انضم إلينا
اغلاق
قبل الديناصورات والبشر.. من عاش على كوكب الأرض؟

قبل الديناصورات والبشر.. من عاش على كوكب الأرض؟

New Scientist

مجلة علوم وتكنولوجيا
  • ض
  • ض

بدأت الحياة على الأرض منذ أكثر من نصف مليار سنة بقليل، كما تُشير معظم التقارير. حدث ذلك عندما أنتجت موجة تطورية من الإبداع، أسلافَ جميع الحيوانات والنباتات الحية إلى يومنا هذا. في أعقاب ذلك "الانفجار الكامبري"، صارت قصة الحياة هي قصة حياة الأسماك والبرمائيات والحشرات ونباتات الأرض، وهيمنة الديناصورات ثم انقراضها، ثم في النهاية ظهور البشر. قد تبدو تلك القصة ملحمية؛ إلا أنها لا تغطي سوى ثُمن تاريخ الحياة.

 

المشكلة أنه بالرغم من أن الحيوانات والنباتات خلّفت حَفريّاتٍ وفيرة، إلا أنّ صخور عصر ما قبل الكامبري لا تحتوي تقريبًا على أية آثار لحياةٍ سابقة. وقد أزعج هذا الأمر تشارلز داروين، الذي قال في كتابه "أصل الأنواع"، "أمَّا التساؤل: لماذا لم نجد بقايا أحفورية وفيرة من تلك الأحقاب المبكرة السابقة على المجموعة الكمبرية، فليس لديَّ إجابة شافية له".

 

ومنذ ذلك الحين، عُثِر على القليل من بقايا الحفريات، ولكنها في معظمها كتلٌ مجهرية غير محددة الشكل، ترفض الإفصاح عن أسرارها. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة وجد الباحثون البارعون طرقًا جديدة لكشف ما يخبّئه الصندوق الأسود للحياة.

 

    

تستعرض تلك القصة أول 3.5 مليار سنة، منذ أن ظهر أول أشكال الحياة على الأرض. وعلى الرغم من أنها حكايةٌ أبطالها الكائنات وحيدة الخلية، فهي تحمل بين طياتها تغيرات هائلة. فقد شهدت ولادة القارات، وأعظم تأثير للتلوث الكيميائي على الإطلاق، وحدث تطوري غريب لم يكن ليحدث أبدًا في أي مكان آخر في الكون. إنها رحلة ملحمية؛ لذا تأهَّب لما سيأتي.

 

في البدءِ كانت الأرض. منذ ما يقرب من 4.54 مليار سنة، تشكّلت الأرض من صخور وغبار، وبعد ذلك بفترة وجيزة اصطدم بها كوكب آخر صغير، أو ربما العديد من الكواكب الصغيرة؛ أدّى هذا التصادم إلى انصهارِ سطح الأرض، وقذْفِ كتلٍ من المادة في مدارٍ حول الأرض، شكّلت القمر. ولكن يظل التساؤلُ حول مصدر أحد أهم المكونات الحيوية للحياة على الأرض، وهو الماء، محلَّ جدل طويل الأمد. ربما كان كامنًا في الصخور التي شكّلت الكوكب، أو خرجَ في وقتٍ لاحق نتيجةَ اصطدام أحد المذنبات، أو ربما جاء من الفضاء بين النجوم.

 

ليس من الواضح متى تحديدًا بدأت الحياة على الأرض. يقول عالِم الأحياء التطورية، غريغ فورنييه، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، "إن أقدم دليل متّفَق عليه لدينا، هو صخور ستروماتوليت التي اكتشفت في بحيرة ستريلي بوول، في منطقة بيلبرا.

 

اكتشفت تلك الصخور الرسوبية التي تحتوي على كائنات دقيقة يبلغ عمرها نحو 3.4 مليار سنة، في شمال ولاية غرب أستراليا. على الرغم من ذلك، لا يُمكن أن تكون هذه هي أول أشكال الحياة، وذلك لأن الخلايا لها هياكل غشائية معقّدة، وترتبط مع بعضها البعض في سلاسل؛ تبدو وكأنها "نظام بيئي بكتيري معقّد ومتنوع"، كما يصفها فورنييه.

 

     

يُروَّج بانتظام لمزاعم عن اكتشاف حفريات أقدم من ذلك، ويبدو أن أقدم آثار كيميائية للحياة، معروفة حتى الآن، ترجع إلى 4.1 مليار سنة مضت. بَيد أنّ هذه أدلة مثيرة للجدل، ويُعزَى ذلك جزئيًا إلى الاعتقاد بأن وابلًا من النيازك اصطدم بالأرض منذ حوالي 4 إلى 3.8 مليار سنة، مما جعلها غير صالحة للحياة في تلك الفترة.

  

غير أن هذا "القصف الثقيل المتأخر" قد خضع لإعادة التقييم على مدى السنوات القليلة الماضية. وأشارت تقنيات المحاكاة إلى أنه بدلًا من حدوث اصطدامٍ واحدٍ قصيرٍ ومستمر، ظلت النيازك الكبيرة تصطدم بالأرض بمعدّلات منخفضة، حتى منذ ما يقرب من 3 مليار سنة. يمكن أن تسبب هذه الاصطدامات مشاكل للحياة على الأرض، لا أن تمحوها وتطمسها تمامًا.

 

قد يساعد ذلك على توضيح السبب في وجود بعض الاعتراض في شهر أغسطس/آب الماضي، عندما أكّدت عملية حسابية جديدة أنّ أصلَ الحياة على الأرض يرجع إلى 3.8 مليار سنة بالضبط. فقد جمع دافيد بيساني وزملاؤه، من جامعة بريستول بالمملكة المتحدة، بياناتٍ جينية من 102 نوع من الكائنات الحية، وبنوا شجرة عائلة، تُظهر كيف ترتبط هذه الكائنات ببعضها البعض. ثم أخذوا بعض التواريخ المؤكدة من السجل الأحفوري، واستخدموها لمعرفة مدى سرعة حدوث عملية التطور، مما مكّنَهم من تقدير الوقت الذي حدثت فيه بعض المراحل الرئيسية في تاريخ الحياة. وكان من بين تلك المراحل، أصل "الجد المشترك العالمي الأخير" Last Universal Common Ancestor، أو "لوكا" LUCA، وهو كائن وحيد الخلية شبيه بالبكتيريا، عاش، بحسب تقديراتهم، على الأقل منذ 3.9 مليار سنة. ولذا من المنطقي أنّ الكائنات الحية الأولى قد ظهرت على الأرض في وقت سابق، على الأرجح منذ قرب بداية تاريخ الأرض، مما يشير إلى أن الحياة ربما كانت تمضي قُدُمًا بطريقة أسهل مما كان يُعتقَد من قبل.

 

     

لدينا بالفعل فكرة عما بدا عليه لوكا؛ فقد استخدم عددٌ من الفرق البحثية تقنياتٍ جينية مشابهة لتلك التي استخدمها بيساني، لمعرفة أيِّ الجينات كانت موجودة في لوكا، وأيِّها تطوَّر فيما بعد. نُشِر أكثر تلك الأبحاث شمولًا في عام 2016، وهو بحثٌ قام به الباحث ويليام مارتن وفريقه، من جامعة دوسلدورف، في ألمانيا. لقد تمكنوا من تحديد 355 جينًا، يُحتمَل أن لوكا كان يحملها. يشير ذلك إلى أنه عاش في بيئة حارة، واستخدم ثاني أكسيد الكربون لإنتاج الأسيتات الذي كان يمثّل طعامه. بيد أنه لم يمتلك الآليات الضرورية لصنع الأحماض الأمينية، وهي اللبنات الأساسية للبروتين؛ ولذا فعلى الأرجح حصل عليها من البيئة المحيطة. يبدو أن لوكا كان كائنًا حيًّا معقّدًا، لكنه لا يزال يفتقر إلى بعض القدرات الأساسية.

 

تنوعت الحياة على مدى المليار سنة التالية، ووفقًا لدراسة بيساني، فقد حدث أول انقسام كبير منذ 3.4 مليار سنة. أسفر ذلك عن مجموعتين من الكائنات الحية الدقيقة، وهما البكتيريا والعتائق (الجراثيم العتيقة). وعلى الرغم من أنهما يبدوان تقريبًا متشابهان لدرجة يصعب التمييز بينهما تحت المجهر، فإنّ لدى كل منهما عمليات كيميائية حيوية متباينة. وعلى وجه الخصوص، تطورت أنواع عديدة من العتائق لتتمكّن من العيش في ظروف قاسية، مثل درجات الحرارة المرتفعة. كما أنها تتغذّى بطرق غير عادية، بما في ذلك طريقة فريدة تعرف بـ"توليد الميثان"؛ إذ تستخدم تلك الكائناتُ الدقيقة، التي تُسمّى "مولِّدات الميثان"،  إمّا ثاني أكسيد الكربون أو حمض الأسيتيك لإنتاج الطاقة، مُطلِقةً غاز الميثان كمنتَج ثانوي. وقد لعب تطور تلك الكائنات دورًا رئيسيًا في تاريخ الحياة على الأرض.

 

استطاع فورنييه وتلميذه جو وولف الآن، تحديد الوقت الذي نشأت فيه مولّدات الميثان. وباتّباع نهج مشابه لنهج بيساني في دراسته، تمكنا من تقدير ظهور آلية توليد الميثان لدى بعض العتائق، منذ 3.5 مليار سنة. وقد دعمت المواد الكيميائية الموجودة في الصخور، التي أشارت إلى وجود غاز الميثان في الهواء آنذاك، هذا التاريخ المبكّر المثير للدهشة. يتوافق ذلك أيضًا مع بعض التغيرات الكونية التي كانت تحدث. يقول وولف "تقترح أنماط الغلاف الجوي أن الأرض كان بها مياه سائلة خلال ذلك الوقت، ولكننا نعلم أن الشمس لم تكن بنفس السطوع التي هي عليه الآن. ولذا لا يُمكن أن تكون حرارة الشمس وحدها هي التي أذابت الجليد".

  

خلال أول ملياري سنة من تاريخ الأرض، لم يكن هناك أكسجين حر في الغلاف الجوي

مواقع التواصل الاجتماعي
  

 ولكن وجود الميثان، الذي يعتبر من أقوى الغازات الحابسة للحرارة، قد ساعد على ذلك. ولذلك، يبدو أن العتائق هي أولى الكائنات الحية التي أثّرت على مناخ الأرض. ومن خلال إبقاء الكوكب دافئًا، فقد دعمت بقية النظام البيئي الأوّلي أيضًا.

 

اتسمت مولّدات الميثان بأنها كائنات ذات طبيعة تطورية، ولكنها اتبعت طريقة غير فعالة للتغذية. وكشف بحث نُشر في أبريل/ نيسان الماضي، كيف طورت الحياة تدريجيًا طرقًا أفضل لتغذية نفسها؛ فقد اعتمدت في البداية على التفاعلات الكيميائية التي أنتجت القليل من الطاقة، بما في ذلك مولدات الميثان. وبعد ذلك، طورت بعض أنواع العتائق القدرة على استخدام الكبريت، الذي يُعدّ مصدرًا أفضل للطاقة. ثم بدأت أنواع أخرى في استخدام عنصرًا أكثر فاعلية، وهو الأكسجين. ولكن لم يكن ذلك ممكنًا قبل وجود الأكسجين في الهواء.

 

فمن أين ظهر الأكسجين على سطح الأرض؟

خلال أول ملياري سنة من تاريخ الأرض، لم يكن هناك أكسجين حر في الغلاف الجوي. بل كان مُرتبطًا مع المعادن، والمواد الكيميائية الأخرى، لأنه يتفاعل بسهولة مع العناصر المختلفة. بيد أن ذلك كله تغير منذ 2.4 مليار سنة، مع وقوع "حدث الأكسجة الكبير".

 

    

كانت القوة الدافعة لذلك، هي ظهور البكتيريا الزرقاء، التي تستمدّ طاقتها من ضوء الشمس. في واقع الأمر، طورت أنواع أخرى من البكتيريا القدرة على التمثيل الضوئي منذ ما يقرب من 3.5 مليار سنة. ولكن البكتيريا الزرقاء كانت الأولى في استخدام الطاقة المستمدة من ضوء الشمس لدمج ثاني أكسيد الكربون والماء لإنتاج السكر، مُطلقةً غاز الأكسجين كمنتَجٍ ثانوي لعملية الأيض. وبفضل ذلك، أصبحت ثاني الكائنات الحية ذات التأثير الشامل على الكرة الأرضية.

  

صار الهواء الآن مُحمّلًا بالأكسجين، ولكن بمستوياتٍ أقل بكثير مما هي عليه اليوم، وظلت منخفضة لما يزيد عن مليار سنة. بيد أن الأكسجين ساعد على تحفيز أحد أكثر الأحداث إثارةً في تاريخ الأرض؛ وهو العصر الجليدي، الذي كان شديدًا لدرجة أن الكوكب بأكمله، أو معظمه، تجمّد تمامًا.

  

بدأت حقبة "الأرض الجليدية" الأولى هذه، مباشرة بعد ظهور الأكسجين في الهواء، واستمرت حتى 2.1 مليار سنة مضت. لعب الأكسجين الموجود في الغلاف الجوي دورًا، من خلال تفاعله مع الميثان الناتج من مولّدات الميثان، مما أدى إلى الحد من تأثير الميثان الحابس للحرارة. السبب الثاني يُعزى إلى ظهور القارات الكبيرة الأولى، ولأنّ لونها شاحبٌ أكثر من البحار، فقد عكست الكثير من حرارة الشمس مرة أخرى إلى الفضاء. وأخيرًا، أدّت التفاعلات الكيميائية المرتبطة بانحلال السلاسل الجبلية المتشكلة حديثًا، بفعل العوامل الجوية، إلى إزالة غاز آخر من الغازات الحابسة للحرارة، وهو ثاني أكسيد الكربون، من الهواء.

 

 

لقد اعتدنا على التفكير في الأكسجين باعتباره مادة أساسية للحياة، مع أنه كان في البداية شكلًا مميتًا من أشكال التلوث، وربما سبّب تراكمُه في الهواء الانقراضَ الجماعي الأول. اليوم، يُعتبر الأكسجين سامًا "للكائنات اللاهوائية"، وهي نوع من أنواع الكائنات الحية التي تعيش في بيئات خالية من الأكسجين؛ لذا فمن المفترض أن الأكسجين كان قاتلًا للعديد من الكائنات الحيَّة الدقيقة القديمة، كما يقول فورنييه.

 

بالإضافة إلى ذلك، دمّر الجليد أيضًا في حقبة "الأرض الجليدية" العديد من عوائل الكائنات الحيَّة الدقيقة. ومع ذلك، فإن سجل الحفريات الميكروبية، قليل للغاية لدرجة أنه لا يُظهر ذلك. وأضاف "لا يوجد طريقة عملية للكشف عن حدوث انقراض جماعي ميكروبي".

 

مليار سنة لم تكن مملة للغاية

على إثر تلك الاضطرابات المُرّوعة، حلت على الأرض فترة من الهدوء، أو هكذا اعتقدنا. تُملي الحكمة التقليدية أنه مع استقرار أحوال المناخ، وانخفاض مستويات الأكسجين؛ على عملية التطور أن تتوقّف. كان يُنظر إلى تاريخ الحياة باعتباره مملًا للغاية، لدرجة أن الفترة بين 1.8 مليار سنة و800 مليون سنة مضت، كان يُطلق عليها "المليار سنة المملّة". في الواقع، لم يكن الأمر كذلك أبدًا؛ إذ أنجزت الحياة اثنين من أكبر تطوراتها. ووفقًا لبحث صدر حديثًا، ربما كانت هذه الإبداعات التطورية نتيجة لارتقاء الكائنات الحية إلى مستوى التحدي المتمثل في التأقلم مع العناصر الغذائية المحدودة.

  

تتسم الخلايا حقيقية النواة بأنها أكبر حجمًا، وأكثر تعقيدًا من أيٍ ممّا سبقها

مواقع التواصل الاجتماعي
 

أيًا كان السبب، فقد مثل ظهور نوعٍ جديدٍ من الكائنات الحية، يُسمى حقيقيات النوى، أوّلَ طفرة كبيرة تشهدها الحياة على الأرض. وفقًا لتقديرات دراسة بيساني، فقد حدث ذلك ما بين 1.8 و1.2 مليار سنة مضت، في أوج حقبة المليار سنة المملة.

 

تتسم الخلايا حقيقية النواة بأنها أكبر حجمًا، وأكثر تعقيدًا من أيٍ ممّا سبقها. تتميز تلك الخلايا بغشاءٍ داخلي معقد، وتحفظ مادتها الجينية داخل غشاء يُسمى النواة، وتحتوي على عُضيّات دقيقة تشبه النقانق، تسمى الميتوكوندريا، تمد الخلايا بالطاقة. يُمكن فقط للخلايا حقيقية النواة أن تكون كائنات حية معقدة متعددة الخلايا، مثل النباتات، والحشرات، والبشر، إذ لا يُمكن للخلايا البكتيرية ولا العتائقية أن ترتبط معًا بهذه الطرق الذكية الصعبة؛ ولذا تُعدّ نشأةُ حقيقيات النوى واحدةً من أهم الأحداث في تاريخ الحياة.

 

لم تنشأ حقيقيات النوى نتيجة للمنافسة الدّافعة لعملية التطور؛ بل نتيجةً للتعاون. في مرحلة ما، لا بدّ وأن أحد أنواع العتائق قد ابتلع أحد أنواع البكتيريا، وتمكّن كلاهما من العيش معًا باعتبارهما كائنًا واحدًا، لتكون خلية العتائق، أول شكل من أشكال الميتوكندريون. لا تزال الكيفية الدقيقة لحدوث ذلك محل جدال. قد نعرف المزيد قريبًا، بدراسة مجموعة من الكائنات الحية التي اكتُشفت حديثًا تُسمى "عتائق أسجارد"؛ أقرب الكائنات بسيطة التركيب الخلوي لِحقيقيات النوى.

  

     

ومع ذلك، يبدو أنّ عملية خلق الحياة المعقدة كانت حدثًا استثنائيًا، وقع مرة واحدة فقط. لو صدق الأمر، فسوف يترتب عليه آثارٌ كَونية. وهذا يعني أنه على الرغم من أن الكواكب الأخرى قد تكون مُوطنًا للخلايا البسيطة، فإنه يُمكنها أن تنمو وتزدهر لدهور، دون ظهور شكل من أشكال الحياة المعقدة على الإطلاق.

 

مع تطوّر حقيقيات النوى، يُمكن أن تشهد الحياة على الأرض طفرة كبيرة أخرى، وأن تصبح متعددة الخلايا. إذًا متى حدث ذلك؟ حتى حقبة الخمسينات من القرن الماضي، كانت أقدم الكائنات الحية مُتعددة الخلايا المعروفة لنا تعود إلى العصر الكامبري، الذي بدأ قبل 541 مليون سنة مضت. ثم اكتشف بعض أطفال المدارس البريطانيين حفرية، لكائن حي غريب مُتعدّد الخلايا عاش في الفترة ما بين 635 إلى 542 مليون سنة مضت، وكانت أول أحفورية من العصر الإدياكاريّ يُتعرّف عليها. لطالما اتسمت طبيعة هذه المجموعة من الكائنات بالغموض! في حين تشير دراسة حديثة إلى أن أحد هذه الكائنات، يسمى ديكينسونيا، كان حيوانًا، وهو أقدم الحيوانات المعروفة، منذ نصف مليار سنة. بيد أن الحيويّات الإدياكاريّة لم تكن أول الكائنات الحية متعددة الخلايا.

 

في عام 2016، وصف فريق بقيادة شيكسينغ جو، من هيئة المساحة الجيولوجية الصينية، كُتلًا مستطيلة ولسانية الشكل، بلغ طولها قرابة 30 سنتيمترًا، بدت وكأنها أعشاب بحرية بدائية، وجدت في الصخور الصينية التي يرجع تاريخها إلى 1.56 مليار سنة.

  

 

وقد كشفت بقايا من المادة الخلوية المحفوظة، أن الخلايا مُنظمة على شكل صفائح مرصوصة بإحكام، وليس على هيئة مستعمرات عشوائية، ما يشير بقوة إلى أنها كائنات حية حقيقية متعددة الخلايا. وهذا العام، وجدت دراسة تتبعية أنه قبل 1.57 مليار سنة مضت، كانت مستويات الأكسجين في المحيط الذي عاشت فيه تلك الكائنات منخفضة، ثم ارتفعت المستويات، ما يشير إلى أنّ الأكسجين الإضافي هو ما مكّنها من النمو بشكل أكبر وأكثر تعقيدًا.

 

لطالما تساءل الناس: لماذا استغرقت الكائنات الحية متعددة الخلايا وقتًا طويلًا كي تتطور؟ أمّا الآن فلدينا لغزٌ جديدٌ: لماذا استغرقت هذه الكائنات مليار سنة كي تتطور إلى أشكال أكثر تعقيدًا من الحيويّات الإدياكاريّة؟ ربما كان ينبغي على مستويات الأكسجين أن ترتفع أكثر. أو ربما تباطأ مسار التطور نتيجة لحقبة ثانية من "الأرض كرة الثلج" (نظرية جيولوجية تاريخية تفترض أنه مرّ على الأرض عصرٌ كانت الأرض جميعها مغطاة بطبقة من الجليد)، التي حدثت في الفترة بين 720 و635 مليون سنة مضت. ومع ذلك، يظهر سجل الأحفوريات المجهرية أدلةً قليلةً، على أنّ أنواع الكائنات الحية قد أُبيدت في ذلك الوقت. في الواقع، ذهب البعض إلى أن بعض الكائنات الحية نمَت وازدهرت على سطح الأرض المُغطى بالجليد.

 

لذا، لا تزال هناك أسرار، ولا تزال العصور المظلمة للحياة غيرَ مكتَشفةٍ بالكامل. ولكننا نعرف أكثر بكثير مما كنا نعرفه قبل بضع سنوات. ومن الواضح أن الحياة كما نعرفها الآن، لن تكون موجودة بدون جميع الإبداعات التطورية التي حدثت خلال أول 3.5 مليار سنة من التطور.

----------------------------------------------------

ترجمة (فريق الترجمة)

هذا التقرير مترجم عن: New Scientist ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار