انضم إلينا
اغلاق
"على حافة الكارثة".. لماذا أعلن الاتحاد الأوروبي حالة الطوارئ المناخية؟!

"على حافة الكارثة".. لماذا أعلن الاتحاد الأوروبي حالة الطوارئ المناخية؟!

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

قبل أكثر من ثلاثين عاما من الآن، كان الحديث عن التغير المناخي كلاما يختص به العلماء فقط. في الواقع، لم يكن هؤلاء في معاملهم، أو على مكاتبهم الأنيقة، ذوي قدرة على إيصال ما يعرفونه من حقائق إلى العالم، فلغتهم احتمالية بطبعها، ولا يمكن بسهولة أن تؤثر في مشاعر الجمهور، استغل الكثير من السياسيين تلك الفرصة لإسكات العلماء والمبادرات المناخية عاما بعد آخر، لكنّ شيئا ما -أقوى من الكلام- حدث وبدأ في تغيير الصورة، إنه التغير المناخي نفسه وقد حضر.

  

الوجه القبيح للمناخ

قبل عدة أسابيع، أعلنت(1) الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي أن العام الحالي 2019 قد يكون ثاني أكثر السنوات في تاريخ قياسنا لدرجات الحرارة، أي قبل مئة وخمسين عاما من الآن، لا بد أنك لاحظت ذلك في الصيف الفائت، فقد كان الأكثر حرارة بحسب علمنا، وامتدت حرارته لتصل إلى الخريف، فبتنا نمر بليالٍ حارة في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني تُذكِّرنا بالصيف، لكن الأكثر لفتا للانتباه هو حينما نتحدث عن أكثر عشر سنوات(2) حارة في تاريخ القياس، لأنها جميعا تقع خلال العقدين الماضيين!

  

  

في حديثه مع "ميدان"، يقول الدكتور "ويليام ريبل" أستاذ علم الغابات بجامعة أوريجون الأميركية: "تغيّر المناخ أشد وأسرع مما كان متوقعا من قِبل العلماء، إنه يهدد النظم الإيكولوجية الطبيعية ومصير الإنسانية"، موضحا أن تلك النوعية من الضربات المناخية ستستمر طالما أننا لم نتخذ بعد سياسات صارمة تجاه الأمر، على الرغم من الاستجابات الكثيرة التي نراها خلال العقد الحالي.

  

إحدى تلك الاستجابات إعلان البرلمان الأوروبي، المكان الذي يُمثِّل رأي 500 مليون إنسان في قارة أوروبا، حالة الطوارئ المناخية(3) بـ 429 صوتا مقابل 225، الخميس الماضي. داعيا إلى اتخاذ إجراءات صارمة للحد من نفث الغازات الدفيئة تماما بحلول منتصف القرن الحالي، لكن الأكثر لفتا للانتباه كان الإصرار على نقطة واحدة مهمة، وهي أنه إذا كان الجميع يريد التغيير، فإن أحدا لا يتصرّف على هذا النحو.

  

وبينما تتصاعد التظاهرات الشبابية في الكثير من دول العالم حول قضايا التغير المناخي، لم يكن الاتحاد الأوروبي هو أول من أعلن حالة الطوارئ المناخية، والتي تعني ببساطة أن تلك الدولة أو ذلك الكيان يعتبر أن التغير المناخي حقيقة وأن الإجراءات المتخذة للتعامل معه غير متناسبة مع حجم الحدث، كانت الجمعية الطبية الأسترالية(4) (Australian Medical Association) هي أول من تقدَّم بهذا الإعلان في بيان جاء فيه: "إن ارتفاع معدل الوفيات والأمراض الناتجة من الإجهاد الحراري، والإصابة والوفيات الناجمة عن الأحداث المناخية الشديدة بشكل متزايد، والزيادات في انتقال الأمراض المنقولة، وانعدام الأمن الغذائي الناجم عن انخفاض المخرجات الزراعية، وارتفاع معدل الإصابة بالأمراض العقلية، لهي أسباب أكثر من مناسبة لإعلان حالة الطوارئ المناخية".

   

  

في الواقع، فإن الأزمة الأساسية التي تواجه الجمهور في فهم التغير المناخي هي تلك التصريحات الإخبارية المعتادة التي تتحدث عن ارتفاع في متوسطات درجات الحرارة عالميا بمقدار درجة واحدة، هنا يسأل المواطن نفسه قائلا: "درجة واحدة فقط، هل أنت مجنون؟! يعني ذلك أن تكون 36 في الصيف فتصبح 37 مثلا!"، لكن الأمر في الحقيقة ليس كذلك أبدا، وبيان الجمعية الطبية الأسترالية السابق هو خير مثال.

  

وصولا إلى منزل البابا

يقول ريبل في حديثه مع "ميدان": "ترتفع متوسطات درجة الحرارة على مستوى العالم، وتزداد معدلات وشدة الموجات الحارة القاسية، نشعر أننا نقترب من نقطة تحول كارثية لا رجعة فيها، خاصة مع ذوبان الجليد السريع"، موضحا أنه حينما ترتفع متوسطات درجات الحرارة فإن ذلك يسمح للمنظومة المناخية بالمزيد من التوتر وعدم الاستقرار، فترتفع معدلات الحالات المناخية الشاذة مثل الموجات الحارة، فيصبح من الطبيعي أن تضرب بلادنا بشكل متتالٍ بحيث يظن الناس أن شيئا غريبا يحدث، في أثناء ذلك تجد بعض الكائنات الحية الضارة للإنسان فرصة للازدهار والحصول على المزيد من الحيوية، فتزيد معدلات الإصابة بالأمراض المنقولة منها أو الحادثة بسببها.

  

للسبب نفسه، ترتفع حالات الإصابة بالإجهاد الحراري(5)، فتصبح حياة المصابين بالضغط والسكّري تحديدا مهددة بشكل أكبر، كذلك يواجه بعض العاملين في مهنٍ بعينها أكثر تعرضا للخطر، في الواقع يمكن أن نرى أثر الإجهاد الحراري في تلك الموجة الحارة التي اجتاحت روسيا(6) خلال العام 2010 وقتلت أكثر من 55 ألف فرد، كان الضحايا الأساسيون لها هم مرضى الأمراض القلبية الوعائية والكلى والسكري، سنفرد قريبا تقريرا خاصا لتداعيات التغير المناخي على صحة الإنسان وكيف أنك -في بيتك آمن سالم- لست أبعد من شعرة عن آثاره.

   

  

تبع الجمعية الطبية الأسترالية، وخلال الأعوام القليلة الماضية، إعلانات كثيرة شبيهة، وكانت اسكتلند -ثم بريطانيا- في الصيف الفائت أولى الدول التي أعلنت حالة الطوارئ المناخية، تبع ذلك العديد من المؤسسات، وكان البابا فرنسيس(7) نفسه -بابا الفاتيكان- قد أعلن حالة الطوارئ المناخية قبل عدة أشهر، قائلا إن "ما يحدث هو عمل وحشي ظالم للأجيال الفقيرة والمستقبلية"، مضيفا أنه "لا ينبغي أن يتحمل أطفالنا وأحفادنا تكلفة عدم مسؤولية جيلنا".

  

وبسبب ذلك التزاحم الواضح في إعلانات حالة الطوارئ المناخية فإن منصة قاموس أوكسفورد واسع الشهرة قد اختارت(8) "حالة الطوارئ المناخية" (climate emergency) كلمة العام في 2019، في إشارة إلى التغير اللغوي الحادث في العام الحالي بتصعيد الحديث عن التغير المناخي عالميا، بمعنى أن الكلمات -من وجهة النظر تلك- وتغيّرها وشكل الخطاب الذي يستخدمها يعكس اهتمامات العالم وما يؤثر فيه من قضايا، ولا شك أن العام الحالي كان عاما للتساؤل عن تغير المناخ.

   

   

مئة شركة عابثة

في حديثه مع "ميدان" يقول أستاذ علم الغابات: "لكن ذلك ليس كافيا، على الرغم من 40 عاما من المفاوضات العالمية حول الأمر، فقد فشلنا إلى الآن في معالجة هذه الأزمة بشكل تام، حتى مع التحذيرات المتكررة من العلماء، قادة العالم يفتقرون إلى الإرادة السياسية للمُضي قُدما في إجراءات جذرية". لكن في الواقع، فإن الأسباب التي تدعو لهذا الجدل ليست مجرد جدل أو مصالح سياسية، بل هي أمور متعلقة، بشكل أساسي، بالنقود، ربما لا تعرف(9) أن 100 شركة فقط في هذا العالم مسؤولة عن نفث أكثر من 70% من الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

  

وبحسب عدد من الدراسات(10،11) في هذا النطاق، فإن تلك الشركات دفعت نحو ملياري دولار من أجل الضغط السياسي على الحركات البيئية والمناخية كي تتجنّب دفع ضرائب المناخ خلال العقود القليلة الماضية وإلى الآن، لذلك كان جيمس هانسن (James Hansen) الفيزيائي السابق من وكالة ناسا وصاحب اللقب الشهير "أبو التوعية بالتغير المناخي" قد صرح(12) قبل فترة قصيرة بأنه لا حل مباشر إلا بمقاضاة تلك الشركات.

    

     

لكن السؤال المُلِح الآن هو: هل وصلت الأرض إلى نقطة اللا عودة؟ لفهم مدى حساسية تلك المشكلة دعنا نبدأ نقطة تحول كارثية سوف نضطر معها أن نغيّر من كتب التاريخ الخاصة بنا، حيث سوف نسجّل في تلك الكتب أن سبتمبر/أيلول 2016 هو الشهر الذي تخطّت(13) فيه نسب غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2) في الغلاف الجوي حاجز الـ 400 جزء من المليون (ppm) لأول مرّة في تاريخنا كبشر، فخلال أربعمئة ألف سنة مضت تراقص الرقم بين 160-300 جزء من المليون فقط، قبل عدة عقود كان العلماء ينتظرون تلك النقطة، سماها البعض "نقطة اللا عودة"، ليس لأن شيئا سيحدث عندها، ولكن لأننا بتنا نعلم أننا نحتاج إلى أن ننتظر أربعينعاما كاملة لأجل أن تعود الأرض كما كانت.

   

  

لكن ريبل ورفاقه، ونتحدث هنا عن أكثر من 11 ألف عالم من 153 دولة، في ورقة بحثية(14) صدرت مؤخرا، يرون أنه من الممكن أن ننقذ ما تبقى، وكان هذا الفريق الضخم من العلماء قد قرر أيضا أن يعلن حالة الطوارئ المناخية في رسالة عالمية جاء فيها بحسب تصريح ريبل لـ "ميدان" الذي قال فيه: "علماء العالم يحملون واجبا أخلاقيا لتحذير الناس من المخاطر القادمة، نحن نشعر أن الوقت المسموح لاتخاذ القرار قد بدأ في النفاد".

  

علماء العالم

يرى العلماء في بيانهم(15) أن هناك ستة معايير يجب أن يعمل سياسيو العالم على تحقيقها، تتضمن وقف استخدام الوقود الأحفوري، وكذلك الملوثات البيئية الضارة مثل الميثان والكلوروفلوروكاربونات، والحفاظ على المنظومة البيئية من التلف خاصة أنها تواجه مشكلات بسبب التغير المناخي بالفعل، والتقليل من اللحوم في الحميات الغذائية ودعوة الناس لإكثار الخضراوات والحبوب، لأن ذلك يمنع استغلال المساحات الخضراء وكذلك نفث الميثان الناتج من تربية الأبقار، كذلك ألمح الفريق إلى ضرورة ضبط عدد السكان على الكوكب، وتعديل الاقتصاد بحيث يكون خادما، أو بمعنى أوضح "متربحا" من المنظومات التي تحمي البيئة والمناخ.

   

  

قد ترى أنها أحلام يوتوبية بشكل ما، لكن حياتنا على هذا الكوكب تعتمد عليها، قبل الثورة الصناعية إذا خرج أحدهم بتصريحات كتلك فإن الناس ستعتبره حالما أو قادما من إحدى روايات الخيال العلمي، إلا أننا الآن نقف -حرفيا- على حافة الخطر، كل شيء يحدث بسرعة، ومعدلات التغير تتسارع بشكل غير مسبوق، والمشكلة الأكبر هي أن المنظومة المناخية هي منظومة معقدة (Complex system) لا يمكن بدقة توقع مستقبلها مما يضعنا ببساطة كريشة في مهب الريح.

  

يقول ريبل في ختام حديثه مع "ميدان": "كل ما رأيناه إلى الآن كان حلولا جزئية، يجب أن يكون هناك حلول كليّة، بحيث يتحرك طعامنا وعملنا والطريقة التي نحيا بها واقتصادنا بالكامل من خلال تلك الحلول"، لكن هل يمكن أن يتصرف سياسيو العالم بدرجة من الحكمة تجاه تلك القضية؟ هذا سؤال صعب، هناك الكثير من التعنّت والعبث القائم على المصالح الخاصة، من جهة أخرى ظهرت بعض التحركات التي تحدث يوما بعد يوم بحيث بتنا نرى تظاهرات مناخية، لكننا أيضا أصبحنا نرى حالات وفاة وهجرات جماعية بسبب تغير المناخ، يبدو الأمر وكأننا -نحن البشر في العالم المعاصر- نتراقص على حافة الفوضى، فإما أن نسقط وإما لا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار