظر. وكأن "المرح" -من تلك الوجهة- قد أصبح، ليس فقط طريقة للتخفيف، بل شرط أساسي، كأنه يقول في نفسه: "لا يهم، فقط دعنا ننطلق للأمام ونرَ".

  

بالطريقة نفسها تقريبا تعاملت ماري كوري مع الكثير من الوجع في حياتها، في الواقع فإنه لو قررنا أن نكتب قصة أو كتابا عن كوري فلا بد أننا سنسميها: "تاريخ موجز للحزن"، هذه الفتاة التي شهدت موت أمها وأختها أمام أعينها، عاشت في بلد مُحتل، وحينما وقعت في حب أحد أبناء العائلات الثرية، وكان قد وعدها بالزواج، تركها بناء على طلب من أهله، أما حينما ذهبت إلى باريس للحصول على درجة الدكتوراه فقد عاشت طوال ثلاث سنوات على شيء واحد فقط، وجبة الخبز مع الشاي.

     

ماري كوري (مواقع التواصل)

   

عانت كوري في الحصول على جائزة نوبل كذلك، فرغم أنها استحقتها بجدارة فإن لجنة نوبل رفضت حصولها على الجائزة لسبب واحد، وهو أنها امرأة، ولم تتمكّن من الحصول على الجائزة إلا بعد أن تدخّل بيير كوري زوجها بإيعاز من صديق في لجنة نوبل، أما في الجائزة الثانية -وماري حاصلة على جائزتي نوبل- فقد أرسلت اللجنة إليها تطلب منها ألا تحضر لأن ذلك قد يتسبب بالتوتر، على أثر أخبار نشرتها جرائد متطرفة عن ماري كوري كامرأة "تخطف الرجال من زوجاتهم"! تُرى، كيف تقبّلت ماري الأمر؟ كيف حصلت على القوة لمواجهة كل ذلك الوجع؟

  

ماري، مثل ألبرت أينشتاين، طوّرت تقبّلا للأمر الواقع في مرحلة مبكرة جدا من حياتها، دفعها ذلك لتقول ذات مرة: "الحياة ليست سهلة على أي واحد منا. ولكن ماذا سنفعل؟"، بعد ذلك طوّرت كوري فلسفة شخصية بسيطة تقضي بـ "عدم الاهتمام"، ونقصد هنا درجة من درجات اللا مبالاة، لكنها لم تشمل كل شيء، بل شملت فقط كل ما يمكن أن تراه كوري على أنه لا يستحق الاهتمام حقا، لذلك فإن مارك زوكربيرغ وبيل جيتس ليسوا أول من ابتكر الزي الموحد المتكرر، بل كانت كوري. (3)

   

لم تهتم كوري، خلال حياتها، إلا بشيء واحد فقط، وهو المزيد من العمل على ما تحب، الشيء الوحيد -في رأيها- الذي يمكن أن يعطينا قدرا من السعادة الذاتية

 
مواقع التواصل
  

هل رأيته من قبل؟ لا بد أنك قد فعلت، ذلك الفستان الأسود الذي تراه في كل صورها، كوري ببساطة قررت أن تشغل بالها بما يهم حقا، ومما لا يهم -بالنسبة لها- أن تشغل بالها بطبيعة فستانها القادم، الكثير من الوقت يمكن أن يضيع في موضوع كهذا، لذلك تقول كوري: "ليس لدي أي ثوب باستثناء واحد أرتديه كل يوم. إذا كنت تريد أن تكون كريما بما يكفي لتعطيني واحدا، فيُرجى أن يكون عمليا وداكنا حتى أتمكّن من ارتدائه من أجل الذهاب إلى المختبر".

   

لذلك لم تهتم كوري، خلال حياتها، إلا بشيء واحد فقط، وهو المزيد من العمل على ما تحب، الشيء الوحيد -في رأيها- الذي يمكن أن يعطينا قدرا من السعادة الذاتية، قدرا من الرضا، لذلك تقول في خطاب لأخيها: "الواحد يجب ألا يلاحظ ما تم القيام به، بل ما يجب القيام به بعد ذلك"، بجانب ذلك طوّرت كوري ما يمكن أن نسميه "أحد أسرار السعادة"، وهو أنها لم تهتم بالآخرين، لا بنفاقهم ولا بثنائهم ولا بمتطلباتهم، ولم تعطِ أي توقعات تجاه ردود فعلهم على أي شيء، لذلك قالت في أحد أشهر اقتباساتها: "كن أكثر اهتماما بالأفكار، أقل اهتماما بالناس".

   

الرجل الذي نزّه روحه

يدفعنا ما سبق لتأمل فلسفة ماكس بلانك في الحياة، لقد عانى الرجل من ظرف مشابه، اجتاز كابوس النازية والحربين العالميتين في حياته، وفقد ابنه الأول في الحرب العالمية الأولى، أما الثاني فقد أُعدم من قِبل النظام النازي، وماتت زوجته الأولى، وابنتاه من الثانية فور ولادتهما، أما عن ابنه هيرمان من زوجته الثانية ميرجا، فقد صاحبته مشكلات عقلية. أنّى له أن يتكيّف مع كل ذلك الوجع؟ كيف تحمّل كل تلك المشكلات المتتالية؟

    

ماكس بلانك (مواقع التواصل)

  

في نهاية الفصل الأول من كتابه الرائع "سيرة ذاتية علمية، وأوراق أخرى" يقول ماكس بلانك: "لم يولد أي رجل بحق قانوني يعطيه السعادة والنجاح والازدهار في الحياة، بالتالي يجب علينا تقبّل كل قرار من العناية الإلهية، كل ساعة سعادة باعتبارها هدية غير مكتسبة تفرض علينا التزاما"، ليضيف بعد قليل: "أما الشيء الوحيد الذي قد ندّعي أنه ملكنا بضمانة مطلقة، أعظم خير، والذي لا يمكن لأية قوة في العالم أن تأخذه منّا، الشيء الذي يمكن أن يعطينا السعادة الدائمة أكثر من أي شيء آخر، هو نزاهة الروح، والتي تتجلى في أداء واجبنا بضمير". (4)

  

هل ترى ذلك؟ لقد وعى السيد بلانك، وكذلك من تحدثنا عنهم في هذا المقال، من اللحظة الأولى أنه طالما أن الحياة مأساة، فدعنا على الأقل نحسن أوضاع المأساة، طالما أننا لم نحصل على ما نريد، وردّت لنا الحياة الصاع صاعين، دعنا ننشغل فقط بتحقيق الفائدة، ونحاول أن نشعر ببعض الرضا عن ذواتنا، والشعور بالرضا -من وجهة النظر تلك- يأتي بأن نؤدي واجبنا في الحياة بضمير، لأن ذلك قادر على إشعارنا ببعض السعادة، حينما نذهب إلى المنزل بعد أسبوع عمل طويل ونحن نشعر أننا "أدينا واجبنا".

  

السعادة لحظات قد تكون نادرة، لكن قوتها تنبع في أن نقوم بتثمينها، أن نقدرها ونحتفل بها ونهتم لوجودها مهما كانت صغيرة

مواقع التواصل
 

في الجزء الأول من كتابه "معنى الحياة" يشير ألفريد أدلر، النفساني النمساوي الشهير، إلى أن معنى حياتنا يتحقق بالرضا عن ذواتنا، عن طريق تأديتنا لواجبنا في ثلاثة نطاقات، العمل والحب ومساعدة العالم، فإذا مارسنا عملنا بشكل منتظم وإيجابي، وكانت علاقاتنا مع الجنس الآخر صحية وهادئة، وعملنا على استثمار بعض الوقت والجهد والنقود في عمل الخير، فإن ذلك يجعل لحياتنا معنى نقدّره، ننام في آخر اليوم الطويل ونحن -رغم كل شيء قاس. قد حدث في هذا اليوم- راضون عن حياتنا. (5)

  

في تلك النقطة، يمكن أن نتأمل فكرة مختلفة عن السعادة، فهي ليست تلك الحالة الغامرة من الفرحة والرضا التي نراها في الأفلام وبعض الروايات، بل هي لحظات قد تكون نادرة، لكن قوتها تنبع في أن نقوم بتثمينها، أن نقدرها ونحتفل بها ونهتم لوجودها مهما كانت صغيرة، أن نبحث عنها في أشياء قد تبدو بسيطة، يشعرنا ذلك ببعض الرضا عن ذواتنا، والرضا هو أقوى دروع البشر، فكلما ضربتنا الحياة، وكلما فقدنا جزءا من أحلامنا بمستقبل باهر، سنتذكر تلك اللحظات قائلين لأنفسنا: "لقد مرت بنا أوقات أفضل يا صديق، لا تقلق".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار