انضم إلينا
اغلاق
ببغاء تعلّم 900 كلمة وقطط تطلق نداءات خاصة.. هل الحيوانات واعية بما تفعل؟

ببغاء تعلّم 900 كلمة وقطط تطلق نداءات خاصة.. هل الحيوانات واعية بما تفعل؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

في خضم زحام البشر في الجزء القديم من مدينة دلهي الهندية، على حافة سوق شُيّد في القرون الوسطى، يرتفع فوق متاهة الأكشاك المضاءة بالنيون والأزقة الضيقة بناء أحمر اللون مكون من ثلاثة طوابق وضعت على سطحه أقفاص فيما تُعلن لافتة على الطابق الأعلى أنه "مستشفى للطيور".

  

في يوم حار من الربيع الماضي، قمت بخلع حذائي عند مدخل المستشفى وتوجهت إلى ردهة الطابق الثاني، حيث كان موظف في أواخر العشرينيات من عمره يستقبل "المرضى". أتت امرأة مسنة لتضع صندوق أحذية أمامه ثم قامت برفع غطائه، كاشفة عن ببغاء أبيض مدمى، ضحية لهجوم قطة غاشمة. أما الرجل الذي كان أمامي في الطابور، فكان يحمل في قفص صغير حمامة كانت قد اصطدمت بناطحة سحاب زجاجية في الحي المالي في المدينة. كما رأيت فتاة قد تكون في السابعة من عمرها تخرج خلفي وهي تمسك بيديها دجاجة بيضاء ذات عنق متدليّة.

  

كان الجناح الرئيسي بالمستشفى عبارة عن غرفة ضيقة طولها ١٢ مترا تحتوي على أقفاص وُضعت فوق بعضها على طول الجدران وعلى مراوح مثبّتة في السقف شفراتها مغطاة بشبكات معدنية لمنع الطيور من أن تعلق فيها. قمت بالتجوال في الغرفة وأجريت تعدادا تقريبيا للطيور فيها. بدت الكثير من الأقفاص كأنها فارغة في البداية، ولكنني عندما اقتربت منها، وجدت فيها طيورا من الحمام في الغالب، رابضة في الظلام.

   

  

كان أحد الأطباء البيطريين اليافعين في المستشفى، ديراج كومار سينغ، يقوم بجولاته مرتديا الجينز وقناعا جراحيا. أما البيطري الأقدم سنا هنا فقد عمل في النوبة الليلية لأكثر من ربع قرن، حيث قضى عشرات الآلاف من الساعات في إزالة الأورام من الطيور، والتخفيف من آلامها باستخدام الأدوية، وإعطائها المضادات الحيوية. كان سينغ حديث الخبرة بالمقارنة، لكنك لن تلاحظ ذلك من الطريقة التي يتفقد فيها الحمام، التي يقلبها في يديه، بسرعة ولكن برفق، بالطريقة نفسها التي قد يتعامل بها الواحد منا مع هاتفه المحمول. خلال حديثنا، قام بالإشارة إلى أحد مساعديه، الذي قام بجلب ضمادة من النايلون قام بعدها بلفّها مرتين حول جناح حمامة، قبل أن يضع الطير جانبا.

 

مستشفى الطيور هذا هو واحد فقط في شبكة من المستشفيات البيطرية التي بناها أتباع الطائفة الجاينية، وهي ديانة قديمة تحظر أذية ليس فقط البشر، بل كافة الحيوانات أيضا. توضح سلسلة من اللوحات في ردهة المستشفى مدى الأهمية التي يعطيها الجاينيون لهذه الوصية. تظهر اللوحات هذه ملكا من القرون الوسطى يرتدي ثيابا زرقاء وهو ينظر من خلال نافذة القصر إلى حمامة تقترب، جناحها ملطخ بالدماء وصقر بني اللون يلاحقها. يسحب الملك الطير الصغير إلى القصر، مما يثير غضب الصقر، الذي يطالبه بتعويضه عن الوجبة التي فقدها للتو، فيقوم الملك بقطع ذراعه وتقديمها إليه لإطعامه!

  

كنت قد أتيت إلى مستشفى الطيور، وإلى الهند نفسها، لأرى بأم عيني التطبيق العملي لأخلاقيات الجاينيين. يشكّل أفراد هذه الطائفة أقل من ١% من سكان الهند. لكنهم على الرغم من آلاف من السنين قضوها في انتقاد الأغلبية الهندوسية، فقد اكتسبوا القدرة على التأثير على أولئك الذين هم في السلطة. خلال القرن الثالث عشر، استطاعوا إقناع ملك هندوسي باعتناق معتقداتهم، وأقنعوه بتطبيق قوانين رعاية الحيوانات التي قد تكون الأولى من نوعها في شبه القارة الهندية. وتوجد أدلة تشير إلى أن الجاينيين قد أثروا على بوذا نفسه. وعندما طور غاندي أفكاره الأكثر جذرية حول اللاعنف، كان لصديق له من الطائفة دور كبير في التأثير عليه وإلهامه.

  

  

في ولاية غوجارات، حيث نشأ غاندي، رأيت رهبانا جاينيين يسيرون حفاة في ساعات الصباح الباردة لتجنب التنقل بالسيارة، وهو نشاط يعتبرونه نوعا من العنف المحظور، نظرا للضرر الذي يلحقه بالكائنات الحية، من الحشرات إلى الحيوانات الكبيرة. يرفض الرهبان أكل الخضراوات الجذرية، خشية أن تؤّدي إزالتها من الأرض إلى الإضرار بالنظم البيئية الجوفية الحساسة. أما أرديتهم البيضاء فهي مصنوعة من القطن، وليس الحرير، الذي تتطلب صناعته الفتك بدود القز. خلال موسم الأمطار يمتنع الجاينيون عن السفر، لتجنب المشي في البرك المليئة بالميكروبات، التي افترض الجاينيون وجودها لزمن طويل قبل اكتشافها تحت المجاهر الغربية.

  

يمشي الجاينيون في الأرض بهذا اللطف لأنهم يعتقدون أن الحيوانات كائنات واعية تختبر، بدرجات متفاوتة، عواطف مشابهة لعواطف الإنسان مثل الرغبة، والخوف، والألم، والحزن، والفرح. لفترة طويلة، لم تكن تحظى الفكرة القائلة بأن الحيوانات لديها وعي بقبول كبير في الغرب، لكنها مؤخرا بدأت تتمتع بتأييد متزايد بين العلماء الذين يدرسون الإدراك الحيواني. ولا يتعلّق ذلك فقط بالأمثلة الجلية، مثلا القرود، والكلاب، والأفيال، والحيتان، وغيرها من الحيوانات المعروفة بذكائها. بل يجد العلماء عددا متزايدا من الدلائل التي تشير إلى وجود حياة عاطفية غنية حتى لدى المخلوقات الغريبة على أطراف شجرة الحياة. ففي السنوات الأخيرة، أصبح من الشائع أن نقرأ قصصا مثل أن أخطبوطا يستخدم أذرعه لفتح غطاء جرّة أو رش ماء من حوضه عمدا على وجه أحد الباحثين البشر في المختبر! بالنسبة للعديد من العلماء، لم يعد السؤال إذًا أي الحيوانات لديها وعي وإدراك، بل أيّها ليس لديه هذا الإدراك.

  

لا يوجد أي شيء في عالمنا بمثل غموض ظاهرة الوعي، أي حالة الإدراك التي تحفّز كل لحظة من يقظتنا، والإحساس بأننا نعيش في جسم داخلي في عالم أكبر مليء بالألوان، والأصوات، والأشياء القابلة للمس، كل ذلك يتم التعامل معه من خلال الأفكار والعواطف. حتى في عصرنا العلماني الطابع، فإنه لا يزال لمسألة الوعي بُعدٌ روحي غامض. ويتم وصف هذه المسألة بأنها تُمثّل آخر حدود العلم، ونوعا من السحر غير المادي الذي يتجاوز قدرة العلوم على تفسيره. أخبرني دايفيد تشالمرز، أحد أكثر الفلاسفة احتراما في العالم، في إحدى المرّات أن الوعي يمكن أن يكون سمة أساسية للكون، مثل الزمكان أو الطاقة. وقال إنه قد يكون مرتبطا بالعالم الكمي غير الواضح وغير المحدد، أو حتى شيء غير مادي.

   

كان كل عام جديد يجلب معه مجموعة من الدراسات البحثية الجديدة، والتي كانت مجتمعة تشير بالفعل إلى وجود الوعي لدى العديد من الحيوانات

مواقع التواصل الاجتماعي
  

يتم اللجوء إلى هذه التفسيرات الميتافيزيقية لأن العلماء لم يقدموا بعد تفسيرا مرضيا لماهية الوعي. نحن نعلم أن الأنظمة الحسية في الجسم ترسل معلومات عن العالم الخارجي إلى أدمغتنا، حيث تتم معالجتها بطريقة متسلسلة عبر أنظمة عصبية متناهية التعقيد. لكننا لا نعرف كيف يتم دمج هذه الإشارات لتكوّن صورة شاملة ومرتبة ومستمرة لتدفق اللحظات التي يمر بها الكائن الحي ذو الاهتمام المتجول، أو "الشاهد"، كما يسميه الفلاسفة الهندوس.

  

في الغرب، كان الاعتقاد السائد منذ فترة طويلة هو أن الوعي هدية منحها الله فقط للإنسان. كان الفلاسفة الغربيون تاريخيا يتصورون الحيوانات غير البشرية على أنها آلات عديمة الشعور. حتى بعد أن أثبت داروين صلتنا البيولوجية بالحيوانات، اعتقد العديد من العلماء أن تطور الوعي كان حدثا مستجدا، وأن العقل الأول كان قد استيقظ في وقت ما بعد أن انفصلنا عن قردة الشمبانزي والبونوبو وليس قبلها. وفي كتابه الذي نُشر عام ١٩٧٦، "أصل الوعي في تحليل العقل ثنائي الأوجه"، رأى جوليان جاينز بأن العقل لم ينشأ إلا في وقت لاحق. وقال إن تطور اللغة هو ما قادنا إلى الحالات المعرفية العميقة القادرة على بناء عوالم محسوسة.

  

بدأت هذه الفكرة التي تزعم أن الوعي هو شيء محدث تتغير في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، عندما بدأ عدد متزايد من العلماء يدرسون بشكل منهجي السلوكيات والحالات الدماغية لمخلوقات الأرض. كان كل عام جديد يجلب معه مجموعة من الدراسات البحثية الجديدة، والتي كانت مجتمعة تشير بالفعل إلى وجود الوعي لدى العديد من الحيوانات.

   

   

من المرجح أن "سباق التسلح" في قاع البحر بين الحيوانات المفترسة والفرائس، قد أدى منذ أكثر من نصف مليار سنة إلى ظهور أول حيوان واعٍ على كوكب الأرض. كانت تلك اللحظة، التي استفاق فيها العقل الأول إلى الوجود، حدثا كونيا خلق فرصا جديدة لم تكن موجودة سابقا في الطبيعة.

  

يبدو اليوم أن هناك عالما كاملا من التجارب الحيوانية المعاشة والواعية، إلى جانب العالم البشري. يستحق العلماء الثناء لتسليطهم الضوء، ولو جزئيا، على هذا البُعد الجديد لواقعنا. لكنهم لا يستطيعون إخبارنا كيف يجب أن نعامل تريليونات العقول تلك التي نتشارك معها سطح الأرض. هذه مشكلة فلسفية، ومثلها مثل معظم المشاكل الفلسفية، فإنها سوف تظل تلاحقنا لفترة طويلة قادمة. باستثناء فيثاغورس وعدد قليل من الفلاسفة الآخرين، لم يقدم الفلاسفة الغربيون القدماء تقليدا غنيا فيما يتعلّق بالتفكير في الوعي الحيواني. لكنّ المفكرين الشرقيين ظلوا لفترة طويلة مهجوسين بأبعاد هذه المسألة، ولا سيما الجاينيين، الذين أخذوا وعي الحيوان كمسألة أخلاقية على محمل الجد لقرابة ٣٠٠٠ عام.

  

قد لا تصمد العديد من المعتقدات الجاينية أمام التدقيق العلمي. لكن هذه المعتقدات ربما كانت أول ديانة في العالم تؤمن بإظهار الرحمة تجاه الحيوانات فكان أفرادها روادا للتوسع العميق في الخيال الأخلاقي الإنساني. لهذا السبب، بدا لي أن الأماكن التي يعبدون فيها ويهتمون فيها بالحيوانات هي أماكن جيدة للتفكير في الأطوار الحالية للبحوث حول الوعي الحيواني.

   

   

في مستشفى الطيور، سألت البيطري سينغ عما إذا كان أي من مرضاه قد سبّبوا له المعاناة والمصاعب. قال سينغ إن أحد الطيور المريضة رفض أن يأكل الطعام من يده، وكان يعضها أحيانا عندما كان يحاول حمله. قادني سينغ إلى غرفة أخرى لمقابلة هذا الطير المشاكس، وهو غراب هندي ريشه أسود اللون مع بعض الريش الأبيض المائل إلى لون القهوة بالحليب المتناثر حول عنقه. ظل الغراب يمدّ أحد جناحيه، وكان الضوء من نافذة قريبة يرشح من بين ريشه، كما لو كان الجناح صفا من الستائر. أخبرني سينغ أن الجناح كان مكسورا. وقال سينغ: "بعد بضعة أيام من وصول الغراب، بدأ في استخدام نعيق معيّن عندما كان يريد الطعام… لا تفعل أي الطيور الأخرى ذلك".

  

لم يكن نعيق الغراب حالة فريدة من نوعها للتواصل بين الطيور والبشر. مثلا، استطاع ببغاء رمادي في السابق تعلّم ما يقرب من ٩٠٠ كلمة، وفي الهند، تم تدريب عدد من تلك الطيور على تلاوة الصلوات الفيدية (الهندوسية). لكن الطيور نادرا ما تقوم بجمع المعاني اللفظية في جمل مفيدة، وبالطبع، لم يقم أي منها بالتصريح على أنه كائن واعٍ!

  

هذا مؤسف، لأن الفلاسفة يميلون إلى اعتبار مثل هذه التصريحات أفضل دليل ممكن على وجود الوعي في كائن آخر، حتى بين البشر. بدون هكذا تصريح ذاتي، بغض النظر عن المدة التي حدّقتُ فيها في عيني الغراب الأسود متمنيا أن أرى داخل خلجات دماغه، لم يكن باستطاعتي أبدا أن أعرف يقينا ما إذا كان واعيا أم لا. لذا كان يتعيّن عليّ أن أرضى بالأدلة الظرفية حتى حين.

  

يعتقد الكثيرون وعلى نطاق واسع أن الثدييات كلها واعية، لأنها تشترك في حجم الدماغ الكبير نسبيا الذي نتمتع به

مواقع التواصل
   

تتمتع الغربان بأدمغة كبيرة بشكل غير معتاد نسبة لحجم هذه الطيور، وتكتظ بعصبونات شديدة الكثافة مقارنة بالحيوانات الأخرى. يستطيع علماء الأعصاب قياس مدى التعقيد الحاسوبي (أي القدرة على معالجة المعلومات) لنشاط الدماغ، ولكن لم يكشف أي فحص للدماغ حتى الآن عن علامة دالة دقيقة قد تثبت وجود الوعي. وبالتالي فإنه من الصعب تقديم حجة حاسمة بأن حيوانا معينا لديه وعي استنادا إلى التشريح العصبي بشكل صارم. لكن عندما يكون دماغ حيوان ما يشبه إلى حد كبير دماغنا، كما هو الحال مع الحيوانات "الرئيسيات"، وهي أول الحيوانات التي تم وصفها بالواعية من خلال ما يشبه الإجماع العلمي، فإن ذلك عادة ما يحمل دلالات كثيرة.

  

يعتقد الكثيرون وعلى نطاق واسع أن الثدييات كلها واعية، لأنها تشترك في حجم الدماغ الكبير نسبيا الذي نتمتع به، ولديها أيضا قشرة دماغية، وهي المكان الذي تجري فيه أكثر عمليات الإدراك تعقيدا. ليس للطيور قشرة دماغية. لكن خلال الـ ٣٠٠ مليون سنة التي مرت منذ انفصال جينات الطيور عن جيناتنا، فإن أدمغتها طورت بنى مختلفة. ويبدو أن إحدى هذه البنى تتصل ببعضها بعضا بطرق تجعلها تشبه القشرة الدماغية، مما قد يشير إلى أنه لدى الطبيعة أكثر من طريقة لصنع دماغ واعٍ.

  

يمكن العثور على أدلة أخرى في سلوك الحيوانات، على الرغم من أن محاولة تمييز الأعمال الواعية من تلك غير الواعية يمكن أن يكون صعبا. لكن قيام الحيوانات باستخدام أدوات قد يكون دليلا مفيدا. في بعض الأحيان مثلا، تقوم الطيور الجارحة الأسترالية "Firehawk" بحمل الأغصان المشتعلة من حرائق الغابات إلى المناطق الطبيعية المجاورة، لإجبار فرائسها على الخروج من مخابئها. ربما هذا يعني أن الطيور الجارحة قادرة على التفكير في أجزاء من البيئة المحيطة بها، وتخيل استعمالات جديدة لها. أو ربما ما يحدث هو شيء غريزي دون إدراك.

  

    

أما الغربان فهي من بين أخصائيي "تكنولوجيا الطيران" الأكثر تطورا في عالم الطيور. فهي يُعرف عنها منذ فترة طويلة أنها تقوم بتشكيل العصي في هيئة خطافات لأغراض مختلفة، وفي العام الماضي فقط، شوهدت أنواع معيّنة من الغربان وهي تقوم بتركيب أدوات من ثلاثة أجزاء منفصلة شبيهة بالعصي. في اليابان، تعلّم عدد من هذه الطيور كيفية استخدام حركة مرور السيارات لكسر الجوز: تقوم الغربان بإسقاط جوزة أمام السيارات المتوقفة عند التقاطعات، وعندها يتحول الضوء إلى اللون الأحمر، تقوم السيارات بدهسها ثم تنزل الغربان لقطف الثمار المفتوح!

  

خلال حديثي مع سينغ، رأيت الغراب يفقد الاهتمام بنا ويعود إلى النافذة، وكأنه يتفقد انعكاس صورته الباهت فيها. في عام ٢٠٠٨، أصبح طائر العقعق، وهو أحد أفراد عائلة الغربان الممتدة (الغرابيَّات Corvids) المعروفة بلقب "القردة ذات الريش"، أول حيوان غير ثدي يجتاز "اختبار المرآة". تم وضع علامة على عنق العقعق في مكان لا يسمح له برؤيتها إلا من خلال المرآة. عندما رأى العقعق انعكاس صورته، حاول على الفور التحقق من رقبته.

  

أخبرني سينغ أن هذا الغراب سينتقل قريبا إلى الطابق العلوي، إلى أحد الأقفاص المكشوفة على سطح المبنى، حيث تتوفر للطيور مساحة أكبر لاختبار أجنحتها في فترة النقاهة، في ضوء السماء المفتوحة الذي لا بدّ وأنه سيبدو مشجعا في وعي الطيور. مع بعض الحظ، قد يعود بسرعة إلى الحياة السريعة التي تفضلها الغربان البرية، والتي تتقافز أحيانا مثل البهلوانات في الرياح العاتية وتتزلج أسفل الأسطح الثلجية. (يتم دفن الطيور التي تموت في هذا المستشفى على طول مجرى نهر خارج دلهي، وهي لفتة لطيفة في حالة الغربان، التي يعرف عنها أنها تقيم الجنازات أحيانا، أو إن لم نقل الجنازات، فمعاينات لما بعد الوفاة، حيث تتجمع حول الموتى مثل محققي جرائم القتل الذين يحاولون فهم سبب موت الضحايا!). سألت سينغ عن شعوره عندما يقوم بإطلاق الطيور على السطح. قال: "نحن هنا لخدمتهم"، قبل أن يضيف أنه ليس جميع الطيور تغادر على الفور. "البعض منهم يعود ويجلس على أكتافنا".

 

  

الغربان ليست من بين تلك الطيور التي تعود، لكن سينغ يقول إنه يرى أحيانا مرضى سابقين من الغربان وهي تحلّق حول المستشفى. قد تكون تبحث عنه، فالغربان يمكنها التعرّف على أوجه البشر. ويُعرف عنها أنها تنعق بغضب بقرب أولئك الأشخاص الذين تكرههم، فيما تترك "هدايا" لأولئك الذين تستحسنهم، أزرار أو قطع لمّاعة من الزجاج، وكأنها قرابين لهم.

  

إذا كانت هذه السلوكيات مجتمعة تشكّل نوعا من الوعي، فهذا يعني واحدا من أمرين: إما أن الوعي قد تطور مرتين، على الأقل، عبر المسار الطويل لتاريخ الأحياء التطوري، وإما أنه تطور في وقت ما قبل أن تفترق الطيور والثدييات في مسارات تطورية منفصلة. كل من السيناريوهين يعطينا سببا للاعتقاد بأن الطبيعة يمكن أن تحوّل الجزيئات الصمّاء إلى عقول يقظة بسهولة أكبر مما كان متوقعا في السابق. وهذا يعني أن الحيوانات الكبيرة والصغيرة، في جميع أنحاء المعمورة، تقوم باستمرار بتوليد تجارب حية تحمل في طياتها علاقة من نوع ما مع تجاربنا نحن.

  

في اليوم التالي لزيارتي مستشفى الطيور، غادرت دلهي بالسيارة، على طريق يتبع نهر يامونا جنوبا وشرقا، بعيدا عن مصدره الجليدي بين التلال المسننة لجبال الهيمالايا. حوّلت مياه الصرف الصحي لمدينة دلهي مسافات طويلة من نهر يامونا إلى مياه آسنة، وجعلته أحد أكثر الأنهار تلوثا في العالم. من الطريق، كان بإمكاني رؤية زجاجات بلاستيكية تعوم على سطحه. في الهند، حيث الأنهار لها مكانة خاصة في الخيال الروحي، فإن هذا التلوّث يُشكّل نوعا من التدنيس الميتافيزيقي.

     

نهر يامونا - الهند (رويترز)

 

كانت الملايين من الأسماك تسبح يوما في نهر يامونا، قبل أن تلوثه التكنولوجيا البشرية، التي تصل براثنها الآن إلى كل جسم مائي تقريبا على سطح الأرض. لقد وصلت القمامة حتى أعمق نقطة في المحيطات، إذ شوهد كيس من البلاستيك في الآونة الأخيرة وهو ينجرف على طول خندق ماريانا. في بعض الأحيان كان يبدو وكأن العلماء يلومون الأسماك لرفضها الخروج من الماء والانضمام إلينا على اليابسة. وكان يُنظر إلى عدم قدرة الأسماك على الرؤية بعيدا في بيئتها القاتمة على أنه ضعف إدراكي. لكن الأدلة الجديدة تشير إلى أن الأسماك لديها عقول غنية بالذكريات حيث إن البعض منها يبدو قادرا على استدعاء أحداث تعود لأكثر من ١٠ أيام.

  

كما يبدو أنها قادرة على الخداع. مثلا تقوم سمكة التروتة الأنثى بما يشبه رعشات الجماع المزيفة، فترتجف كما لو أنها على وشك وضع البيض، للتخلص من الذكور غير المرغوب بهم. ولدينا لقطات ذات نوعية جيدة لأسماك الهامور تقوم بالتعاون مع فرق من سمك الأنقليس لإجبار فرائسها على الخروج من بين الشعاب المرجانية، حيث تقوم بتنسيق حركاتها باستعمال إشارات رأس متطورة. هذا السلوك يوحي بأن الأسماك تمتلك "نظرية للعقل"، أي القدرة على التكهن بالحالات العقلية للكائنات الأخرى.

  

لكن مجموعة أكثر إثارة للقلق من السلوكيات ظهرت أيضا خلال التجارب المصممة لتحديد ما إذا كانت الأسماك تشعر بالألم. إن الألم هو إحدى أكثر حالات الوعي حدة، وهو يذهب إلى أبعد من مجرد الكشف عن عطب ما في الجسم. حتى أبسط البكتيريات لديها أجهزة استشعار على أغشيتها الخارجية، وعندما تكتشف هذه المستشعرات كميات ضئيلة من المواد الكيميائية الخطرة، تستجيب البكتيريا من خلال الهروب فورا في رد فعل مبرمج. لكن البكتيريا ليس لها نظام عصبي مركزي حيث يتم دمج هذه الإشارات في محاكاة ثلاثية الأبعاد للبيئة الكيميائية المحيطة بها.

   

   

لدى الأسماك العديد من أجهزة الاستشعار وأكثر بكثير من البكتيريا كمًّا ونوعا. تشتعل مستشعراتها عند ارتفاع درجة حرارة الماء مثلا، أو عندما تتلامس مع المواد الكيميائية المسببة للتآكل، وعندما يخترق الخطّاف من صنّارات صيّادي السمك جلدها ناشبا في جسدها. في المختبر، عندما يتم حقن شفاه سمك التروتة بالأحماض، فإن الأسماك لا تستجيب فقط عند مكان الحقن بل تهزّ أجسامها بأكملها ذهابا وإيابا، وتسرع من وتيرة التنفس لديها، وتفرك أفواهها على جوانب أحواضها أو الحصى في القاع. وتتوقف هذه السلوكيات عند حقن الأسماك بالمورفين.

  

تلقي هذه الملاحظات ضوءا مُلِحًّا على أخلاقيات البحوث نفسها وتضعها موضع شكّ وتساؤل. لكن تجارب الأسماك في المختبر قد لا تقارن بتجارب الملايين من الحيوانات المائية التي يقوم البشر بجرّها بعنف إلى خارج المحيطات والأنهار والبحيرات كل عام. تظل بعض هذه الأسماك على قيد الحياة لساعات في الأوعية المضاءة والمبردة لصناعة المأكولات البحرية العالمية.

  

يختلف ألم السمك عن ألمنا. ففي العالم المعقد الذي يُشكّل الوعي البشري، يأخذ الألم منحى وبُعدا وجوديا. فلأننا نعلم أن الموت يلوح دائما في الأفق، ولأننا نشعر بالحزن على فكرة المستقبل المتصور والغني الذي سوف نفقده يوما، فإنه من السهل لنا أن نتخيل أن ألمنا الشخصي هو من أعمق أشكال المعاناة. ولكن من الأفضل لنا أن نتذكر أن هذه المعرفة يمكن لها أن تجعل من الألم أكثر احتمالا، وذلك لأننا نتذكّر أن هذا الألم له تاريخ انتهاء الصلاحية. لكن عندما نقوم بانتزاع سمكة أقل إدراكا ووعيا منا من الأعماق المضغوطة للمحيطات، وتملأُ الصدمة من تغير مستوى الضغط مجرى الدم لديها بحمض حارق للأنسجة، فإن انتفاضتها على السطح قد تكون صرخة صامتة، ولدت من اعتقاد السمكة بأنها دخلت حالة معاناة شديدة ودائمة.

   

  

يحكي الجاينيون قصة عن "نميناث"، وهو رجل من العصور القديمة يقال إنه كان حساسا لنداءات الاستغاثة التي تصدرها الحيوانات، وقد ظهر ولعه غير العادي بالحيوانات بينما كان يرعى الماشية في المراعي على ضفاف نهر يامونا، في قريته شوريبور، التي وصلت إليها بعد أربع ساعات من مغادرة دلهي.

  

نميناث هو واحد من ٢٤ شخصية تشبه الأنبياء لدى الجاينيين، كلهم عبروا مجازا نهر الحياة، وحرّروا أنفسهم من دورة الولادة والتقمّص، قبل أن يدلّوا الآخرين على طريق التنوير. تميل قصص هذه الشخصيات إلى التأكيد على طبيعتهم اللاعنفية. وعلى سبيل المثال، يقال إن أحدهم كان قد عام في الرحم دون أن يتحرّك على الإطلاق لتجنب الإضرار بوالدته!

  

لم يثبت أن هذه الشخصيات كان لها وجود حقيقي في التاريخ باستثناء عدد قليل منها، لكن نميناث ليس واحدا منها. يقول الجاينيون أن نميناث غادر قريته للأبد في يوم زفافه. في صباح ذلك اليوم، ركب فيلا، وقرر أن يذهب إلى المعبد حيث كان مقررا له أن يتزوج. على الطريق، سمع سلسلة من الصرخات المؤلمة، فأراد أن يعرف مصدرها، فأوضح سائس الفيل لـنميناث أن الصراخ كان يأتي من الحيوانات التي كان يتم ذبحها من أجل وليمة عرسه.

  

هذه اللحظة حولت نميناث إلى الأبد. بعض النسخ المختلفة من هذه القصة تقول إنه أصر على إطلاق سراح الحيوانات التي ظلت على قيد الحياة، بما فيها سمكة قام بحملها في يديه وإعادتها إلى النهر. بعض النسخ تقول إنه قرر الهروب لكن جميعها تتفق على أنه تخلى عن حياته السابقة. بدلا من الزواج من عروسه، انطلق إلى جيرنار الجبل المقدس في ولاية غوجارات، على بُعد ٤٠ ميلا من بحر العرب.

   

حتى اليوم، لا يزال الأسد الآسيوي يصنف من بين أندر الحيوانات المفترسة الكبيرة، وهو أكثر ندرة من جاره إلى الشمال

وكالة الأناضول
  

بدأت تسلّق جبل جيرنار قبل الفجر، متتبّعا طريق التنوير المعتادة في القصص! كان عليّ أن أصعد ٧٠٠٠ خطوة محفورة في الجبل لأصل في التاسعة صباحا، حتى لا أتأخر عن طقوس كانت تجري في تلك الساعة في معبد قديم بالقرب من القمّة.

  

كان المسار يقع على بُعد ٥٠ ميلا فقط من محمية جير الوطنية، حيث رأيت في اليوم السابق أسدين آسيويين، يشبهان كثيرا أقربائهما من أسود أفريقيا. كاد الأسد الآسيوي، الذي كان ملك المفترسين في هذه المنطقة في الماضي، أن ينقرض كليا خلال حقبة استعمار الإمبراطورية البريطانية للهند، عندما كان البريطانيون يصطادونها في الغابات المحلية. حتى اليوم، لا يزال الأسد الآسيوي يصنف من بين أندر الحيوانات المفترسة الكبيرة، وهو أكثر ندرة من جاره إلى الشمال، نمر الثلج، الذي يعد نادرا للغاية لدرجة أن رؤيته في جبال الهيمالايا تعد إتماما لطقوس الحج هناك.

  

بذلت قصارى جهدي لعدم التفكير في تلك الأسود المخيفة، التي ازداد عددها في الآونة الأخيرة في غابات جيرنار قبل أن أمر عبر أكواخ صغيرة وخيام في الظلام، في قاعدة الجبل. عند طلوع النهار ظهرت قرود الـ"لانغور" على صخور الدرب المؤدي إلى القمة. كان أحدها يراقب بائعا خلف كشك يبيع الطعام والماء للحجاج الجاينيين. انتظر القرد حتى أدار الرجل ظهره، ثم قفز سريعا لسرقة الموز من الكشك. كنت قد رأيت في محمية جير الوطنية غزلانا يستخدمون هذه القردة كنظام مراقبة من الأشجار. إذ كانت القردة تجلس في أعالي الأشجار، تترقب وصول النمور والأسود، التي تموّه نفسها جيّدا بين تلك الأشجار. في حال رصدت القرود هذه القطط المفترسة، فإنها تصدر نداءا خاصا. ولم تكن الغزلان هي الحيوانات الوحيدة التي تتعرّف على هذه الأصوات وتستخدمها لصالحها، إذ كان متعقب الأسود الذي برفقتي في المحمية يفعل ذلك أيضا!

   

قرود اللانغور في الهند (رويترز)

 

على الطريق إلى قمّة جبل جيرنار، مرّت العديد من النساء الحافيات بقربي، يرتدين الساري بالألوان الفاقعة من البرتقالي والأخضر إلى اللون الوردي. كانت الأساور الفضية الرقيقة حول أرجلهن تتراقص وتتجلجل. وصلت بعدها إلى لافتة تقول إنني كنت لا أزال على بُعد ١٠٠٠ خطوة من المعبد، فخلعت حقيبتي وقفزت جالسا على حائط تاركا ساقيّ تتدلى.

  

رأيت على مسافة أدنى مني في سفح الجبل راهبا جاينيا مسنًّا في رداء أبيض يقاسي في تسلّق الخطوات. كان يبدو وحيدا، وبدا أنه يعاني من صعوبة في التنفس. عندما يتخلى الرهبان والراهبات الجاينيين عن الحياة الدنيوية، يقومون بقطع جميع الروابط العائلية. يحتضنون أولادهم للمرة الأخيرة، ويتعهدون بعدم رؤيتهم مرة أخرى، ما لم تجمعهم المصادفة على الطرق الريفية الخلفية حيث يتجول الرهبان والراهبات لبقية حياتهم، حاملين كل ممتلكاتهم على ظهورهم.

  

لوهلة قصيرة، خلا الدرب من الناس ما عداي أنا والراهب. بدا كل شيء صامتا، باستثناء أزيز باهت تتبعته لدبّور أسود كان يطير فوق كتلة كثيفة من نبات الجهنمية. من المحتمل أن يكون آخر سلف مشترك لي مع هذا الدبور قد عاش منذ أكثر من ٧٠٠ مليون سنة. يعزّز مظهر هذه الحشرة الشعور بالبعد بين جنسينا، إذ إن شكلها الممدود وهيكلها الخارجي وأعينها المركّبة تجعلها تبدو غريبة جدا، بشكل يصعّب على المرء القبول بأنها قد تكون واعية. لكن المظاهر يمكن أن تكون خادعة أحيانا: يعتقد العلماء أن بعض الدبابير طورت عيونا كبيرة لمراقبة الإشارات الاجتماعية الصادرة عن أقرانها، حيث يمكن لأعضاء بعض أنواع الزنبور أن يتعلموا ملامح الوجه الفردية لأعضاء خليّاتهم.

   

تشير التجارب المختلفة إلى أن النحل قادر على استشارة خريطة ذهنية بهذه الطريقة بالفعل.

وكالة الأناضول
  

إن الدبابير، مثل النحل والنمل، هي مخلوقات معقّدة لديها سلوكيات متطورة بشكل لافت للنظر. يبني النمل جسورا من أجساده ليسمح للمستعمرات بأكملها بعبور الفجوات في تضاريسها. ويمكن أن يتعلم نحل العسل في المختبر التعرف على المفاهيم المجردة، بما في ذلك مفهوم "الشبه"، و"الاختلاف"، وحتى مفهوم "الصفر". كما يتعلم النحل من بعضه بعضا. فإذا التقطت إحدى الحشرات منه أسلوبا جديدا لاستخلاص الرحيق، فقد يحاكي النحل المحيط السلوك ذاته، مما يؤدي إلى تعلّمه عبر الخليّة، أو حتى عبر الأجيال.

  

في إحدى التجارب، تم جذب النحل إلى قارب في وسط بحيرة، وكان العلماء قد وضعوا فيه أوعية مليئة بمياه السكر. عندما عاد النحل إلى الخلية، قاموا بمشاركة موقع القارب من خلال رقصات التذبذب التي يقوم بها النحل للتواصل مع بعضه بعضا. في هذه الحالات عادة، يقوم النحل في الخلية بالانطلاق فورا لجمع الرحيق المكتشف حديثا. لكنهم في هذه الحالة، تسمّروا في أماكنهم، وكأنهم استشاروا خريطة ذهنية واستغربوا إمكانية وجود الزهور في وسط بحيرة فرفضوا الذهاب! لم يتمكن علماء آخرون من تكرار هذه النتيجة، لكن التجارب المختلفة تشير إلى أن النحل قادر على استشارة خريطة ذهنية بهذه الطريقة بالفعل.

  

لقد أمضى أندرو بارون، عالم الأعصاب من جامعة ماكواري في أستراليا، أمضى العقد الماضي في استكشاف البنى العصبية الدقيقة في أدمغة نحل العسل. وهو يعتقد أن بنى معيّنة في دماغ النحل تقوم بمعالجة المعلومات المكانية بطريقة مشابهة للعمليات التي تجري في الدماغ ​​البشري. قد يبدو ذلك مفاجئا نظرا لأن دماغ نحل العسل يحتوي على مليون خلية عصبية فقط مقارنة بـ ٨٥ مليار خلية في أدمغتنا، لكن أبحاث الذكاء الاصطناعي تخبرنا أنه يمكن أحيانا تنفيذ المهام المعقدة باستعمال دوائر عصبية بسيطة نسبيا. مثلا لدى ذبابات الفاكهة ٢٥٠ ألف خلية عصبية فقط، لكنها هي أيضا تتمتع بسلوكيات معقدة. في التجارب المخبرية مثلا، عندما لا تنجح في التزاوج، تبحث بعضها عن مادة الكحول، وهي مادة مسكرة تتلاعب بحالة الوعي ويمكن العثور عليها في الطبيعة في الفاكهة الناضجة والمختمرة.

   

  

في حالة العديد من اللافقاريات، فإنها لم تطور أبدا أي شيء يتجاوز نظاما عصبيا بدائيا، فهو عبارة عن شبكة من الخلايا العصبية موزعة بالتساوي على طول بنية تشبه بنية الدود. ولكن منذ أكثر من نصف مليار سنة، بدأ الانتقاء الطبيعي في تشكيل اللافقاريات إلى مخلوقات مفصليات الأرجل ذات أطراف مميزة وأجهزة حسية متخصصة، استخدمتها للتحرر من حياة هامشية تكتفي بالاستجابة للمحفزات دون إرادة.

  

واجهت أولى الحيوانات التي قامت بتوجيه نفسها في الفضاء الثلاثي الأبعاد مجموعة جديدة من المشاكل التي قد يكون حلها قد تمثل في تطوير نوع من الوعي. خذ مثلا الدبابير السوداء، عندما تحوم فوق بتلات زهور نبتة الجهنمية الرقيقة، يتدفق سيل كبير من المعلومات، ضوء الشمس، والاهتزازات الصوتية، والروائح، إلى جسمها، لكن سيل هذه المعلومات يصل إلى دماغها في أوقات مختلفة. لأجل تكوين صورة دقيقة ومستمرة للعالم الخارجي، تحتاج حشرة الزنبور إلى مزامنة هذه الإشارات. كما تحتاج إلى تصحيح أي أخطاء في الحسابات تنتج عن تحركاتها، وهي مهمة صعبة نظرا إلى أن بعض مستشعراتها يقع في أجزاء الجسم التي تكون هي نفسها متحركة، مثل رأسها.

  

يقول عالم الأعصاب بيورن ميركر إن أدمغة الحيوانات من ذلك العصر المبكر قامت بحل هذه المشاكل عن طريق توليد نموذج داخلي يحاكي العالم، يحتوي على تجسيد للجسم في داخله. يقول ميركر إن الوعي هو مجرد منظور من داخل هذا النموذج يعتمد على الحواس المتعددة. كما أن عمليات المزامنة هذه والأصوات التي تصدرها أجسامنا المتحرّكة يتم إلغاؤها كلّها من هذه المحاكاة الواعية، وكأن أحدا قام بحذفها من المشهد النهائي. كما أننا لا نختبر مباشرة الآليات التي تحول رغباتنا إلى حركات. مثلا عندما قررت أن أبدأ في تسلق الجبل مرة أخرى، فإنني ببساطة انطلقت، دون التفكير في انقباضات العضلات الفردية التي تتطلبها كل خطوة صعودا. عندما يطير الدبور، ربما هو لا يعي بكل خفقة لأجنحته بل هو ببساطة يقرر الطيران فيطير في الفضاء.

  

  

لكن إن كانت أسلاف الدبابير المائية قد اختبرت أول وعي جنيني من نوعه على الأرض، فإن هذا الوعي لم يكن يشبه وعينا اليوم على الإطلاق. قد يكون ذاك الوعي قاحلا ومن دون وهج، وغير قادر على التعرّف على كيانات محددة. لربما كان عرضيا، أي إنه يستيقظ في بعض المواقف ثم يعود إلى السبات في حالات أخرى. قد يكون وعيا محدودا يتكون من إحساسات بسيطة، مثل "هذا جيد" و"هذا سيئ" يتم استشعارها من خلال بنية مركزية واحدة. بالنسبة لأولئك الذين رأوا النجوم تسطع على الجانب البعيد من الكون منا، فإن هذا الوجود سيكون خانقا إلى درجة يصعب تخيلها. لكن هذا لا يعني أن هذا الوجود لم يكن واعيا.

  

عندما وصل الراهب إلى الحائط حيث كنت أستريح، طار الدبور بعيدا، صاعدا نحو الشمس حتى اختفى في نورها الباهر. كان الراهب يرتدي قناعا أبيض مثل تلك الأقنعة الذي يرتديها بعض الجاينيين لتجنب استنشاق الحشرات والمخلوقات الصغيرة الأخرى. أومأت إليه عندما مر، قبل أن أعود لأستند إلى الحجارة الدافئة للجبل.

  

تحوّل الراهب إلى نقطة بعيدة بيضاء فوق أعلى الجبل. قفزت بعدها من على الحائط واستمررت في التسلّق صعودا، شاعرا بعودة القوة إلى ساقيّ بعد تلك الاستراحة. وصلت إلى مدخل مجمع المعبد وكان لدي ١٥ دقيقة فقط قبل بدء الطقوس. كانت ساحته الخارجية الرخامية تتألق بلون الرخام الأبيض، كما لو أن الشمس فوق الجبال قد قامت بصقلها.

              

أحد معابد الجاينيين في الهند (رويترز)

 

دخلت إلى حجرة المعبد الداخلية، حيث كانت العشرات من الشموع المضاءة تسطع من منافذ منحوتة بشكل معقد في الحائط، وعلى منصات معلقة من السقف. كان السقف الحجري منحوتا بشكل زهرة اللوتس، التي ترمز بتلاتها الرقيقة إلى النقاء الروحي الذي ينبعث من الأرض الموحلة.

  

كان أربعون من الجاينيين يجلسون على الأرض مصطفين في خطوط متناسقة، واضعين سيقانهم في وضعية اللوتس. كانت النساء يرتدين الساري وكان الرجال يرتدون ملابس بيضاء. قمت بالجلوس في مكان بعيد في الخلف. كانت هناك قبالة مجلسنا مساحة مظلمة تشبه نفقا محاطة بمجموعتين من الأعمدة. في الجهة البعيدة منه، كانت الشموع ترخي بضوئها على تمثال رخامي أسود لرجل في وضع الجلوس. زُيّن صدر التمثال بالأحجار الكريمة، فيما بدت عيناه وكأنها تطفو في الفضاء المظلم مصدرة تأثيرا مغناطيسيا عليّ سرعان ما خرقه رجل كان يجلس بجانبي الذي جذب قميصي قائلا: "نميناث"، وهو يشير إلى التمثال.

  

يقال إن نميناث حقق حالة من الوعي الكلي وغير المحدود هنا في هذا الجبل، واستطاع الوصول إلى إدراك الكون بأكمله بما في ذلك إدراك عقول كافة أنواع الحيوان. يعتقد الجاينيون أن البشر مميزون لأننا، في حالتنا الطبيعية، أقرب إلى هذه التجربة التنويرية، حيث لا توجد أي مخلوقات أخرى يمكنها استشعار وعي كائنات أخرى سوانا.

   

  

بدأ الحجاج بالغناء، أولا في همهمة منخفضة قبل أن ترتفع أصواتهم باطّراد. قام أحدهم بجلب طبل عملاق بالقرب من مدخل النفق وضربه بمطرقة سوداء. قام آخرون بقرع آلات الصنج. دخل الرجال والنساء من أبواب متقابلة مصطفين في خطين، على جانبي النفق. وقامت امرأة ترتدي ساريا برتقاليا وتاجا ذهبيا بالمرور أمام تمثال نميناث، ثم رفعت إناء فوق رأسه الرخامي الأسود، وصبّت خليطا من الحليب والماء المقدس. عندما انتهت، أتى رجل يلبس رداء أبيض من الجانب ثم كرّر الطقس ذاته.

  

ارتفع صوت الغناء حتى وصل إلى درجة النشوة وقام الحجاج برفع أذرعهم وصفقوا فوق رؤوسهم. قبل أن يصل الطقس إلى ذروته توقف كل شيء فجأة، فهدأت الطبول والأجراس وآلات الصنج، تاركة وراءها صدى يتردّد خارج المعبد وعلى القمم القديمة حوله. عندما تركت المعبد، تساءلت عما إذا كان هذا المكان، في القرون القادمة، سوف يصبح أكثر من بيت عبادة لطائفة الجاينيين. ربما سيصبح مكانا للاحتفال بلحظة في تاريخ البشرية، استيقظنا فيها من الحلم القائل بأننا نمثّل العقول الوحيدة التي جلبتها الطبيعة إلى الوجود. ربما سيأتي الناس هنا من جميع أنحاء الأرض ليعبروا عن تقديرهم لـنميناث، الذي هو، في نهاية المطاف، رمز لأول إنسان سمع صرخات الحيوانات ففهم معناها.

------------------------------------------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار