انضم إلينا
اغلاق
"علم أم رفاهية".. لماذا يدفع البشر كل تلك الأموال من أجل أبحاث المرّيخ؟

"علم أم رفاهية".. لماذا يدفع البشر كل تلك الأموال من أجل أبحاث المرّيخ؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

قبل عدة أيّام أعلنت(1) الإدارة الوطنية الأميركية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) عن نهاية مهمتها الأطول عمرًا على المريخ والمسماة "أوبورتونيتي Opportunity". تلك المركبة الروبوتية، بحجم سيّارة صغيرة، هدفت إلى فحص سطح الكوكب الأحمر بحثًا عن أية آثار ممكنة لوجود مياه، وبالتالي حياة إن أمكن في ماضي الكوكب السحيق، وقد نجحت بالفعل في إرسال تأكيدات قوية على أن سطح المريخ قد احتوى يومًا ما بحيرات مياه عذبة تشبه تلك التي تتواجد هنا على كوكب الأرض.

 

مليارات تسافر بلا عودة

طوال 15 سنة، وبتكلفة تخطت حاجز المليار دولار من أجل إطلاق المركبة وإنزالها على سطح الكوكب الأحمر، عمل(2) أكثر من ثلاثمائة شخص بدوام كامل في عملية تتبع، مراقبة، استلام بيانات المركبة وتحليلها، هناك في الحقيقة الكثير من الجهد والعلم الدقيق المرتبط بفكرة أن تقوم بمهمة إلى المريخ، أضف لذلك أن احتمالات فشل المهمة كبيرة حقًا، يمكن لك – على سبيل المثال – أن تتأمل "روب مانينج" أحد كبار مهندسي مختبر الدفع النفاث بالوكالة وهو يشرح كم الصعاب، وبالتالي كم الاحتمالات المفزع، المطلوب تخطّيه لإنجاح مهمة مريخية واحدة فقط.
  


من جهة أخرى فإن "أوبورتونيتي" ليست المهمة الأكثر تكلفة، "كيوريوسيتي" على سبيل المثال تخطت(3) حاجز 2.5 مليار دولار، مع تكلفة أكبر لفريق العمل المستمر في متابعتها بدوامات كاملة، أما "انسايت" فقد تكلّفت(4) أكثر من 800 مليون دولار، في المقابل تكلّفت المهمة الأخرى "مارس ريكونيسانس أوربيتر" التي تدور الآن حول المريخ نفس التكلفة تقريبًا. نتحدث هنا عن أربع مهمات فقط تكلّفت خمسة مليارات من الدولارات، ونتحدث أيضًا عن دولة واحدة فقط تقود هذا النوع من البحث العلمي، لكنها ليست الوحيدة، كيان أبحاث الكوكب الأحمر بالكامل، على مستوى عالمي، وتشارك فيه الكثير من الدول العربية، في وضع يوازي اقتصاد دولة كاملة بملايين المواطنين، في تلك النقطة لابد وأن السؤال الأكثر إلحاحًا على دماغك هو: لم يفعلون ذلك؟

لا تقلق، إنه سؤال مشروع، عدد الجوعى(5) في العالم حوالي 800 مليون شخص، أربعة أضعاف هذا الرقم لا يقضون حاجتهم في مراحيض خاصة بهم، 300 مليون شخص يعاني سنويًا من الاكتئاب(6)، هذا الوحش هو "السبب الرئيسي للعجز في جميع أنحاء العالم، والمساهم الأساسي في العبء العالمي الكلي للمرض"، أما السرطان فيتسبب(7) في قتل حالة واحدة من كل ستة حالات وفاة على مستوى العالم، هناك الكثير من الفقر في هذا العالم، الكثير من الحروب وما يتبعها من أزمات اللاجئين، وكم هائل من المشكلات العالمية العاجلة للغاية، لم إذن يقرر البعض أن ينفق كل تلك الأموال على استكشاف كوكب آخر؟ لماذا لا ننفقها في أبحاث السرطان أو الفقر أو المرض العقلي؟ ما الفائدة؟ هل هي رفاهية علمية مفرطة أم أن هناك أسبابا هامة تدفع بنا للاهتمام بهذا الكوكب؟ أو بتلك النطاقات الشبيهة كالبحث عن حياة على كواكب أخرى أو فحص أصول الكون؟ 

 

قوة ناعمة

بجانب كونه سؤالًا هامًا، وهو بالفعل يتسبب يومًا بعد يوم في تخفيض ميزانيات البحث عن كائنات فضائية، مشروع SETI على سبيل المثال(8)، فهناك – على الجانب الآخر – مجموعة من الحجج التي تقف في صف مثل هذه الأبحاث، أولها على سبيل المثال هو ما نعرفه جميعًا باسم "القوة الناعمة"، فالصراع بين الدول من أجل الهيمنة لا يتطلب قوى سياسية وحربية فقط، بل يتطلب أن تكون الأفضل في أمور أخرى كالفن أو العلم أو الأدب.

  

  

يمكن لنا تأمل احتدام هذا الصراع العلمي في تلك الجلبة الشديدة التي تثيرها الإنجازات الأخيرة (9)للصين في الأوساط السياسية والثقافية الأميريكية، خلال ثلاثة عقود مضت بدأت الصين في خطة تنمية اقتصادية تعتمد على البحث العلمي، خلال تلك الفترة ارتفعت أعداد الطلبة في مجالات العلوم والتكنولوجيا بالكليات الصينية إلى مستويات غير مسبوقة تعد الأعلى عالميًا، من جهة أخرى فإن معدلات نشر الباحثين الصينيين في المجلات العلمية المرموقة يرتفع بمعدلات كبيرة مع توقعات أن تتخطى حاجز الولايات المتحدة الأميركية خلال عقدين من الزمان.

 

في الملاحة الفضائية فإن الصين خططت لبرنامج طموح يصل بالصينيين إلى المريخ خلال سنوات قليلة(10)، في المقابل من ذلك تندفع الإدارة الأميركية في محاولة للحفاظ على الفجوة الواسعة بينها وبين أقرب منافسيها عبر ضخ الأموال لدعم مهام علمية جديدة على سطح المريخ، وهكذا .. فإن هذا النوع من التنافس يحفز البحث العلمي في مجالات كتلك، ولا نتحدث هنا عن الصين وأميركا فقط، بل هو حيز تندفع لها الكثير من دول العالم، حيث إن تلك القوى الناعمة تعطي انطباعًا بدورها عن قوة اقتصاد دولها، ما يحسن الاستثمار وثبات الأنظمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على حد سواء.

 

أضف لذلك أن المؤسسات العلمية لا تعمل عبر أموال دافعي الضرائب بصورة كاملة، وبعضها لا يفعل على الإطلاق، لكن الفكرة هي أن كل نطاق بحثي يدخل في منظومة اقتصادية خاصة بالعملية العلمية، حيث قد يقوم مركز بحثي ما بتمويل مجموعة من الدراسات الناجحة حول خصائص تربة المريخ، بعد ذلك يبيع تلك النتائج للجامعات المهتمة، أو يرفع من أجر انتداب باحثيه لأماكن أخرى، أو قد يرفع ذلك من شأنه فيرفع من أجر المساقات التي يقدمها للطلبة من باحثي بعد الدكتوراة، وهكذا فإن الميزانيات الخاصة بهذه النطاقات تشبه تلك الخاصة بأية شركة ناجحة.

 

لماذا نذهب إلى المريخ؟

 

من جهة أخرى فإن تلك هي طبيعة العلم، لفهم تلك الفكرة دعنا نترك المريخ جانبًا لنتساءل عن نوعين(11) أساسيين من البحث العلمي، فالبحوث الأساسية والبحوث التطبيقية، الأولى لا تهدف إلى اكتشاف شيء بعينه بقدر ما تهدف إلى زيادة فهمنا للمبادئ الأساسية للطبيعة عبر التساؤل بالصيغ الأساسية "لماذا" و"كيف؟"، بالتالي ليس المقصود من هذا النوع من الأبحاث أن تحقق فوائد تجارية فورية، بالتالي ينطلق هذا النوع من البحوث مدفوعًا فقط بالفضول البشري تجاه التعرف على الأشياء، من جهة أخرى فإن البحوث التطبيقية تنطلق فقط مدفوعة بأغراض تطبيقية، لإخراج منتج محدد أو آلية عمل أو تكنولوجيا جديدة لحل مشكلة بعينها.

 

على سبيل المثال، يمكن لنا دراسة الكيفية التي يستذكر بها عدد ضخم من الطلاب دروسهم ومقارنتها بالنتائج الدراسية في آخر العام مع تثبيت عدد من العوامل الأخرى أو إخضاعهم لعدد من الاستقصاءات لاكتشاف أي الطرق أفضل للاستذكار، هذا هو النوع من الأبحاث له تطبيق على الأرض وهو رفع كفاءة الاستذكار لدى الطلبة. وعلى الرغم من أن البحوث الأساسية بطبيعتها أكثر تكلفة، لذلك فإن نحو 80% منها تُقام فقط في الجامعات، إلا أنها كانت – على مر تاريخ العلم – صاحبة الإنتاج الأكثر غزارة لكل ما نعرفه الآن من تكنولوجيا، بمعنى أوضح: كانت التكنولوجيا دائمًا أشبه بعرض جانبي لهذا النوع من الأبحاث.

 

بالنسبة للمريخ، فإنه أقرب جيراننا من نفس النوع(12)، الكوكب الصخري الوحيد الأكثر مناسبة للبحث، الزهرة في الجانب الآخر حار جدًا بدرجة حرارة تتخطى حاجز الـ400، بالتالي فإن فحص تركيبته الجيولوجية وتاريخها سوف يؤثر كثيرًا في فهم تاريخ كوكب الأرض نفسه والمجموعة الشمسية ككل، خاصة عندما نعرف أن كم التحولات المهول الذي تسبب فيه وجود الحياة على الأرض خلال 4.5 مليار سنة مضت قد طمس الكثير من الآثار الجيولوجية لتاريخ الكوكب، في تلك النقطة يمكن أن يكون المريخ مناسبًا تمامًا لهذا النوع من الأبحاث.

 

كذلك فإنه يُعتقد أن المريخ كان يومًا ما، قبل أكثر من مليار إلى مليارين من الأعوام، يحوي بحيرات وأنهار من المياه العذبة تشبه تلك التي تتواجد على كوكب الأرض، لذلك فإنه من المحتمل أن تكون صورًا من الحياة قد عاشت على سطحه، يقترب المريخ، في المجموعة الشمسية مما نسميه بـ "النطاق الصالح للحياة(13) Habitable Zone"، ويعني تلك المنطقة التي تقع من الشمس على مسافة تسمح بوجود المياه السائلة، لكن ما حدث على سطح الكوكب وغيّر مناخه بهذا الشكل غير معلوم بعد.

 

أجزاء من سطح المريخ تظهر العديد من القنوات يبلغ اتساعها من متر واحد إلى 10 أمتار (رويترز)

   

السلمون السابح ضد التيّار

لذلك فإن المريخ، كما يمثل فرصة جيدة لدراسة ماضي الأرض، قد يمثل فرصة جيدة أيضًا لمستقبلها، لأنه سيعطينا فرصة جيدة جدًا لفهم كيفية انهيار المنظومات البيئية والمناخية وصولًا إلى الوضع الحالي، ما قد ينبهنا إلى نقطة مستقبلية نوعية يمكن أن تؤثر في مصيرنا، نحن نعرف أن الأرض، في حالتها المعاصرة، تتعرض لموجة من التغير المناخي(14) القاسي بحيث أصبحت نسب ثاني أكسيد الكربون هي الأعلى في 800 ألف سنة مضت، وهو ما يهدد الأرض على المدى الطويل.

 

أضف لذلك أن المريخ ليس باردا جدًا أو حارا جدًا. وعلى سطحه(15) يوجد ما يكفي من ضوء الشمس لاستخدام الألواح الشمسية، أضف لذلك أن الجاذبية على المريخ تساوي أكثر من ثلث جاذبية الأرض، وهو ما قد يكون كافيًا كي يتكيّف جسم الإنسان معها، أما غلاف الكوكب الجوي فإنه أقل كثافة لا شك من الأرض، لكنه يوفر حماية من الإشعاع الكوني وإشعاع الشمس، واليوم على المريخ يساوي تقريبًا اليوم على الأرض، (24 ساعة و 39 دقيقة و 35 ثانية).

  

كل ما سبق يسمح للمريخ بأن يكون، يومًا ما في المستقبل البعيد، ومع قدر مناسب من التكنولوجيا، ملاذًا آمنًا للبشر إن حدث وتوالت الكوارث بصورة أو بأخرى، أو كمرحلة انتقالية قبل ترك المجموعة الشمسية ككل. للوهلة الأولى تبدو تلك كأحلام فانتازية توجد فقط في روايات الخيال العلمي، لكن الرحيل عن الأرض ليس خيالًا، هذا شيء سوف يحدث حتمًا يومًا ما، في الحقيقة فإن المشكلة التي يواجهها الباحثون في هذا المجال ليست في الرحيل عن الأرض، بل في موعد الرحيل، خشية أن تحدث كارثة ما تعجل منه قبل أن يكون البشر أكثر تجهزًا لرحلة كتلك، في تلك النقطة يمكن لك مراجعة تقرير سابق للكاتب بعنوان " لماذا علينا الرحيل عن كوكب الأرض؟"(16)

 

  

لكن في النهاية، وبجانب كل تلك الأسباب التي تجعل من الضروري أن نسبر أغوار الفضاء الواسع، فإن تلك – بشكل أو بآخر – هي طبيعتنا، هذا اللهث وراء المجهول، والذي تربّى داخلنا كصفة أصيلة يصل تاريخها إلى 300 ألف سنة مضت احتل البشر كل أجزاء الكوكب خلالها من نقطة إلى نقطة مشيًا على الأقدام، في تلك النقطة يقول نيل أرمسترونج، في أحد اللقاءات التليفزيونية قبل رحلته مع المركبة أبولو 11 التي ستحمله: "حتما سوف نذهب للقمر، إن مواجهة تحديات كتلك هو جزء من الطبيعة العميقة لأرواحنا كبشر، من الضروري أن نفعل ذلك كما هو ضروري لسمك السلمون أن يسبح ضد التيار"(17).

تقارير متصدرة


آخر الأخبار