انضم إلينا
اغلاق
أميركا تتجمد وأستراليا تشتعل.. ما الذي حدث للكوكب هذا الأسبوع؟!

أميركا تتجمد وأستراليا تشتعل.. ما الذي حدث للكوكب هذا الأسبوع؟!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

هل تشعر بأن الطقس بارد هذه الأيّام؟ ربما يكون الأمر أقل قسوة في دول الخليج العربي وشمال أفريقيا، أما لو كنت تسكن في مناطق تقع ضمن(1) بلاد مثل لبنان، فلسطين، الأردن، سوريا، فالأمر بالتأكيد لا يمكن تحمله في بعض الأحيان، حيث انخفضت درجات الحرارة لأرقام قياسية وتساقطت الثلوج في أماكن كثيرة ووصلت سرعة الرياح الباردة إلى مئة كيلومتر في الساعة، وأعلنت بعض الحكومات حالات التأهب، وأغلقت بعض الموانئ، على أثر وصول "العاصفة القطبية" الباردة محيط شرقي البحر الأبيض المتوسط منتصف يناير/كانون الثاني، قبل أسبوعين فقط.

 

أما في الولايات المتحدة الأميركية(2) وكندا وأوروبا، فقد كان الأمر أكثر قسوة لدرجة جعلت منه الطقس الأسوأ في تاريخ البلاد منذ ربع قرن مضى، في بعض الولايات أغلقت المدارس وأُلغيت مئات الرحلات الجوية على أثر انخفاض الحرارة شمالي البلاد إلى أربعين درجة تحت الصفر، أدّى هذا الطقس التاريخي إلى تهديد لحياة 200 مليون إنسان، وقد مات بالفعل نحو 17 إلى 21 شخصا خلال الأيام القليلة الماضية، تجمدت الأنهار والبيوت على أثر ارتفاع الثلوج في الشوارع، وأصبح وجودك لأكثر من ساعة في الخارج هو مواجهة مباشرة مع الموت.

 

الجانب الآخر للعالم

الآن دعنا ننتقل إلى الجانب الآخر من الكوكب في أقصى الجنوب، حيث أعلن مكتب الأرصاد الجويّة الأسترالي(3) قبل عدة أيّام أن شهر يناير/كانون الثاني الفائت قد سجل رقما قياسيا يجعل منه الأكثر دفئا في تاريخ البلاد، حيث تخطّى متوسط درجات الحرارة الـ 30 مئوية وهي المرة الأولى في التاريخ التي يحدث فيها ذلك، وفي التصريح الرسمي للمكتب قال الدكتور أندرو واتكينز، كبير علماء الأرصاد، إن "حرارة يناير/كانون الثاني كانت غير مسبوقة"، مشيرا إلى أن بعض المناطق مثل بورت أوجستا قد سجلت 49.5 مئوية، بينما سجلت المناطق الأخرى درجات حرارة فوق الأربعين معظم أيام الشهر. في يناير/كانون الثاني الفائت كان يمكن أن تسافر بين مدينة في شمال أميركا وأخرى في أستراليا لتختبر فارقا في الحرارة قدره مئة درجة!!

 

من جهة أخرى فقد واجهت معظم مناطق أستراليا أزمة في أمطار هذا الموسم، حيث تلقت فقط 20% من النسبة الطبيعية، في هذه الأجواء الجافة(4) لقي عدد ضخم من الحيوانات والطيور مصرعه، كذلك أعلنت السلطات المحلية عن رفع معايير الحذر وطالبت المواطنين بالبقاء في البيوت، وأغلقت العديد من المؤسسات أبوابها بسبب الطقس غير المتحمل، وازداد الأمر سوءا بعد أن ظهرت حرائق الغابات في بعض المناطق ما أدّى إلى انتشار الآلاف من رجال الإطفاء للسيطرة على الأمر.

 


وفي التصريح الرسمي(5) لمكتب الطقس الأسترالي أشار واتكينز إلى أن هناك علاقة واضحة بين هذا المناخ القاسي وارتفاع متوسطات درجات الحرارة في أستراليا خلال قرن مضى بسبب التغير المناخي لأكثر من درجة كاملة، لكن ربما سيكون السؤال الذي يجول ببالك حاليا، قبل كل شيء له علاقة بالمناخ، هو: لِمَ ترتفع درجة الحرارة في أستراليا ونحن في الشتاء؟!

 

في الحقيقة لا يعرف الكثيرون(6) أن مناخ الأرض لا يتحدد، بأكبر صورة، عبر اقتراب الأرض أو ابتعادها عن الشمس في أثناء دورتها السنوية، بل ميل الأرض هو ما يفعل ذلك، نحن نعرف أن الأرض تميل على الأفق بمقدار نحو 23.4 درجة، حينما تكون الأرض مائلة ناحية الشمس يصبح الصيف في نصف الكرة الشمالي، في المقابل يكون جنوب الأرض مبتعدا عن الشمس، وهو ما يجعله شتاء في نصف الكرة الجنوبي.

 

طقس سيئ بكل مكان، والسبب؟!

ما حدث خلال يناير/كانون الثاني وأول أيام فبراير/شباط هو حالات شاذة من الظروف المناخية تُدعى "موجات(7) باردة" (Cold Waves) شمالا، و"موجات حارة"(8) (Heat Waves) جنوبا، وكلاهما -ببساطة- حيود واضح، سواء بالارتفاع أو الانخفاض، عن متوسط درجات الحرارة في مكان ما، نحتاج هنا إلى أن نوضح أن درجات الحرارة التي تعد عادية في بعض المناطق قد تُمثّل موجة حارة بالنسبة لمناطق أخرى، حيث يتوقف تعريفنا للموجة الحارة أو الباردة على المعدلات الطبيعية للمنطقة التي نتحدث عنها.

 

في الوطن العربي، على سبيل المثال، تلقّينا في الصيف الفائت موجة حارة ارتفعت فيها درجات الحرارة بدول كالعراق، والكويت، والسعودية عن حاجز الـ 50، تلك إذن موجة حارة، لأن ذلك ليس طبيعيا في هذه المناطق، أما في الشتاء الحالي فقد وصلت درجات الحرارة ببعض المدن العربية إلى صفر أو 1 أو 2 وهي درجات حرارة غير معتادة في تلك المناطق، في تلك الحالة تكون تلك موجة باردة.

 

كلتا الحالتين، الموجات الحارة والباردة التي تحدث حاليا، هي عرض رئيسي لشيء واحد فقط نعرفه جميعا باسم "الاحترار العالمي"، في تلك اللحظة ربما قد تتساءل بدرجة من التعجب الواضح عن السبب في ذلك، من المفترض أن احترار المناخ يرفع درجات الحرارة، لذلك فالموجات الحارة قد تكون مفهومة في هذا الإطار، لكن كيف يمكن للاحترار العالمي أن يتسبب في موجات باردة؟ ألا يتناقض ذلك من الأساس مع فكرة الاحترار؟

 

ارتفعت معدلات وقسوة حالات التطرف والشذوذ المناخي، كالموجات الحارة في العام الفائت وارتفاع معدلات العواصف الترابية كما حدث في الوطن العربي

رويترز
 

في الحقيقة، فإن هذا الفهم الخاطئ لطبيعة التغير المناخي هو المشكلة الرئيسية التي يواجهها الخبراء مع الجمهور العام، حينما تعلن وسائل الأخبار عن أن الاحترار العالمي يتخطّى حاليا حاجز الدرجة ونصف في متوسط حرارة الكوكب يتصوّر الناس أن الأمر ليس بالحجم الكافي لكل تلك الضجة، هل هناك مشكلة إن كانت درجات الحرارة في الصيف هي 35 مئوية ثم انتقلت لتصبح 36.5 مئوية؟ ذلك أمر بسيط لن نشعر به بينما نجلس لتناول طعام الغداء في المنزل، أليس كذلك؟

 

نعم، الأمر ليس كذلك للأسف، هذة الفكرة لا تعبر بأي حال عن الواقع(9)، لأن هذا لا يعني فقط أن ترتفع درجات الحرارة عن المعدلات قبل مئتي سنة، بل يعني أيضا ارتفاع معدلات وقسوة حالات التطرف والشذوذ المناخي كالموجات الحارة في العام الفائت، أو الموجات الباردة التي يشهدها العالم حاليا، أو الأعاصير شديدة القسوة كإيرما وهارفي العام قبل الفائت، أو ارتفاع معدلات العواصف الترابية كما حدث في الوطن العربي قبل عدة أعوام.

 

أجراس الخطر

دعنا نتخيّل أن النظام المناخي هو مجموعة مكوّنة من 1000 جرس، مرتبة بجانب بعضها البعض في مربع ضخم مساحته عشرة فدادين، كل جرس من هذه الأجراس حسّاس للصوت في نطاق 50 متر مربع، ما إن يستمع لأي صوت حتّى يقوم هو الآخر بإطلاق صوت. في تلك الحالة، حينما يعمل جرس واحد فقط فسوف يثير انتباه الجرس المجاور، والذي سيثير انتباه محيطه، وهكذا تستمر موجة الصوت المرتفع في التصاعد شيئا فشيئا، هكذا هو الوضع في حالة المناخ، مع الاستقرار لا يحدث شيء، لكن مع الاضطراب، مهما كان طفيفا، يتأثر كل شيء.

 

أضف إلى ذلك أن الأنظمة المناخية هي أنظمة معقدة(10) (Complex Systems)، ما يعني أنها تعتمد بشدة على الظروف صغيرة التأثير، هذا هو ما نعرفه جميعا باسم "تأثير الفراشة" والذي يقول، في صورته الأدبية، إن حدثا صغيرا كرفرفة جناح فراشة في الصين قد يتسبب في إعصار بالولايات المتحدة، والقصد هنا هو أن تلك الأحداث الصغيرة تنمو شيئا فشيئا لتؤثر في كل شيء بمحيطها ما يعطيها دفعة أكبر للنمو، وهكذا يستمر النمو حتّى يصبح تأثيرها كارثيا.

 


دعنا، لفهم تلك النقطة تحديدا، نتحدث عن العلاقة بين التغير المناخي وما يحدث حاليا شمالي العالم من موجات باردة، سبب تلك الموجات(11) هو دوامة قطبية ظلت ثابتة نسبيا فوق قارة أميركا الشمالية. في الحالة العادية، يتدفق الهواء منها بسرعة عالية جدا بسبب تباين درجة الحرارة والضغط الكبير بين القطب الشمالي والمناخات الأكثر دفئا بالأسفل، وتحافظ تلك السرعة على الدوامة القطبية في مكان ثابت بطبقة الستراتوسفير فوق القطب الشمالي تحديدا.

 

لكن الآن، مع ارتفاع درجة حرارة الأرض، تقلصت فروق درجات الحرارة والضغط بين القطب الشمالي والمناخات الأكثر دفئا بالأسفل، مما أدى إلى إضعاف سرعة التيّار النفاث، بالتالي أدى ذلك إلى تشويه الدوامة القطبية، ما دفعها للانقسام والتحرك ناحية الأسفل شيئا فشيئا، وسط كندا والمناطق الشمالية والوسطى للولايات المتحدة بشكل رئيس، هنا انطلق الهواء شديد البرودة ليحل مكان الهواء الأكثر دفئا حاملا معه رياحا باردة عاتية، ما دفع الطقس لظروف برودة تاريخية.

 

أما بالنسبة للموجات الحارة التي تضرب الآن جنوبي العالم فيمكن أن نفهمها في إطار الفكرة نفسها، وفي دراسة(12) نُشرت قبل نحو العامين في مجلة "ساينز أدفانسز" (Science Advances)، تربط بين الارتفاع السريع بمقدار 0.5 درجة مئوية في متوسط درجات الحرارة بالهند خلال الفترة بين 1960 و2009 وارتفاع معدلات ضرب الموجات الحارة لها بمقدار 50% في بعض المناطق، بذلك ارتفعت احتمالات حدوث حالات الوفاة المرتبطة بالموجات الحارة لتصل إلى 146%، هنا دخلت دول كالهند وباكستان في نطاق موجات الحر القاتلة، ويعني ذلك ارتفاع حالات الوفاة بسبب الموجة الحارة عن 100 شخص.


 

أكثر تعقيدا مما تظن

كما ترى، فإن الأمر يكون دائما غير مباشر، ويظهر الأثر الكارثي في كل مرة أسرع وأكثر قسوة مما نتوقّع. إن المشكلة الأساسية التي تواجه البحث العلمي في مجال التغير المناخي هي أننا نقف أمام أنظمة فوضوية معقدة، كما تحدثنا منذ قليل، تتأثر بعوامل عدة لا يمكن لنا أن نجمعها بالكامل، كذلك تؤثر عوامل غاية في التفاهة بحيث لا يمكن أن ندركها في مستويات خطورة لا يمكن أن نتوقعها، كذلك تظهر النتائج دائما بطرق إحصائية لا يمكن للمواطن العادي أو حتى رجل السياسة أن يتقبلها، فالجميع يريدون معلومات بطريقة 1 + 1 = 2.

 

لهذا السبب ينشأ الجدل العالمي الواسع حول علاقة النشاط البشري الصناعي بالاحترار العالمي، وتستغل دول عدة تلك المشكلة من أجل مكاسب سياسية واقتصادية، لكن المشكلة هنا هي أن التغير المناخي يحدث بالفعل، ويحدث دائما بشكل مفاجئ وبوتيرة متصاعدة، لقد أصبح ذلك مؤكدا ولا يمكن تجنبه، نحن الآن نعرف(13) أن 97% من الدراسات في النطاق البحثي القائم على التغير المناخي يشير إلى وجود علاقة واضحة بين التغير المناخي والنشاط البشري. 

 جيمس هانسن (James Hansen) الفيزيائي السابق من وكالة ناسا وصاحب اللقب الشهير "أبو التوعية بالتغير المناخي"  (رويترز)


رغم ذلك، يبقى التخبط في القضايا المناخية قائما بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس، حتّى إن جيمس هانسن(14) (James Hansen) الفيزيائي السابق من وكالة ناسا وصاحب اللقب الشهير "أبو التوعية بالتغير المناخي" قد صرح قبل عدة سنوات بأنه لا حل مباشر إلا بمقاضاة الشركات الكبرى المسؤولة عن بث ثاني أكسيد الكربون في غلافنا الجوّي، حيث -صدّق أو لا تُصدّق- إن هناك مئة شركة فقط في العالم هي المسؤولة عن بث 71% من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

 

لكنّ بصيصا من الأمل يطل برأسه حاليا، حيث أصبحت موضوعات التغير المناخي شيئا فشيئا حديثا رائجا بين الناس على وسائل التواصل الاجتماعي وبرامج التلفاز وأفلام السينما (First Reformed على سبيل المثال). لكن على الرغم من ذلك فنحن لا نجد بعد ضغطا واضحا على الإدارات السياسية بحيث تستجيب لتلك الكوارث، لذلك فالإجابة عن السؤال القائل: "هل سيتوقف الأمر عند هذا الحد؟" هي: لا، للأسف يخبرنا هذا النطاق البحثي أن القادم أسوأ بفارق شاسع.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار