انضم إلينا
اغلاق
"مريض لندن".. هل حقًا توصلنا لعلاج نهائي للإيدز؟

"مريض لندن".. هل حقًا توصلنا لعلاج نهائي للإيدز؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

في الفيلم الشهير "الحب في طابا"، تتغير ملامح حياة الأصدقاء الثلاثة، فخري ومصطفى وجلال، حينما يكتشفون أنهم مصابون بمرض الإيدز بسبب علاقة غير مشروعة مع ثلاث فتيات في أثناء رحلة إلى مدينة طابا المصرية. كان هذا أحد أكثر الأفلام انتشارًا وتسببًا في الرعب تجاه هذا المرض في تاريخ السينما المصرية، ورغم أنه نقل بعض المعلومات الخاطئة إلى الناس عن الإيدز، إلا أنه زرع بداخلهم فكرة أساسية واحدة تقول: "الإيدز هو المرض القاتل الذي لا يشفى منه أحد"، لكن يبدو أننا أمام تحد جديد لهذه الفكرة.

 

مريض برلين

قبل عدة ساعات، اشتعلت الأجواء العلمية فرحًا وجدلًا حينما أعلن فريق من الأطباء، من كلية لندن الجامعية وعدة جامعات أخرى، للمرة الثانية(1) فقط في التاريخ، عن تخلّص مريض جديد من متلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز). "مريض لندن London Patient"، هكذا يسمّى لأنه لم يرغب في أن يكشف أحد هويته، وصل بعد العلاج الجديد إلى مستوى اختفت فيه كامل أعراض المرض وعلامات وجوده في الجسم، ما قد يفتح الباب لنصل إلى علاج نهائي لهذه الكارثة الطبية المروّعة التي تسمّى الإيدز.

   

  

في الحقيقة، كانت حكاية المريض الأول الذي وصل إلى تلك المرحلة ملفتة للانتباه. سميّ  "مريض برلين(2) The Berlin Patient"، الذي استمر لفترة مجهولًا، لكننا نعرف الآن أنه المواطن الأميركي تيموثي راي براون، والذي شُخّص بمتلازمة نقص المناعة المكتسبة في العام 1995 بينما كان يدرس في مدينة برلين الألمانية، وبعد سنوات طويلة من محاولاته للتكيف مع المرض عبر الأدوية المضادة للفيروسات تم تشخيص براون بمرض جديد، وهو سرطان الدم النخاعي الحاد (AML)، وبعد فشل العلاج الكيميائي انتقل براون إلى مرحلة جديدة في محاولاته للتخلّص من السرطان.

 

كان البديل المتوفّر هو "زراعة النخاع العظمي(3)" (Bone Marrow Transplant)، ويقصد به نقل النخاع العظمي من شخص سليم إلى آخر في حاجة ماسة إليه. حيث يحتوي النخاع الخاص بنا على خلايا جذعية يمكن لها أن تتحوّل إلى خلايا الدم الأخرى، مثل خلايا الدم الحمراء وخلايا الدم البيضاء والصفائح الدموية، تلك التي تتأثر بسبب السرطان. للوهلة الأولى يبدو الأمر غريبًا بعض الشيء، ومؤلمًا لا شك، إلا أنه ليس كذلك، عملية نقل النخاع تتم تحت التخدير، ويتم سحبه من عظمة الفخذ الخاصة بالمتبرع عبر "سرنجة" خاصة ثم نقلة إلى دم المتلقي، في المعتاد – إذا كنت متبرعًا بالنخاع – ستستعيد ما فقدته خلال أسابيع قليلة.

  

حتّى تلك اللحظة، كانت الأمور طبيعية، لكن من بين 60 متبرعًا بالنخاع العظمي اهتم الفريق الألماني باختيار النخاع العظمي لحالة خاصة تحتوي جينات صاحبها على طفرة طفيفة للغاية في جين يسمى(4) CCR5، وهنا أخذت الأمور منحنى جديدا تمامًا في العلاج، ذلك لأن هذا الجين هو أحد النقاط الرئيسية التي يرتكز عليها مرض الإيدز، لفهم الأمر بصورة أبسط، دعنا نبدأ في رحلة سريعة.

   

الليجو القاتل للمناعة

  

مشكلة فيروس نقص المناعة المكتسبة أنه يدمر الجهاز المناعي للإنسان، فيؤثر على قدرة الجسم على مقاومة الجراثيم التي تسبب الأمراض، وبالتالي يصبح جسم المريض بالضبط كدولة ذات ثروات كثيرة ولها أعداء كثيرين لكن جيشها قد فقد معظم قوّته، سلاح الطيران والمشاة والبحرية والمخابرات وغيرها من الأجهزة، هنا يصبح من السهل جدًا على الأعداء الدخول إلى تلك الدولة واحتلالها والاستيلاء على كل ثرواتها، وبـ "ثرواتها" هنا نحن نقصد – في المجمل – حياة الإنسان.

  

ما يفعله الإيدز(5) يمكن فهمه عن طريق تخيّل خلايا الدم البيضاء، الجيش الذي يحمي الجسم، كقطع من الليجو التي تدور، بأشكال وأهداف متنوعة، في كامل أجزاء الجسم. حينما يدخل الفيروس إلى الجسم فإنه يشبه هو الآخر قطعة ليجو يمكن لها أن تلتصق بقطع الليجو المناعية لنوع محدد من خلايا الدم البيضاء، وهي الخلايا التائية CD4، حينما يحدث ذلك يتمكن الفيروس من الدخول إلى الخلية وتدميرها، لكن لكي تتم تلك العملية يجب أن تحوي قطعة الليجو المناعية على بروتين مستقبل يسمى CCR5 على سطحها، يتعرف الإيدز على هذا البروتين ويتراكب معه كالقفل والمفتاح، فينفتح باب الخليّة المناعية ويدخل الفيروس ليحطمّها.

 

لكن طفرة طفيفة في الجين المسؤول عن تكوين هذا البروتين أدت إلى تغير شكله بحيث لم يعد ممكنًا لفيروس نقص المناعة المكتسبة أن يتعرّف إليه، ما يمنع الفيروس بالتبعية من الدخول إلى الخلايا المناعية، بالتالي لا يتمكن من إصابة المريض. توجد تلك الطفرة في بعض البشر، وكان أحد هؤلاء ضمن المتبرعين بالنخاع العظمي لـ براون، هنا فضّل الأطباء استخدام نخاع الشخص الذي يحوي تلك الطفرة، وعندما انتقل النخاع إلى براون صنع خلايا دم بيضاء مقاومة للإيدز هي الأخرى، ما تسبب في اختفاء علامات وجود الفيروس في جسم براون وأعراض المرض، وعاش أكثر من عشر سنوات، إلى الآن، بدون تناول أية أدوية للتكيف مع المرض، ولم يعد مرة أخرى.

   

  

حالة "مريض لندن" مشابهة لحالة براون، فعلى مدى السنوات العشر السابقة حاول الأطباء استنساخ عملية "مريض برلين" لكن التجارب لم تنجح، حتى بدا أن الأمر مع مريض برلين كان مجرد حادثة لمرة واحدة. "مريض لندن" تم تشخيصه(6) بالإيدز في العام 2003، واستمر في العلاج الفيروسي حتّى العام 2012 حينما تم تشخيصة بمرض هودجكين، نوع من السرطان الذي يصيب الجهاز الليمفاوي، وبجانب العلاج الكيميائي خضع المريض إلى جراحة نقل له خلالها خلايا جذعية من نخاع شخص يحمل الطفرة المقاومة للإيدز (الفيروس من النوعع HIV-1 تحديدًا)

  

هل شُفي حقًا؟!

استمر مريض لندن على نظام علاجي للتكيف مع فيروس نقص المناعة المكتسبة وكبح أثره (تسمى مضادات الفيروسات القهقرية) مدة 16 شهرًا من الجراحة، ثم بعد ذلك استمر لمدة 18 شهرًا دون الحاجة لأدوية، ولم يعد الفيروس من جديد، حينما يحدث ذلك يقال أن المريض دخل في مرحلة السكون أو الشفاء Remission، والتي لا تعني(7) علاجًا نهائيًا Cure بالمعنى المفهوم لعلاج الإصابة بالحصبة مثلًا أو السعال، ولكنها تعني فقط أن أعراض المرض، وعلاماته التي تظهر في التحليلات الطبية، انخفضت إلى أسفل بحيث تخطت المستوى الذي يمكن رصدها فيه.

  

لا يعني ذلك شفاءًا كليًا، ولا يعني أن المريض لم يُشف، ولكنه يعني أن الحالة في "أمان" إلى الآن ويجب أن نستمر في مراقبتها. بالنسبة لحالة مريض لندن تحديدًا، فهي المرة الثانية فقط في تاريخ محاولات الباحثين مع هذه الآلية العلاجية، لذلك من الصعب أن نحدد تمامًا إن كان ذلك يعني شفاءًا أم لا، أو ما الذي يعنيه الشفاء هنا؟ لقد انخفضت أعداد الفيروس إلى قيم لا يمكن إدراك أثرها بالأجهزة، لكن قد تكون هناك كميّات صغيرة جدًا لازالت موجودة، في حالات السرطان كذلك فإن اصطلاح "سكون Remission" يختلف عن "علاج Cure".

   

  

أضف لذلك أن التقنية الجديدة لعلاج الإيدز ليست عملية(8) كفاية لكي يتم تعميمها على ملايين المرضى في العالم، كذلك فإنها لا تصلح لكل المرضى بسبب تعقد تقنياتها العلاجية (في هذا التقرير قمنا بتبسيط الآليات لغرض الفهم)، لهذا السبب لم تنجح أي من المحاولات خلال عشر سنوات مضت بعد حالة مريض برلين. في الحقيقة لقد كانت تلك هي – بالأساس - محاولات لعلاج السرطان المرافق للإيدز (الذي يفتح للسرطان الباب من الأساس بسبب إضعافه للمناعة)، لكنها فقط تعطي أملًا جديدًا لإيجاد علاج مستقبلي يعتمد على تقنيات جينية للتخلّص من المرض، وحتّى وصول تلك اللحظة، فإن مضادات الفيروسات القهقرية تعمل بكفاءة شديدة، وبإمكان المرضى أن يسيطروا على الفيروس ويتمتعوا بحياة صحية ومنتجة بفضل الانتظام في العلاج بجانب مجموعة من التدابير الوقائية لشريك الحياة.

  

درجات على سلم

ما حدث إذن، تلك النتائج التي نشرت(9) في الدورية واسعة الشهرة "نيتشر" حديثًا، هو خطوة، بطيئة بعض الشيء، لكنها فعّالة، في طريقنا إلى علاج مرض يتسبب(10) في وفاة مليون شخص سنويًا، ويصيب مليونين. في العام 2017 كان عدد المصابين بالإيدز حوالي 37 مليون شخص، 22 مليون منهم يخضعون للعلاج، وثلاثة أرباعهم تقريبًا من سكّان أفريقيا جنوب الصحراء. ومنذ بداية رصده كوباء، تسبب هذا المرض في قتل حوالي 40 مليون شخص.

 

لم يكن أحد ليتصور يومًا، على سبيل المثال، أن نعالج البكتيريا عبر المضادات الحيوية، شلل الأطفال، جنون البقر، الجدري، الملاريا.. إلخ. في كتابه "هل انتصرت البكتيريا؟" يسأل "هيو بننجتون" أستاذ علم البكتيريا في جامعة إبردين قائلًا: لماذا تبقى المخاوف تحاصرنا رغم أن تاريخنا مع المرض هو رحلة انتصار لا هزيمة؟ لماذا تنتشر وتلقى كل هذا القبول؟ لا نعرف السبب تحديدًا، لكن نتصور أن المخاوف بضاعة رائجة، والحديث عنها يجلب الكثير من الجمهور وبالتالي الكثير من الشهرة للمتحدث، لهذا السبب ربما تجد أن البعض قد يتجاهل الآراء العلمية التي تفتح أبواب التفاؤل العملي المبني على دلائل تجريبية في مقابل الترويج للبؤس.

   

كتاب "هل انتصرت البكتيريا؟" لـ "هيو بننجتون" (مواقع التواصل)

    

حينما يطول الزمن بالمرض، نتحدث هنا عن حالات كنقص المناعة المكتسبة والسرطان، فإنه يبدو كما لو أننا أمام حصن منيع لن نتمكن من دخوله أبدًا، لكن الأمر في بعض الأحيان لا يتم بتلك الطريقة، تلك التي تتضمن ثورة هادرة تخفي المرض من الوجود في لمحة بصر، في تلك الحالة نحتاج فقط لبعض الصبر، للاستمرار في البحث، هنا يتقدم العلم ببطئ وهدوء فيجمع الإنجازات الصغيرة شيئًا فشيئًا كأنما يصّعد على درجات سلّم طويل لكننا نرى نهايته هناك، ما حدث إذن هو نداء لمرضى هذا الوحش المفترس حول العالم، نداء يقول لهم: "لا تيأسوا، استمروا في استخدام أدويتكم، لقد صعدنا درجة إضافية".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار