انضم إلينا
اغلاق
ملايين النسخ الشبيهة بك.. كيف ستكون حياتك في العالم الموازي؟

ملايين النسخ الشبيهة بك.. كيف ستكون حياتك في العالم الموازي؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
"أظن فقط أن أبي لم يكن يحب القطط"

( روث ابنة إرفين شرودنجر)

   

في أحد أكثر المشاهد إثارة برائعة نتفليكس الجديدة "بلاك ميرور: باندرسناتش" يجلس "كولن ريتمان"، مصمم الألعاب الموهوب، على حافة الشرفة في منزله مع صديقه الجديد، "ستيفن باتلر"، ليقدم له عرضا غاية في الغرابة، يشرح ريتمان نظريته فيقول إنه لا يوجد واقع واحد في هذا العالم، بل هناك أكثر من واقع يؤثر كل منهم على الآخر، وللتدليل على صواب فكرته يعرض ريتمان على صديقه مغامرة غاية في الحساسية قائلا: "اقفز أنت من الشرفة، أو أقفز أنا، قم بالاختيار".

 

 

في تلك اللحظة تعرض نتفليكس عليك -كمشاهد- اختيارين، ما إن تضغط على أحدهما حتّى تنطلق الحلقة إلى خط سير منفصل تماما ذي نهاية مختلفة، تحاول نتفليكس، في هذه الحلقة التي تعد بشكل أو بآخر نقلة نوعية في تاريخ الإمتاع التلفزيوني، أن تقدم خلطة مميزة تمزج بين الحيرة القديمة حول كون الإنسان مخيرا أو مسيرا، والأعراض الأكثر فانتازية لبعض الحالات النفسية، وفرضية فيزيائية شهيرة تسببت في أن ترك صاحبها العلم نهائيا بسبب رفض المجتمع العلمي له وقت أن طرحها كرسالة الدكتوراه الخاصة به، إنها "تفسير العوالم المتعددة"(1) (Many Worlds Interpretation) لميكانيكا الكم.

 

حسنا، ربما سيكون السؤال الذي سيتبادر إلى ذهنك الآن هو: هل ذلك ممكن حقا؟ هل هي إحدى الشطحات الفلسفية الغاية في الغرابة أم أن الفيزياء تمتلك نماذج صارمة يمكن لها أن تتوقع وجود عوالم متعددة بالفعل؟ هل يمكن أن يوجد عالم آخر تكون فيه أكثر نجاحا؟ عالم، يشبه هذا العالم، مع الأشخاص نفسهم، لكنك الآن فيه لست طالبا في جامعة متوسطة، بل لاعب كرة شهير في الدوري الإنجليزي بمهارة "محمد صلاح"؟ إجابة هذه الأسئلة، على عكس توقعات الكثيرين، هي "نعم"، يكتسب تفسير العوالم المتعددة لميكانيكا الكم الكثير من الزخم في الوسط العلمي.

 

هل هذا ممكن حقا؟

لكن لفهم ما يعنيه "تفسير العوالم المتعددة"، ولِمَ أصبح بالأساس ممكنا، دعنا نبدأ من أشهر تجربة فكرية في ميكانيكا الكم، إنها "قطة شرودنجر"(2)، سنضع قطة في صندوق مغلق مع كمية صغيرة من مادة مشعة يُحتمل بمقدار 50% أن تتحلل ذرة منها خلال مدة محددة، إذا تحللت تلك الذرة سوف تتسبب في عمل عداد جايجر الذي يقيس الإشعاع، هنا سوف يُفلت العداد المطرقة لتسقط على زجاجة السم فينتشر في المكان وتموت القطة.

 

 

الآن نقف أنا وأنت أمام ذلك الصندوق قبل أن نفتحه لنسأل: هل القطة حية أم ميتة؟ في تلك النقطة يتدخل تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم للإجابة بـ: "كلتا الحالتين معا، حية وميتة"؛ لأن هذه الذرة تكون في حالة تراكب كمّي، أي متحللة وغير متحللة في الوقت ذاته، أما حينما نفتح الصندوق لن نجد أي مفاجآت، تكون القطة إما حية وإما ميتة، هذا هو ما يحدث حينما نحاول إدخال عملية قياس أو رصد لعالم الكوانتم، وذلك لأن الجسيم يفقد وضعه الكمومي لوضع ذاتي تمثله حالة واحدة محددة.

 

لكن، هل سألت نفسك يوما عن أداة العطف "و"، لِمَ نقول "حيّة وميّتة" ولا نقول "حية أو ميّتة"، نحن نعرف أن ميكانيكا الكم تعمل بالاحتمالات، ومفهوم الاحتمال بالنسبة لنا بسيط، تكون العملة "ملكا" أو "كتابة" بعد أن نلقي بها للأعلى ثم ننتظر حتّى تسقط على أحد وجهيها، هناك احتمال بقيمة 50% أن تكون النتيجة "ملكا"، وآخر بقيمة 50% أن تكون النتيجة "كتابة"، لماذا إذن في ميكانيكا الكم لا نستخدم أداة "أو" ونستخدم أداة العطف "و"؟ ما سر كل تلك الجلبة؟

 

من "و" إلى "أو"

"الأحجية المركزية في ميكانيكا الكم"، إنها تجربة الشق المزدوج(3) الشهيرة، وتعني أنه حينما نطلق مجموعة من الجسيمات دون الذرية، الإلكترونات مثلا، عبر حائط عازل فيه شقّان، فإن أثر تلك الإلكترونات يظهر على اللوح الواقع في خلفية الجدار في صورة مجموعتين منها، تلك التي دخلت من الشق الأول، والتي دخلت من الشق الثاني.

   

    

ذلك أمر متوقع، يشبه أن تبدل مصدر الإلكترونات بمسدس كرات بلاستيكية صغيرة، بعض الكرات سيرتد عن الحائط، وبعضها سوف يدخل في أي من الشقّين، لكن المشكلة تظهر حينما نقرر أن نضع هذه التجربة في صندوق مغلق بالكامل، ثم بعد انتهائها سنتأمل ما حدث في خلفية شقّي التجربة، هنا سوف نرى شيئا غير متوقع، لم تتجمع الإلكترونات في مجموعتين، بل ظهر أثرها متداخلا كأنما هي موجات بحر، يحدث الشيء نفسه حينما تُلقي بصخرتين صغيرتين إلى جوار بعضهما البعض في المياه، تتداخل موجاتهما لتصنع نمطا مميزا، هذا هو(4) "نمط التداخل".

 

الآن دعنا نتخيل أننا مجموعة من علماء الكوانتم نحاول تفسير تلك النتيجة الغريبة، هنا سنبدأ بفحص هذا الاختلاف الغريب في النتائج بين حالتين، حيث سنراقب التجربة في إحداهما، ولا نراقبها في الأخرى. في التجربة الجديدة سنصنع مسدس إلكترونات يمكن له إطلاق إلكترون واحد فقط في كل مرة، سوف نطلق الإلكترون الأول، ثم ننتظر قليلا، ثم نطلق الثاني، وهكذا، ربما يكون سبب الاختلاف بين الحالتين مرتبط -بشكل ما- بإطلاقنا للإلكترونات كدفقات كبيرة، الآن دعنا نتفحص النتائج بعد إطلاق عدد من الإلكترونات كلٌّ على حدة.

 

هنا تحدث المفاجأة. في الحالة الأولى، حينما كنّا نراقب مسدس الإلكترونات، ظهر أثرها في الخلفية كمجموعتين، لكن حينما وضعنا التجربة في صندوق مغلق وأطلقنا كل إلكترون على حدة ظهر نمط التداخل أيضا، هذا التداخل الذي نعرف أنه يحدث فقط بين موجتين، موجتي ماء على سبيل المثال، لكن مع ماذا تداخل إلكترون واحد فقط؟ من المفترض أن يعبر -ككرة بلاستيكية- من أحد الشقّين، لكن ظهور نمط التداخل في الخلفية يعني أن هذا الإلكترون تداخل مع شيء ما، مع إلكترون آخر عبر من شق التجربة الآخر، وبما أننا نمتلك إلكترونا واحدا فقط، فذلك يعني أن هذا الإلكترون قد عبر من الشقين في الوقت نفسه لكي يحدث ذلك، أي إنه وُجد في مكانين مختلفين في الوقت نفسه.

 

كان شرودنجر أحد مؤيدي فكرة أينشتاين التي تقول إن ميكانيكا الكم هي نظرية غير مكتملة بعد

مواقع التواصل 

 

في تلك النقطة يظهر ما نسميه(5) بـ "تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم"، والذي يقول إن الجسيم، في حالة غلق الصندوق على التجربة، يوجد بكل حالاته الممكنة معا، توجد احتمالات دخوله في شق التجربة الأيمن مع احتمالات دخوله من الشق الأيسر في الوقت نفسه، يسمى ذلك بحالة التراكب الكمي(6) (Quantum Superposition)، وهذا -حسب تفسير كوبنهاغن- هو التفسير الوحيد لدخول الإلكترون من شقي التجربة في الوقت نفسه، يعني ذلك أن المعادلات الرياضية التي تشرح ما يحدث في تجارب الكوانتم ليست فقط محاولات للحديث عن "أي الاحتمالات سوف يحدث" بل "كل الاحتمالات الممكنة التي تحدث معا".

 

هذا هو سبب خروج "قطة شرودنجر" للوجود، حيث كان "إرفين شرودنجر" يرى أن تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم أمر سخيف للغاية لدرجة أن قطّة فكرية صغيرة يمكن لها أن تبيّن أن الأمر لا يتعلق فقط بالعالم الكمومي، بل له تأثير جوهري في عالمنا، كان شرودنجر أحد مؤيدي فكرة أينشتاين التي تقول إن ميكانيكا الكم هي نظرية غير مكتملة بعد، نعم قد تمتلك العديد من النتائج التجريبية الداعمة لها، لكن بنيتها تحتاج إلى شيء إضافي، هذا الرأي هو ما فنّده جون ستيوارت بيل في الستينيات حينما أثبت أن أينشتاين كان مخطئا، لفهم تلك النقطة يمكن أن تتأمل تقريرا سابقا للكاتب(7) بعنوان "100 ألف لاعب لإثبات خطأ ألبرت أينشتاين".

 

ماذا لو كنت أنت قطة شرودنجر؟

  

الآن دعنا نرجع من جديد إلى صندوق شرودنجر، نقف أنا وأنت أمام الصندوق، وبالداخل قطة يمكن أن نصف حالتها عبر ما نسميه(8) بـ "الدالة الموجية"، والتي تقول إن حالات القطة تساوي "نصف الحالات ميّتة" زائد "نصف الحالات حيّة". الدالة الموجية هي معادلة. لا تدعها تخيفك، فهي كغيرها من المعادلات في عالم الفيزياء، ذات هدف واضح، وهو تحديد أين يمكن أن نجد الإلكترون بعد خمس دقائق على سبيل المثال، قبل أن نفتح الصندوق تقول تلك المعادلة لنا إن هناك احتمالين لمستقبل القطة، أما حينما نفتحه فإن احتمالا واحدا منهما هو فقط ما يتحقق، هنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال آخر مهم: أين ذهب الاحتمال الآخر؟

 

الإجابة المختصرة هي: لا أحد يعرف. لا يمكن، إلى الآن، أن نضع تفسيرا مؤكدا لما يحدث في لحظة فتح الصندوق وانتقال القطة من حالة "التراكب الكمومي"، الحالة الكمومية التي توجد فيها كل الاحتمالات معا إلى الحالة الكلاسيكية، أو الطبيعية، التي نراها في عالمنا، حالة تكون فيها القطّة إما حيّة وإما ميّتة، هذا الانتقال بين عالمين يسمى بـ "مشكلة القياس"(9) (Measurement Problem)، نحن أيضا جزء من تلك المشكلة، فأجسامنا تتكون من ذرّات تخضع بدورها لقواعد ميكانيكا الكم، بينما نحن لا نشعر بذلك، تطرح تلك المشكلة أزمة أكبر منها، دعنا نصُغها معا في صورة تجربة فكرية أخرى.

 

لنفترض أن هناك صندوقين، صندوق شرودنجر وبه القطة، وصندوق كبير، بحجم حافلة على سبيل المثال، نقف نحن داخله أمام صندوق القطة، الصندوق الجديد هو الآخر مغلق تماما، وخارجه يقف مجموعة من علماء الكوانتم في انتظارنا، حينما نفتح صندوق القطة، أنا وأنت، سنرى القطة إما حية وإما ميتة، لكن ماذا عن تلك المجموعة من العلماء التي تقف خارج الصندوق الكبير؟

 

 

بالنسبة لهم، فإننا نوجد أيضا في حالة تراكب كمومي بها كل الاحتمالات معا، احتمال نكون فيه أنا وأنت معا ونرى القطة حيّة، وآخر نكون فيه أنا وأنت معا ونرى القطة ميّتة، في تلك الحالة نتشابك كموميا مع القطة، بمعنى أننا نتأثر بحالتها وتتأثر بحالتنا، لفهم ذلك دعنا نتساءل عن علاقة القطة بالعنصر المشع في الصندوق، لِمَ ترتبط القطة بهذا العنصر ما يجعلها حيّة وميتة معا بسببه؟

 

لأنها ستموت أو تحيا بسبب احتمالات هذا العنصر، بالتالي فهي ترتبط به رغما عنها، وإذا كان العنصر المشع يخضع لقواعد عالم الكم فإن القطة ستفعل، لكن ماذا عن البيئة المحيطة بالقطّة في الصندوق؟ الهواء والضوء على سبيل المثال، كل ذلك سوف يوجد في حالة تراكب كمومي مع القطة أيضا لأنه يتأثر بها وتتأثر به، وبالتالي كونها في حالة تراكب كمومي يجعل البيئة المحيطة أيضا في حالة تراكب كمومي، ما الذي يمنع إذن أن نكون أنا وأنت في حالة تراكب كمومي مع القطة أيضا؟ نحن أيضا سنتأثر بحالة تكون القطة فيها ميّتة بشكل مختلف عن كونها حيّة.

   

لكن ذلك بدوره يطرح تساؤلا أكبر، ماذا لو كان هناك صندوق أكبر يحوي العلماء الذين ينتظرون خارج صندوقنا؟ ماذا لو كان هناك صندوق أكبر من هذا؟ في تلك الحالة ستظل أفكارنا تتصاعد لتقول في آخر سؤال: ماذا لو كان الكون كله هو صندوق شرودنجر ونحن جميعا مكان القطة؟ هنا سيكون كل شيء في الكون متراكبا كموميا.

   

بمعنى أوضح، أنت ترى القطة حية أو تراها ميّتة، ثم تخرج للناس، فيرونك في إحدى الحالات مع القطة الحية، أو مع الميّتة، ثم تخرجون جميعا على التلفاز، فيراك كل البشر مع القطة الحية أو الميّتة، في كل مرة يحدث التراكب الكمومي على مستوى أكبر، فنصبح في النهاية أمام كونين، في أحدهما ماتت القطة وتفاعل كل شيء في الكون مع تلك المعلومة، وفي كون آخر كانت القطّة حيّة، وتفاعل كل شيء في الكون مع تلك المعلومة.
   

نسخ أخرى منك

 

في تلك النقطة يدخل هيو إيفريت(10) (Hugh Everett)، من جامعة برينستون، في الخمسينيات من القرن الفائت، ليطرح تفسيرا آخر لميكانيكا الكم عبر رسالة الدكتوراه الخاصة به، إنه ما نعرفه الآن باسم "تفسير العوالم المتعددة" (Many Worlds Interpretation) لميكانيكا الكم، ويعني التفسير في ميكانيكا الكم -ببساطة- محاولة للربط بين الصياغة الرياضية المعقدة والحقائق التجريبة، بمعنى أوضح: إحدى التجارب تعطي نتائج محددة، بعد ذلك يصوغ الفيزيائي مجموعة من المعادلات الرياضية والتي يمكن لها أن تصف تلك النتائج وتتنبأ بغيرها من النتائج المستقبلية، التفسير هو المعنى الفيزيائي الذي يعبر عن هذا الربط.

 

في النظرية النسبية لا يمكن أن نجد تفسيرات مختلفة للشيء نفسه، لكن بسبب غرابة عالم الكوانتم، وعدم قدرة الرياضيات الخاصة به على إعطاء معنى فيزيائي واضح، ظهرت عدة تفسيرات لميكانيكا الكم، في تفسير كوبنهاغن فإن المشكلة الأساسية، إلى الآن، هي تلك اللحظة التي نفتح فيها الصندوق، أما تفسير العوالم المتعددة فيقول إن فتح الصندوق لا يعني أي شيء، ذلك لأن الكون كله هو صندوق ضخم يتفرع في أثناء كل عملية ذرية إلى كونين مختلفين في كل منهما يتحقق جزء من الاحتمالات، وبذلك تختفي مشكلة القياس.

 

حسب تفسير إيفريت -والذي أُحبط(11) وترك الفيزياء بسبب عدم قبول نظريته الجديدة ثم بدأت تلقى رواجا شيئا فشيئا خلال العقود القليلة الفائتة- فإن القطة بالفعل إما حيّة "أو" ميّتة، لكنها تصبح كذلك في كونين منفصلين، بأحدهما تكون حيّة ويستكمل هذا الكون مستقبله بوجودها، وفي الآخر تكون ميّتة ويستمر هذا الكون الآخر بدونها.

 

في تلك الحالة، فإن إيفريت لا يبتكر(12) فيزياء جديدة، هو فقط يؤمن بالميكانيكا الكمومية أكثر من مؤسسيها، حيث يقول إنه لا يوجد عالم كمومي وعالم كلاسيكي وفاصل بينهما تظهر فيه مشكلة القياس، ولكن يوجد فقط عالم كمومي، وما يظهر أنه كلاسيكي هو الاحتمال الذي نراه في هذا العالم، بينما الكون بالفعل هو صندوق شرودنجر كبير جدا توجد فيه كل الاحتمالات الممكنة معا، بينما في كون آخر فإن أشياء أخرى تحدث بسبب الاحتمالات الأخرى الممكنة، هذه الأكوان الأخرى لا توجد بشكل مادي في فضاء ثلاثي البُعد، لكنها ربما توجد في فضاءات أعلى يسمح بها ما يسمى بـ "فضاء هيلبرت".

 

بالتالي فإن فرضية العوالم المتعددة -كما تظهر بالنسبة للجمهور العام الذي لا يصدق أنه يمكن أن يوجد كون آخر يحوي على نسخة منه- ليست مجرد خيال رياضي جاء في دماغ مؤلفه بمرحلة قبل النوم في إحدى الليالي الشتوية الباردة، ولكنها فقط محاولة لتطبيق أساسات نظرية الكوانتم، الأكثر دقة في تاريخنا إلى الآن، ومد الخطوط على استقامتها لرؤية ما يمكن أن يظهر من نتائج. في تلك النقطة فإن تفسير العوالم المتعددة يجيب عن أسئلة لم تجد حلولا في تفسيرات أخرى، فهو يضع جانبا مشكلة القياس برمتها، ويجيب عن الأحجية لمركزية في ميكانيكا الكم، ليقول إن الإلكترون لا يدخل الشقين في آن واحد بالمعنى المفهوم، لكنه يدخل من الشق الأيمن في أحد الأكوان، ومن الشق الآخر في كون آخر، وتكون كل احتمالات وجوده في الشاشة الخلفية هي مسارات لأكوان مختلفة.

 

يعني ذلك، بشكل أو بآخر، أن هناك عددا مهولا من النسخ الشبيهة بك، والتي يوجد كل منها الآن في واقع مختلف، لكنك فقط وجدت في إحدى تلك النسخ، والتي تقتضي أن تقرأ هذه الكلمات الآن. يفترض تفسير العوالم المتعددة للميكانيك الكمومي أنه مع كل عملية كمومية في الكون، فإن الواقع الكوني ينفصل لحالتين مختلفتين، وهكذا منذ اللحظة التي بدأ هذا الكون فيها، ويشتمل ذلك أيضا على اختياراتك، وتفاصيل حياتك، واللحظات التي كنت فيها حزينا، سعيدا، أو فقط تشعر بالملل، الأمر بالطبع ليس بتلك السهولة التي قدمناه بها، لكن الفكرة قريبة.

 

هل يمكن أن يكون هناك عالم أصبحت فيه مشهورا كمحمد صلاح؟ عالم تحقق فيه أمنيات تفتقدها الآن؟ هذا ممكن على فانتازيته، بالطبع يواجه هذا التفسير لميكانيكا الكم الكثير من التحديات(13) العلمية وهناك أسئلة كثيرة غير مجابة بعد، وربما يكون خاطئا، وللتأكد من صحة ذلك يحتاج الأمر إلى كثير من الوقت، لكن إلى أن تحين تلك اللحظة التي قد تلتقي فيها، أو لا تلتقي، بشبيه لك من واقع آخر، بالضبط كما حدث في فيلم "الأرض الأخرى" (Another Earth)، فإن الأمر لا شك يدعو للتأمل، للكثير من التأمل في الحقيقة، ويطرح بدوره الكثير من الأسئلة التي تخرج من عوالم الفلسفة، حيث: من أنت إذا كانت هناك مليارات النسخ منك تفعل أشياء مختلفة الآن؟!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار