انضم إلينا
اغلاق
لأول مرة في التاريخ.. هل صنعت غوغل أول حاسوب كمّي فائق؟

لأول مرة في التاريخ.. هل صنعت غوغل أول حاسوب كمّي فائق؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

من حين لآخر، وبينما يتشبّث الجميع في الوسط العلمي والتقني بدرجة مُرتابة من الهدوء، يحدث أن يخرج أحدهم بابتكار جديد يقلب الأمور رأسا على عقب، يُغيِّر من القواعد التي يتبعها اللاعبون في تلك الأوساط، ويفتح الباب لأفق لم يكن أحد ليراه من قبل، وهو ما يسميه فيلسوف العلم الأميركي الأشهر توماس كون بـ "الثورة العلمية"، ويبدو أننا نقف قبالة واحدة من تلك الانتفاضات الممتعة والمهمة في آنٍ واحد، بحسب إعلان أخير من شركة غوغل.

  

لا شك أن الخبر التقني الأكثر إثارة في الأيام الفائتة كان إعلان(1) شركة غوغل عن تحقيق ما يُسمى بـ "التفوق الكمي"، حيث تمكّن أحد حواسيبها الكمومية المبتكرة حديثا من معالجة مشكلة حاسوبية تأخذ في أكثر الحواسيب العادية تقدُّما عشرة آلاف سنة، بينما احتاج الأمر فقط إلى مئتي ثانية كي يتمّها حاسوب غوغل، والذي يُدعى "سيكامور" (Sycamore)، بحسب ورقة بحثية جديدة نُشرت قبل عدة أيام بالدورية المرموقة "نيتشر".

 

التفوق الكمّي

التفوق الكمّي(2) (quantum supremacy) يعني ببساطة قدرة الحاسوب الكمومي على أداء مهام يكون من المستحيل أن تُنفّذها أكثر الحواسيب المعاصرة قدرة، في الواقع فإن تلك المشكلة التي تمكّن سيكامور من معالجتها يمكن أن تقوم الحواسيب الكلاسيكية بمعالجتها أيضا، وربما في المستقبل ستتقلّص تلك الفترة -10 آلاف سنة- لمُدَد أصغر، لكن الفارق دائما سيكون كبيرا بينها وبين سيكامور، بالتالي فإن صديقنا الصغير قد أصبح -بحسب بيان شركة غوغل- أول حاسوب كمّي فائق في التاريخ!

   

  

الأمر مثير للدهشة، هذا الفارق الشاسع بين المدتين يدفعك لا شك للتساؤل عن سر اللعبة، كيف تمكّن حاسوب غوغل من تلك القفزة الهائلة؟ في تلك النقطة دعنا نرجع إلى آلتك الحاسبة، تلك التي استخدمتها في المدرسة للقيام ببعض العمليات الحسابية، فتطبع بها 158 ثم تطبع علامة ضرب "x" ثم تطبع 169 ليظهر الناتج فورا. دعني أجرب الآن، نعم، إنه 26720، سرعة كبيرة، أليس كذلك؟ ستحتاج إلى أكثر من دقيقة أو اثنتين لحلّها مع ورقة وقلم إذا كنت بارعا في الحساب، لكن كيف تقوم الآلة الحاسبة بإجراء تلك العملية بتلك السهولة؟!

  

في حياتك العادية يمكن أن تستخدم عشرة أرقام للتعبير عن أي رقم آخر، إنها الأرقام من صفر إلى 9، فإذا وضعت الواحد إلى جوار واحد آخر تحصل على 11، وإذا قررت أن تكتب مليونا وستمئة ألف فستضع واحدا وإلى يمينه ستة ثم خمسة أصفار. بالنسبة للحاسوب، لا وجود لتلك الرفاهية، كل ما يمتلكه صديقنا الإلكتروني رقمان، الواحد والصفر، لكن على الرغم من ذلك يمكن لك أن تستخدمهما لكتابة كل الأرقام الأخرى، عن طريق تشفير بسيط، إنه ما نعرفه باسم "نظام العد الثنائي"3. على سبيل المثال، يمكن أن نُشير إلى الصفر بـ 0000، وللواحد بـ 0001، وللاثنين بـ 0010، إلخ، وهكذا بالنسبة لكل الأرقام.

   

  

إذا قمنا بتشفير الأرقام الأساسية إلى ذلك النظام الذي يحوي 1 أو 0 يمكن لنا إذن أن نقوم بتشفير كل شيء آخر، بداية من الصور ووصولا إلى الصوت، فالصور تتكوّن من "بيكسلات" صغيرة جدا لكلٍّ منها درجة لون يمكن أن تُعطى رقما ما، ولكل جزء صغير من الصوت شدة يمكن أن نُعطيه رقما أيضا. في هذا الكون، يمكن أن نستعيض عن أي شيء برقم. ما تحتاج إليه الآن هو تعريف الحاسوب بتلك الشفرات وسيعرف الأرقام، لكن كيف يعرف الحاسوب ذلك؟

  

سيل من الإشارات

الفكرة بسيطة، وتعتمد على الإشارات الكهربية، إذا كان لديك سلك نحاسي ما فإنه يمكن لنا اعتبار مرور إشارة كهربية به كمعلومة تعني "1" وعدم مرور التيار هو معلومة تعني "صفر"، تلك هي فكرة الترانزستورات في معالجات الحاسوب، فهي إما تمرر التيار أو لا تمرره، وبذلك تعطي الجهاز معلومة بـ 1 أو 0. هكذا تعمل كل الوحدة الحاسوبية، وتسمى "البت"(4)، وبذلك نكون قد تمكّنّا من إعطاء الآلة الحاسبة بيانات الأرقام التي تحدّثنا عنها قبل قليل إذا امتلكنا أربعة بتات، كل منها يشير إلى 1 أو 0.

  

بعد ذلك تدخل تلك الإشارات الكهربية إلى ما نسميه "البوابات المنطقية(5)"، وهي ببساطة مجموعة من المحوّلات التي تؤدي وظائف بعينها، بعض البوابات مثلا تعكس الإشارة، يدخل التيار (1) إلى البوابة ليخرج (صفر)، أو العكس، البعض الآخر قد يُدخل إشارتين ويقوم -مثلا- بعكس واحدة منهما إذا كانت الأخرى رقما بعينه، أو يقوم بإنتاج إشارة (0) إذا كانت أيٌّ من الإشارتين القادمتين (0)، تلك البوابات هي ببساطة العمليات المنطقية الأساسية نفسها التي تكوّن أسس الرياضيات، والتي يمكن أن تمتد حتى نتمكّن من تنفيذ عملية الجمع.

     

      

إذا تمكّنت من تنفيذ عملية جمع فيمكن لك تنفيذ الضرب، ببساطة لأن "5*6" تعني أن نجمع الخمسة ست مرات، وإذا تمكّنت من إنجاز العمليات الحسابية الأساسية ستتمكّن من أي شيء آخر، وبالفعل يمكن -نظريا- للحاسوب أن يقوم بأية عملية حسابية لكن المشكلة تكون في الوقت والقدرة، لفهم الفكرة دعنا نفترض أن لدينا مشكلة حسابية نود من الحاسوب أن يحلها، وتقول إن هناك أربعة أشخاص نود توزيعهم على سيارتين، لكن بشرطين، الأول هو أن نضع الأشخاص الذين يحبون بعضهم بعضا معا في السيارة نفسها، والثاني أن نضع الذين يكرهون بعضهم في سيارات منفصلة، والفكرة أن "عليًّا" يحب "سلمى"، و"نبيلة" تحب "حساما"، لكن لا توجد علاقة بين هذا الثنائي والثنائي الآخر.

  

للوهلة الأولى ستظن أن تلك عملية بسيطة، ضع عليًّا وسلمى في سيارة، وضع نبيلة مع حسام في سيارة أخرى، وهي كذلك بالفعل بالنسبة للحاسوب، فهو يقوم أولا بتجريب كل الاحتمالات، وستكون 16 احتمالا هنا، ثم عبر اللعب بالإشارات عبر البوابات المنطقية يصل للحل، إنها عملية سهلة يمكن لحاسوب بسيط أن يجيبها في أقل بكثير من ثانية، ببساطة لأن سرعة جريان التيار الكهربائي الممثل للإشارات -في المُعالج- تقترب من سرعة الضوء، لكن ماذا لو كان هناك 100 شخص وليس ثلاثة؟ ماذا لو كان هناك تريليون شخص؟ في كل مرة نضاعف بها الاحتمالات نحن لا نمتلك سوى سيارتين فقط، وبالتالي سيضطر الحاسوب أن يفحص كل احتمال على حدة.

    

         

تراكب كمومي

حسنا، الآن نقف في مواجهة مباشرة مع سيكامور، لكن يجب أولا أن نتعرف إلى عالم الكوانتم، حيث إن إحدى أشهر خصائص الجسيمات دون الذرية هي أنها يمكن أن توجد في حالتين معا في الوقت نفسه، إنه ما نسميه بالتركب الكمي(6) (Quantum Superposition)، لفهم الأمر تخيّل أننا قمنا، بضربة إصبع، بلف عُملة تُمثِّل جنيها مصريا معدنيا واحدا على طاولة خشبية، في أثناء دوران العُملة نحن لا نعرف على أي وجه سوف ترسو، ملك أو كتابة، هنا يمكن القول إن العملة في تلك الحالة تحتوي على "كل الاحتمالات الممكنة معا".

  

حالة التراكب الكمّي تشبه ذلك، حيث يمكن للإلكترون -على سبيل المثال- أن يوجد في حالتين مختلفتين من اللّف (أعلى وأسفل) في اللحظة نفسها، اللف(7) (Spin) هو خاصية للجسيمات دون الذرية، يشبه الأمر أن تدور الأرض حول نفسها لكنه ليس كذلك تحديدا؛ بل هو فقط أقرب مثال نعرفه مع فارق مهم، تدور الأرض لأنها دُفعت للدوران في بداية حياتها بالمجموعة الشمسية، أما لف الجسيم فهو خاصية جوهرية مُحددة له.

   

يمكن لنا أن نتعرف على هاتين الحالتين من اللف بدرجة من السهولة، كذلك يمكن صنع ترانزستورات تفرق في قدر الطاقة ما بين الحالتين، ما يعني أنه يمكن لنا استخدامها لتمثيل لغة الحاسوب (الصفر والواحد)، لكن حالة التركب الكمومي تسمح بأن يوجد الجسيم في الحالتين معا، ما يعني أن كل بت (يسمى "كيوبت(8) " في حالة الكوانتم) يمكن أن يحمل احتمالين في اللحظة نفسها، وإذا كان لدينا 4 بت فإن الاحتمالات تتضاعف لـ 16 عملية في اللحظة نفسها، فإذا كان على الحاسوب -في حالة لعبة السيارات السابقة- أن يفحص 16 احتمالا بشكل متتالٍ، فإنه في هذه الحالة يمكن أن يفحص كل ذلك في اللحظة نفسها، لأن كل بت منها يحوي كل الاحتمالات الممكنة معا.

    

  

هذا هو ما تفعله أجهزة مثل سيكامور ومن هنا تنبع قوته، فهو لا يقوم بالحسابات بشكل متسلسل بل بشكل متوازٍ، بمعنى أنه يمكن لك أن تقول إنه في مرحلة ما لو قررنا جمع أقوى أجهزة العالم يمكن أن نصل إلى تلك القدرة، لكنك لا تفهم بعد سر قوة الحواسيب الكمومية، حيث تتصاعد القدرة بشكل أُسّي هائل في حالة الكيوبت، لدرجة أنه يمكن لـ 300 كيوبت فقط أن يعملوا على معالجة ما هو أكثر من عدد جسيمات الكون كله! سر قوة الحواسيب الكمومية إذن ليس في سرعة الإشارات، فهي جميعا تسري بالسرعة نفسها بين الترانزستورات، ولكن في طريقة تتابعها، الحاسوب العادي يمضي بها واحدا تلو الآخر، الحاسوب الكمي يمضي بها معا، وحينما نصعد بالاحتمالات للأعلى فإن كل "كيوبت" جديد لا يضيف فقط للعملية، بل يضاعفها بالكامل.

  

هل سنحاكي كل تلك الأشياء؟

في تلك النقطة قد تقول: "ولِمَ لا يفعلون ذلك إذن طالما أن الأمر بتلك البساطة؟"، والإجابة هي أنه ليس كذلك للأسف، فطبيعة العالم الكمومي احتمالية بطبعها، بمعنى أن المعادلة التي تقول إن السرعة تساوي المسافة على الزمن لا تنطبق بسهولة هناك بالأسفل، لا يخرج منها رقم ثابت وإنما يخرج احتمال، على سبيل المثال -دعنا نرجع إلى مثال العُملات السابق- فإنه حينما تضع يديك على العُملة الدوارة فإنه من المحتمل أن تجد "ملكا" بنسبة 50%، وأن تجد "كتابة" بنسبة 50% أيضا، ما يُخرجه الحاسوب الكمّي إليك هو احتمال واحد، لأنه لا يمكن لنا رصد الإلكترون في حالة التراكب الكمي، حيث ينهار الوضع الكمومي فورا إلى وضع عادي (كلاسيكي).

  

تلك مشكلة كبيرة، لأنك حينما تقوم بعملية حسابية ما تود أن تحصل على أدق الإجابات، ماذا لو كان ضمن احتمالات تلك العملية إجابة ثانية أو ثالثة أو رابعة لكنها ليست الأفضل؟ في تلك النقطة يوجد الصراع الكمّي الرئيسي بين الشركات، حيث يجب أولا العبث بالآلية التي تخرج بها الاحتمالات مما نسميه بالدالة الموجية، بحيث نضمن أنها ستتوجه لطريق الإجابات الصحيحة، وإحدى المشكلات التي تواجه الحواسيب الكمية البدائية التي يبنيها الباحثون الآن هي خروج نتائج ضعيفة بسبب لعبة الاحتمالات تلك. حسنا، سيكامور إذن ليس مجرد حاسوب عادي بـ53 كيوبت، لكنه تحفة فنية هائلة القدرة لدرجة أنه يمكن لها معالجة حجم معلومات يُقدَّر بـ (2 أُس 53).

    

   

فور ظهور الورقة العلمية الخاصة بشركة غوغل أعلنت(9) "IBM" أنه يجب علينا النظر لتلك النتائج بدرجة من التشكّك، موضحة أن حاسوبها "سوميت"، الذي يملأ مساحة بحجم ملعبَيْ كرة سلة، في مختبر أوك ريدج الوطني في تينيسي، يمكن أن يقوم بالعملية الحسابية نفسها خلال 2.5 يوم وليس 10 آلاف سنة، لكن ألا تلاحظ تلك القفزة؟ فبفرض صحة ادعاء شركة "IBM" فإنه ما زال هناك فارق هائل بين 200 ثانية ويومين ونصف!

   

أعلنت شركة غوغل في تدوينة لها أنها ستعمل في المرحلة القادمة على خُطّتين منفصلتين، الأولى تتضمن دعوة الباحثين في نطاقات عدة لبدء استخدام سيكامور بطريقة فعالة، حيث إن ما فعله إلى الآن غير مفيد بالمعنى المفهوم خارج نطاق عالم الكوانتم ويحتاج الأمر إلى المزيد من التطوير في الخوارزميات لإعطاء إنتاج حقيقي ذي احتمالات مضبوطة، كذلك ستعمل غوغل على الاستثمار في تكنولوجيا الحواسيب الكمومية بحيث يمكن مستقبلا أن تتكيّف بشكل أفضل مع الأعطال الممكنة.

  

في تلك النقطة يجب أن تكبح جماح الحماس قليلا، حيث ما زالت هناك الكثير من المشكلات الخاصة بضبط الاحتمالات الكمومية، بجانب مشكلات أخرى متعلقة بتطوير خوارزميات ووصلات منطقية يمكن لها التعامل مع تلك الحالة الجديدة، كل ما فعلناه في هذا التقرير هو تبسيط قشور القشور من الأمر لكي تتمكّن -صديقنا القارئ- من هضم بعض من الفكرة العامة للأمر.

      

ما أشبه الليلة بالبارحة، في الأيام الأولى للحواسيب العادية حيث كان مطلوبا -لإجراء عملية حسابية بسيطة- أن نصنع جهازا بحجم غرفة كاملة وننتظر عدة ساعات لخروج نتيجة قد لا تكون صحيحة، في وقتها كان ذلك غير مفيد، لكنها كانت بداية سمحت بالتطور لما نحن فيه الآن. لو قررت أن تتأمل صورة لأحد الباحثين بينما يعدل وصلات حاسوب أولي قبل أكثر من نصف قرن، وفي المقابل من ذلك قررت أن تتأمل صورة لأحد الباحثين الآن، ستُدهش من درجة التشابه، لأن كل شيء -في الحقيقة- يبدأ هكذا، كبيرا ومعقدا ومحاطا بأغلبية تقول إنه لن يصلح وأنك تضيّع وقتك، ثم ها أنت ذا. ينطبق هذا النموذج على كل شيء تقريبا بداية من الحواسيب ووصولا إلى حياتك.

  

هل اقتربنا من قدرة حاسوبية ستُمكّننا -أخيرا- من عمل محاكاة دقيقة لدماغ الإنسان، للبروتينات في أجسامنا، للمجرات البعيدة للغاية أو بدايات الكون، لذكاء اصطناعي قادر على محاكاة المشاعر والسلوك البشري على تعقّده؟ كلما ارتفعت قدرة الحواسيب على المعالجة ارتفعت قدراتنا على سبر أغوار المجهول، ما يعني أن ما فعلته غوغل في ورقتها البحثية الأخيرة ليس مجرد عملية حاسوبية بدائية غير مفيدة بالمعنى المفهوم، لكنها ثورة قادرة على تغيير كل شيء آخر في حياتنا، فقط علينا أن نهدأ، نصبر قليلا، ولا نتوقف عن العمل.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار