انضم إلينا
اغلاق
بين الحقيقة والخرافة.. ما الذي يدفع العلماء لتصديق التطور؟

بين الحقيقة والخرافة.. ما الذي يدفع العلماء لتصديق التطور؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

في مساء صيفي هادئ، وبينما كان ماثيو هاريس، الباحث بأحد معامل جامعة ويسكونسن، يعيد ترتيب وفحص عيّنات أجنة الدجاج، وهي مهمة شبه يومية اعتادها على مدى سنوات عدة، لاحظ شيئا مختلفا عن العادة، فقد أظهرت إحدى الدجاجات، في فكّيها، أسنانا قاطعة تشبه أسنان التماسيح بدلا من المنقار، كان حدثا فريدا من نوعه دفع هاريس ومشرفه جون فالون(1) للعمل على عزل الجين المسؤول عن تلك الطفرة، ثم تكرارها في المعمل على عدد أكبر من الأجنة، وتبين فيما بعد أن هذا هو أحد الجينات التنظيمية النمائية.

  

من الدجاجة إلى الديناصور

   

حينما نتحدث عن الجينات، فالمعتاد هو أن نستحضر صفات، كلون العينين والشعر وشكل الأنف وطول الرقبة مثلا، أما هذا النوع الفريد من الجينات فهو يلعب دور واضع الخطّة العامة، كالمُخرج الذي يقول: "ضع هذا المشهد هنا، وهذا هناك، ليكن مشهد السيارة في الدقيقة الـ50". تقوم تلك الجينات بتفعيل أو تثبيط الجينات الأكثر تخصصا في أماكن محددة من الجسم ومواعيد محددة، الأمر يشبه أن تخبر جين تكوين الأنف عن مكان وموعد البدء في إنشاء أنف في الجنين، بعدد محدد، أنف واحد مثلا.

 

توجد الجينات التنظيمية نفسها في معظم الكائنات الموجودة الآن على الأرض كالإنسان، الذباب، الفئران، الأسماك، إلخ، حينما ننقل جينا تنظيميا مسؤولا عن إنشاء العين، على سبيل المثال، من فأر إلى ذبابة فاكهة، فإنه يصنع عينا بالفعل، لكنها عين ذبابة فاكهة وليست عين فأر، ذلك لأن دور هذا النوع من الجينات هو وضع الخطّة العامة فقط وكأنه يقول: "أنشئ عينا هنا، وقدما هناك".

 

ويُعتقد أن ذلك النوع من الجينات كان له دور فعّال في الكثير من العمليات التطورية على وجه الأرض، خاصة حينما دخلت تقنيات التحرير الجيني (كريسبر) لتساعد الباحثين(2)، قبل عدة سنوات، في تعديل أقدام أجنة الدجاج، وأطرافها، ووجوهها لكي تصبح أكثر شبها بأسلافها من الديناصورات، تلك التي كانت موجودة منذ ما يقرب من 150 مليون سنة. نعم، لقد حدث ذلك بالفعل، لقد أعاد الباحثون الديناصور، ليس عبر استنساخه في المعمل، لكن بإرجاع الدجاجة لأصلها، لديناصورها الذي تطورت عنه.

 

جدل التواصل الاجتماعي

 

التطور النمائي(3) (Evolutionary Development)، المشهور في أوساط العلم الشعبي بلقب الإيفو-ديفو (EVO-DEVO)، هو أحد الفروع النشطة المعاصرة للبيولوجيا التطورية التي مكّنت الباحثين بهذا المجال من تحقيق فهم أفضل للأحداث الجزيئية المسؤولة عن الكثير من التحولات المذهلة في السجل الأحفوري، والتي لم تكن مفهومة بشكل واضح قبل ذلك، لكن على الرغم من أهميته وانتشاره بحثيا فإن كل ما نعرفه عن التطور، عبر نقاشات وسائل التواصل الاجتماعي الطويلة الممتدة، هو أحاديث بالية عن داروين نفسه وتاريخه والفراشات والزرافات والسوط البكتيري وإلخ، حتّى في الجدل الفيسبوكي الدائر بين الشباب العربي حول الطيور والديناصورات، فإن أحدا لا يذكر هذا المجال.

 

 

في الحقيقة، فإن الملاحظة الأساسية التي يمكن أن نخرج بها بعد جولة قصيرة في تلك النقاشات هي أن أيًّا منها لا يتحدث في البيولوجيا التطورية كما تُدرّسها المدارس والجامعات للطلبة، أقصد أننا فقط نتجادل حول موضوعات جانبية، بل في بعض الأحيان تكون غاية في الدقة، دون أي خوض في أساسيات البيولوجيا التطورية نفسها كعلم يمكن الرجوع لبعض المراجع من أجل تعلمه، بالضبط كطالب في المدرسة الثانوية أو السنة الأولى الجامعية.

 

أضف إلى ذلك أن المثال السابق، من عالم "التحرير الجيني"، يوضح ما يمكن أن نعتبره المشكلة الرئيسية التي تواجه البيولوجيا التطورية، وهي أن هذا المجال، وإن كان يبني نفسه بالكامل على برنامج بحثي واحد يقول إن الكائنات الحية الموجودة حاليا تطورت عن سلف مشترك واحد، فإنه نطاق ضخم يتفرع في، ويكتسب دعما من نطاقات بحثية مختلفة، بداية من الكيمياء إلى الجغرافيا.

 

وحينما يتحدث الجميع حول التطور، بالشرح أو بالهجوم حتّى، فإنهم غالبا ما يشيرون فقط إلى جزئية بعينها، في أثناء ذلك تضيع الإجابة الرئيسية عن السؤال الأشهر الذي يدور ببالك كشخص لم يتعرض من قبل لهذا العلم: إذا كانت البيولوجيا التطورية هي -بحد التعبير الأشهر- "مجرد نظرية"، إذا كان الجدل عليها -هكذا سيسأل الشاب العربي، وفي كل العالم على حد سواء- ما زال قائما، لماذا يتعامل العلماء مع التطور على أنه حقيقة علمية؟ هل هناك مؤامرة ما؟ 

  

  

أربعة مشاهد لفيلم واحد

في الحقيقة، لا يمكن فهم السبب في صحة التطور من دون جمع كل الجوانب معا، كحجة واحدة ذات وجوه متعددة لا يمكن فهمها معا إلا بوجود التطور، لهضم الفكرة دعنا نتخيّل أننا الآن نجلس معا في قاعة سينما ضخمة، خلال نصف الساعة القادمة سوف يعرض أحدهم علينا أربعة مشاهد، في كل مشهد يظهر مجموعة مختلفة من الممثلين بحكايات مختلفة، لكن يُطلب إلينا في النهاية أن نربط بينها دون أن يتعارض أحدها مع الآخر، بحيث يمكن أن نخرج معا بفيلم واحد فقط.

 

المشهد الأول: نقف الآن أمام حفرية أحد الديناصورات الضخمة في متحف للتاريخ الطبيعي، ما تراه أمامك هو ما نسميه بالـ "براكيوصور"، وهو كائن قديم ضخم جدا عاش قبل 150 مليون سنة، الآن تبدأ بسؤال بسيط: كيف عرفنا أن هذا الكائن عاش قبل 150 مليون سنة؟

  

    

هنا دعنا نتعرّف إلى "السجل الأحفوري"(4)، وهو -ببساطة- ما تمكّن علماء الأحافير من استخراجه من باطن الأرض من حفريات، ثم بعد ذلك يقومون بتسجيل الزمن الذي وجدت به كل حفرية تبعا للطبقة الصخرية التي وجدت فيها، هناك حفريات لكائنات وجدت قبل 20 مليون سنة، أخرى قبل 120 مليون سنة، وثالثة قبل 300 مليون سنة، وهكذا يستمر العلماء في تسجيل كل مكتشفاتهم في هذا السجل عاما بعد عام.

 

عادة ما يكون أول تعليق على هذا الجزء، في النقاشات الفيسبوكية المحتدمة، هو أن "السجل الأحفوري ناقص"، لكن -على الرغم من المشكلات التي يواجهها ادعاء كهذا- دعنا لا نخض هذا الجدل الآن، لنفترض جدلا أن هناك العديد من المشكلات التي تواجه السجل الأحفوري، لكن على الرغم من كل شيء يمكن أن نتفق جميعا على نقطتين مهمتين ثابتتين:

 

الأولى، هي أنه كلما عدنا بالزمن للخلف، في طبقات الأرض التي نستخرج منها الأحافير، كانت هناك كائنات مختلفة عن التي نراها حاليا، بمعنى أوضح: لا يمكن لنا مثلا أن نجد أرنبا قبل 400 مليون سنة، ولا يمكن أن نرى حصانا كالذي نعرفه الآن قبل 50 مليون سنة، هناك دائما مجموعة مختلفة من الكائنات مع الزمن، أما الثانية، فهي أنه كلما عدنا بالزمن كانت الكائنات الحية أكثر بساطة في تركيبها، بحيث يمكن أن نصل إلى فترة لم يكن فيها -على سطح هذا الكوكب- سوى كائنات أحادية الخلية، ثم متعددة الخلايا، وهكذا. الآن، دعنا نضع تلك الحقائق جانبا، ونعتبر جدلا أنها لا تُثبت شيئا بصفة منفصلة، ونستكمل طريقنا.

 

المشهد الثاني: لنبتعد عن البيولوجيا قليلا، نحن الآن نقف في "بابوا غينيا الجديدة" لنشاهد معا طيور الجنة، إنها مجموعة رائعة من الكائنات التي لا يمكن أن تشاهدها بسهولة في أي مكان آخر، لكن هنا يطرأ سؤال بسيط: لماذا لا يمكن بسهولة أن نجد كل الكائنات في كل الأماكن؟

   

 

هنا سنحتاج إلى التعرّف على "الجغرافيا الحيوية"(5)، وهي النطاق البحثي الذي يدرس تأثير النطاقات الجغرافية المختلفة على الكائنات الساكنة بها، بمعنى أوضح: حينما ننظر إلى كوكب الأرض فإننا نلاحظ أن كل كائن يتكيّف مع بيئته بصورة مثالية وكأنهما قفل ومفتاحه، الدب القطبي على سبيل المثال لا يمكن أن يعيش في تنزانيا بينما لا يمكن للفيل أن يفعل العكس، أسماك المياه العذبة لا يمكن أن تعيش في المياه المالحة بسهولة، وتلك التي تسكن المياه الدافئة تتكيف أجسادها مع درجات حرارة المياه.

 

أينما نظرت، على هذا الكوكب، ستلاحظ أن الكائنات التي تعيش في نطاق جغرافي ما تتكيّف مع هذا النطاق، ينزل ذلك بدقة ليصل على سبيل المثال إلى أنواع الطيور، فتجد أن العصافير التي تعيش في جزر جالاباجوس التي تقع مسافة 1000 كيلومتر قبالة السواحل الأكوادورية، تختلف عن طيور الجنة في "بابوا غينيا الجديدة"، والتي تقع في النصف الشرقي من جزيرة غينيا الجديدة في جنوب غرب المحيط الهادي، والتي بدورها تختلف عن طائر هاواي الباحث عن العسل في جزر هاواي، في كل من تلك الأماكن تتكيف الطيور مع بيئتها، سواء درجات الحرارة أو طبيعة الطعام، فتكون أشكال مناقيرها متناسبة مع أنواع الحبوب التي تأكلها على تلك الجزر.

 

هذه حقيقة يمكن فهمها بسهولة، كيف يمكن أن يعيش كائن ما في بيئة لا يتكيف معها؟ حينما نتحدث عن الاحترار العالمي فإن إحدى المشكلات التي تواجهها الكثير من أنواع النباتات والطيور هي درجات الحرارة التي اعتادت عليها، فنجد أنها تسافر شمالا مع كل درجة ترتفع في متوسطات الحرارة، كذلك فإن النباتات ستزهر مبكرا في الربيع. في الحقيقة يمكن تأمل الغطاء البيئي للأرض وكأنه ساعة ضخمة يتناسب كل ترس فيها مع وظيفة محددة، ويتكيف مع تلك الوظيفة.

 

المشهد الثالث: نحن الآن نقف على كوكب الأرض قبل نحو 300 مليون سنة، حينما تسأل: في أي قارة نقف الآن؟ فإن الإجابة ستكون مختلفة بعض الشيء، نحن الآن نقف في قارة "بانجيا"، في تلك الفترة كانت قارات الأرض جزءا من قارة واحدة، ثم بالتدريج انقسمت إلى قارتين وهما "جندوانا" جنوبا و"لوراسيا" التي صعدت شمالا، ثم تفكك كل منهما بالتدريج للصورة التي نعرفها الآن، في أثناء ذلك كله شهدت كل بقعة على سطح الأرض درجات متفاوتة من التغير الجيولوجي لطبيعتها.

   

 

مع هذا التغير في الجيولوجيا الأرضية كانت هناك أيضا تغيرات مناخية دائمة، ما بين العصور الجليدية والعصور بين الجليدية، كذلك فإن التغيرات الطفيفة في ميل الأرض وما يسمى بالمبادرة المحورية قد أثّرت بشكل قوي على مناخ الأرض أثناء تغيراتها الجيولوجية. في العصر الطباشيري المتأخر، على سبيل المثال، منذ 100 إلى 65 مليون سنة، كانت نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي هي 1000 جزء في المليون، ما يعني أنه لم يكن هناك ثلوج في الأقطاب، كان الطقس في المتوسط أعلى بست درجات عما نعرفه الآن.

 

المشهد الرابع: في أثناء رحلته لوصف بلاد الهند، والتي استمرت قرابة الأربعين سنة، لاحظ أبو الريحان محمد البَيْرُوني أن الفلّاحين هناك يقومون بعملية غاية في الذكاء لتعديل مستوى إنتاج المحاصيل الخاصة بهم، وهي أنهم -في كل جيل من الإنتاج، ليكن الذرة مثلا- يضعون الحبوب الأفضل والأكبر حجما جانبا ولا يبيعونها، ثم في دورة الزراعة التالية يقومون باستخدام تلك الحبوب كبذور للمحصول القادم، ثم من جديد يقومون بانتقاء أفضل إنتاج في هذا المحصول ويقومون بتخزينه للدورة القادمة، وهكذا في كل دورة.

 

يعتبر البعض أن ما قاله البيروني كان سابقا بأكثر من ثلاثة أرباع قرن عمّا تحدث عنه تشارلز داروين في كتابه الأكثر شهرة "أصل الأنواع" حينما أشار في الفصول الأولى إلى ما يسمّى "بالانتخاب الاصطناعي(7)"، وهو عملية مارسها البشر ببراعة على مدى آلاف السنين. هل تريد أن تحصل على إنتاج أكبر حجما من محصول الكُرنب؟ الأمر ليس بتلك الصعوبة، فقط ركز اهتمامك على أكبر إنتاج المحصول حجما، بعد ذلك قُم "بانتخابه"، أي ضعه جانبا وازرعه في المرة القادمة، سوف يكون الناتج متنوعا، لكن خذ أكبر نبتة فيه، وازرعها من جديد، في الحقيقة ربما لا يعرف الكثيرون أن الذرة والكُرنب مثلا ليستا نباتات طبيعية بالمعنى المفهوم، لكن البشر منذ قديم الزمن قاموا بعملية الانتقاء الاصطناعي من أجل تطويرها للصورة التي نعرفها اليوم.

  

     

في المستوى البكتيري يمكن أن نلاحظ بسهولة هذا النوع من التغيرات في إحدى أشهر الظواهر المعاصرة وهي مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، والتي بدأت تتطور بوضوح من الستينيات وصولا إلى اللحظة المعاصرة، سبب هذه المقاومة هو طفرات طبيعية في الجين المسؤول عن تكوين البروتين الذي يرتبط به المضاد الحيوي، تغير الطفرة شكل الحيز الذي يرتبط به المضاد الحيوي في جدار الخلية البكتيرية لكي يفككه فتموت الأخيرة، لكن حينما لا يتم هذا الاتصال بشكل دقيق فإن المضاد الحيوي يصبح غير فعّال، في تلك الحالة تموت كل الخلايا البكتيرية التي لم تتحصل على الطفرة، وتبقى التي حدثت الطفرات بها لتتكاثر، وهكذا تستمر مقاومة للمضادات الحيوية.

 

في كل الكائنات الحية أمكن لنا رصد التغير من جيل لآخر، ذلك هو شيء طبيعي يمكن أن تجده في تاريخ الكلاب إلى الفاكهة وصولا إلى البكتيريا، أضف إلى هذا أن هناك الكثير من التجارب والمشاهدات التي أشارت إلى أنه يمكن لنوع واحد أن يتجه ليصبح نوعين مع الزمن، البعض بالطبع سيعترض على تلك النقطة بشدة، لكن دعنا منها الآن، وقد نفرد لها تقريرا منفصلا، فقط كل ما نود أن نعرفه في اللحظة الحالية هو أن التغير مرصود في الكائنات الحية على مدى التاريخ.

 

الإجابة في الصورة الكلّية

جميل جدا، الآن يمكن أن نسأل ببساطة: كيف يمكن أن نجمع تلك المشاهد الأربعة معا؟ هناك تناقض كبير واضح بين تلك الحقائق، فإذا كانت الأرض تتغير باستمرار، فكيف أمكن أن توجد كل الكائنات متكيفة مع بيئتها المعاصرة؟ كيف تكيّفت مع البيئة السابقة لها؟ هل سافرت من مكان لآخر مع الزمن؟ لكن هنا تطرأ مشكلة جديدة، فنحن نعرف أنه -مع الزمن- كانت هناك كائنات أخرى غير الموجودة الآن، كيف إذن يمكن أن نضع هذا المشهد ضمن أسئلتنا السابقة؟ ثم إن التغير في الكائنات الحية كان مرصودا، حتّى قبل أن تظهر البيولوجيا التطورية أو البيولوجيا ككل في الصورة، ما الذي يمكن أن يجمع تلك المشاهد المتفرقة معا؟

  

 

هنا تظهر البيولوجيا التطورية. نعم، يمكن لك أن تشكك، بشكل منفرد، في بعض الموضوعات التي تقع ضمن نطاقات هذه المشاهد الأربعة، لكن الصورة الكلية التي تجمع كل تلك المشاهد لا يمكن تفسيرها إلا بوجود التطور، في الحقيقة ليست تلك المشاهد الأربعة فقط هي ما يؤكد التطور كحقيقة علمية، فأدلة حدوث التطور تحوي مشاهد أخرى غاية في التعقيد، من علم التشريح المقارن على سبيل المثال، أو البيولوجيا الجزيئية، أو علوم الوراثة أو تصنيفات الكائنات الحية، في كل من تلك المشاهد ستجد مجموعة من الحقائق التي لا يمكن فهمها ضمن الصورة الكاملة إلا بوجود البيولوجيا التطورية.

 

في تلك النقطة دعنا نتحول إلى الانتقادات الموجهة للتطور من جوانب غير علمية كالخلقية أو التصميم الذكي، إن أيًّا من تلك الادعاءات لن يقدم أي نظرية أو حقيقة علمية يمكن لها أن تفسر الصورة الكاملة المشاهدة من كل تلك العلوم، كل ما سيفعله هو أن يقدم صورة جزئية صغيرة جدا من مشهد واحد فقط، غالبا ما تكون مطعّمة ببعض الفلسفة والتاريخ!!، ويقول لك إن البيولوجيا التطورية لا يمكن لها تفسير تلك الجزئية تحديدا من هذا المشهد وأن العلماء يختلفون عليها وهناك من يعارضها، وذلك صحيح في بعض الأحيان، فالبيولوجيا التطورية كيان نشط جدا، لكن هؤلاء العلماء لا يختلفون على صحة التطور بقدر ما يختلفون حول آلياته.

 

ستيفن جاي جولد، على سبيل المثال، هو أحد أشهر منتقدي نظرية "التطور التدريجي"، حيث كان يصر على أن التطور حدث على سطح الأرض كقفزات متقطعة، لذلك فإنه قد أشار كثيرا إلى نقاط الضعف التي تواجه التطور بالتدريج، سوف تقرأ -أو تسمع- عن ستيفن جاي جولد كثيرا في الادعاءات ضد التطور، لكن جولد -على الرغم من ذلك- كان أحد أشهر مروجي البيولوجيا التطورية في العالم، ولكن نقده داخل البيولوجيا التطورية تم استحضاره وكأنه نقد لفكرة التطور نفسها، وهذا لم يحدث قط.

  

 ستيفن جاي جولد (مواقع التواصل)

  

حينما يقول أحدهم إن هناك نوعين من التطور، أحدهما على مستوى الكائن نفسه والآخر حينما يتطور كائن لآخر، فقد يتمكن بسهولة من إقناعك مستغلا ضعف قدراتك على فهم اصطلاحات كـ "الانتواع"، لكن كيف يمكن -على سبيل المثال- أن نفهم ما يقوله في إطار تلك المشاهد السابقة؟ هل يعني ذلك أن هناك 8.7 مليون نوع خلق كل منها على حدة؟ لكن، ماذا عن المشهد الذي يحكي عن تبدل الجيولوجيا ومشهد الحفريات؟ هل يعني ذلك أن كل حقبة في تاريخ الأرض ظهرت لها حيوانات خاصة بها؟ كيف يمكن تفسير هذا الادعاء في إطار الصورة الكاملة السابقة؟

 

هذا الاجتزاء الدائم من الصورة الكاملة بالفعل يُظهر هؤلاء كأتباع لنظرية المؤامرة، وذلك لأن مروّجي نظرية المؤامرة لا يقومون ببناء نظريات، ولكنهم فقط يتتبعون حالات الشذوذ عما يمكن أن نسميه "الرواية الرسمية"، فقط حالات الشذوذ، في النهاية لن تجد لديهم "نظرية واضحة" أو "صورة كاملة" يمكن أن تفسر كل تلك الظواهر من كل تلك النطاقات معا، سيتحدث دائما في أجزاء، سيقول لك إن هناك فيلما وثائقيا يُدعى "كذا"، وأن عالما مرشحا لنوبل قال "كذا" عن جزئية "كذا" في موضوع أجنة الدجاج، وإن أحدهم، وهو عالم مرموق، شكك في "كذا" بحلقاته على يوتيوب وقال إنه من المستحيل أن يحدث "كذا" و"كذا"، وإن فيلسوفا من مدرسة "كذا" يعرف العلم على أنه "هكذا" و"هكذا"، وإن داروين قال "كذا"، إلخ، لكن أين الصورة الكاملة؟

 

كيف أتعلّم عن التطور؟ 

هل تعرف معادلة هاردي-واينبرج؟ هل اطلعت من قبل على الانحراف الجيني أو علوم وراثة الجماعات؟ هل درست، ولو بصورة مبسطة، أيا من النطاقات الأربعة التي تحدثنا عنها في المشاهد السابقة بصورة أكثر تعمقا؟ في الغالب الأعم، ستكون الإجابة عن الأسئلة السابقة بـ "لا"، وذلك لأن الجميع ينجرف مباشرة لنقاشات وسائل التواصل الاجتماعي والتي تنطوي بالأساس على خلافات أيديولوجية (مسلم ضد ملحد)، والتي تنطلق بدورها إلى اعتراضات فلسفية، بل وتاريخية!!، لكنّ أحدا لا يهتم بأساسات هذا العلم، والتي يمكن ببساطة أن تجدها في المراجع العلمية (اطلع على تقرير سابق بعنوان(8): كتب ومساقات تقدم لك البيولوجيا التطورية)، في الحقيقة فإن هذا التقرير نفسه يعتمد بالأساس على الفصل الرابع من مرجع "كامبل" (Campbell) الأشهر بين طلبة البيولوجيا في العالم.

   

مرجع "كامبل" (campbell) الأشهر بين طلبة البيولوجيا في العالم (مواقع التواصل)

 

حينما تفتح فيسبوك فتجد عددا من المنشورات هنا وهناك تتحدث في "مشكلات" التطور، قد يبدو لك أن شيئا جديدا قد ظهر، ربما اكتشف البعض قصورا في آليات التطور أو أن علماء البيولوجيا التطورية مختلفين بشكل "خطير" حول ما كان التطور حقيقيا أم لا، لكن ذلك غير حقيقي. إنها دائما الادعاءات نفسها التي يقدمها الناس نفسهم لكن مع صور مختلفة. أضف إلى ذلك أن هذا الجدل يعطي الشخص العادي شعورا بأن البيولوجيا التطورية هي نظرية قديمة ليس بها أي نشاط بحثي معاصر، وأن من ينتقدونها ينتقدون فقط شيئا واحدا أو كتابا واحدا صدر وانتهى الأمر، لكن يمكن لك أن تفتح الآن أي قاعدة بيانات للأبحاث العلمية وتبحث عن كلمة "تطور" (Evolution) لتجد أن الأبحاث في هذا المجال تصدر بصفة يومية.

 

سيظل الجدل محتدما، ولكن إن رغبت في الحصول على إجابات علمية، إذا رغبت حقا، فاترك هذا الجدل جانبا، لِمَ لا تبدأ بإعطاء بعض وقتك لمساق بسيط يشرح أساسيات البيولوجيا التطورية؟ تلك التي يتعلمها الطلبة في مدارس معظم دول العالم وجامعاتها(9)، حينها يمكن أن تكوّن فكرة أساسية عن سؤالك: لِمَ يتعامل العلماء والمراجع العلمية مع التطور كحقيقة علمية رغم أن الرفاق على فيسبوك قد "قصفوا جبهته" أكثر من مرة وبشكل يومي؟!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار