انضم إلينا
اغلاق
"إنسان لوزون".. هل اكتشفنا نوعا جديدا من الجنس البشري؟

"إنسان لوزون".. هل اكتشفنا نوعا جديدا من الجنس البشري؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

في جزيرة خضراء نائية تابعة لبلدية "بينانبلانكا"، حيث يوجد "كهف كالاو" على مقربة من شواطئ بحر الفلبين الوسع، وبينما تقام الاحتفالات السنوية الملوّنة بمهرجان "سامبالي" الراقص في المدينة القريبة، عكف فريق بحثي من عدة جامعات عالمية ومحلّية على العمل الدؤوب في أعماق الكهف، حيث بدا للوهلة الأولى أن كشفا كبيرا يطل برأسه حينما وجد أرماندو سلفادور ميجارس، أستاذ علم الحفريات بجامعة الفلبين، عظمة صغيرة لكائن عاش في هذا المكان قبل 67 ألف سنة، كائن يشبهنا.

    

كان ذلك في العام(1) 2010، وقتها لم تعط الحفرية الصغيرة إيحاءات واضحة بشيء جديد، اقتُرح بعد ذلك أن ما اكتشفه ذلك الفريق البحثي يرجع إلى نسخة صغيرة الحجم من أفراد جنسنا، الذي نسميه بالإنسان العاقل (Homo Sapiens). أما "ميجارس" فقد كان متيقنا أن ما وجدوه لم يكن كذلك، بل هو جزء نفيس للغاية من شيء جديد تماما، لكن الأمر تطلب ثماني سنوات إضافية من البحث كي نصل في النهاية إلى كشف أزيح عنه الستار فقط قبل عدة أيّام، إنه إنسان لوزون (Homo luzonensis)، نوع جديد من الجنس البشري.

      

    

إنسان لوزون

في دراسة جديدة شغلت الوسط العلمي خلال الأيام القليلة السابقة(2)، لكنك لم تسمع عنها بسبب الحدث الأكثر شهرة وهو "أول صورة للثقب الأسود في العالم"، أعلن فريق بحثي دولي مشترك عن كشف جديد مهم، وهو نوع جديد من جنس البشر يسمى بـ "إنسان لوزون"، نسبة إلى المنطقة التي اكتشفت فيها حفرياته (جزيرة لوزون)، الكشف الجديد يطرح عددا من الأسئلة أكثر من تلك التي يجيب عنها، لكنه لا شك يمثل خطوة جديدة في طريقنا لكشف أصول وجودنا في هذا العالم، نشرت نتائج هذا الكشف في الدورية واسعة الشهرة "نيتشر".

        

جنس الهومو(3) يعني -ببساطة- الجنس البشري، وكلمة هومو بالأساس تعني "إنسانا" باللغة اللاتينية، لم يتبق من هذا الجنس سوى الإنسان المعاصر، أما باقي أنواع هذا الجنس فقد انقرضت لأسباب يحاول العلماء تبيّنها إلى الآن، ويقدر عمر هذا الجنس بنحو 2.3 إلى 2.4 مليون سنة مع بداية ظهور ما نسميه بالإنسان الماهر (Homo habilis)، تميز جنس الهومو بعدة صفات، فمثلا كان حجم جمجمته كبيرا، وبذلك يشمل حيزا كبيرا للمخ، كذلك فإن هذا الجنس قد تمكّن من المشي على اثنين من أطرافه، كذلك تمكّن من بناء أدوات معقدة، واستطاع التواصل بشكل تطور بوضوح وصولا للإنسان المعاصر.

       

   

هناك أنواع عدة من جنس الهومو، إنسان نياندرتال وإنسان دينيسوفان(4)، على سبيل المثال، هما أقرب أقربائنا كبشر معاصرين، وقد عاشا معا حتى قبل 40 ألف عام، وسكنت مجموعتاهما في أوروبا وآسيا، النياندرتاليون كانوا في الغرب ودينيسوفان في الشرق، اكتشف الدينيسوفان قبل تسع سنوات، حينما أعلن فريق بحثي من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية عن اكتشاف جزء من عظمة الإصبع الخاصة بأنثى شابة أثبتت تحاليل الحمض النووي أنها لا تنتمي لأي نوع آخر نعرفه من أفراد جنس الهومو وقتها، لذلك سميت باسم خاص بالكهف الذي وجدت فيه، كهف دينيسوفا الموجود في جبال ألتاي بسيبيريا.

    

كنوز جنوب شرق آسيا

لكن جنوب شرق آسيا، كما يبدو، ما زال عامرا بالاكتشافات المثيرة للانتباه، "إنسان لوزون" هو أحد تلك الاكتشافات، وهو مثير لانتباه الباحثين في هذا المجال لعدة أسباب مهمة، أولها هو طوله، فكما يبدو أنه أقل في الحجم من الرفيق الذي وجد(5) في العام 2003، فقط على مسافة أقل من ثلاثة آلاف كيلومتر في كهف فلوريس بإندونيسيا، سمي الأخير بإنسان فلوريس (Homo floresiensis)، أو "الإنسان القزم" (The Hobbit)، بطول 1.1 متر فقط، لكن يبدو أن "إنسان لوزون" قد يكون أقل في الطول من القزم، لأسباب يحاول الباحثون فحصها إلى الآن.

     

كنوز جنوب شرق آسيا تفتح الباب لكشف تاريخ البشر (مواقع التواصل)

       

في الواقع، فإن ما نمتلكه إلى الآن من حفريات لهذا النوع الجديد من جنس الهومو هو ما يتسبب في الكثير من الألغاز، إنها(6) فقط 13 عظمة، تتضمن بعض عظام الأيدي والأقدام، وعظمة فخذ، وسبع أسنان، لكنها كانت قادرة، عبر الحسابات التشريحية، أن تعطي نبذة واضحة عن متوسط طول إنسان لوزون الجديد. أما الأسنان تحديدا، فكانت السبب في اكتشاف أن "إنسان لوزون" يختلف عن رفاقه من جنس الهومو، لأنها امتلكت تركيبة تشريحية مختلفة عنهم جميعا.

    

أسنان إنسان لوزون (مواقع التواصل)

      

على الرغم من ذلك، فإن بعض العظام الأخرى طرحت مشكلة، حيث كان من المتوقع أن ترجع أصول كل من إنسان لوزون وإنسان فلوريس إلى نوع آخر من جنس الهومو، يسمى الإنسان المنتصب (Homo Erectus)، والذي يُعتقد أنه قد انتشر قبل نحو 1.6 مليون سنة في آسيا، لكن ظهرت مشكلة جديدة، فانحناء(7) إصبع القدم الكبير في حفريات إنسان لوزون لا يشبه أيًّا من رفاقه السابقين، سواء الإنسان العاقل أو المنتصب، بل يشبه نوعا من أشباه البشر التي عاشت جنوبا في قارة أفريقيا يسمى بـ "الأسترالوبيثكس"، والذي يعتقد أنه أول من مشى بقدمين اثنين قبل 4.2 مليون سنة، ولم يخرج من القارة.

  

لكن ذلك، بدوره، يفتح الباب لتصور جديد، أصابع القدم المنحنية بهذا القدر تشير إلى كائنات تتمكن من تسلق الأشجار من أجل الحصول على الغذاء والاحتماء، لكن هل تمكّن إنسان لوزون من ذلك؟ ستكون تلك سابقة من نوعها تطرح الكثير من الأسئلة حول تطور الجنس البشري، وربما ستغير من المسارات التي يعتقد العلماء أن الإنسان القديم قد اتخذها في رحلته للانتشار على سطح الأرض كاملا، يحتاج الأمر إلى المزيد من البحث.

   

إصبع القدم الأكبر أكثر انحناء (مواقع التواصل)

     

أسئلة جديدة لتاريخ شائك

ليست تلك هي المرة الأولى التي أمكن فيها رصد حالة من أفراد جنس الهومو تجمع في تركيبها التشريحي أجزاء ترتبط بأقارب قديمة وأخرى ترتبط بأقارب حديثة للجنس البشري، إنسان ناليدي (Homo naledi) على سبيل المثال كان حالة أخرى شبيهة، اكتُشف هذا النوع من جنس الهومو عبر 15 هيكلا عظميا تضمن 1500 قطعة في حجرة تسمى "دي ناليدي" بأحد كهوف "رايزينغ ستار" في جنوب أفريقيا، أُعلن عن هذا الاكتشاف قبل عدة أعوام.

  

وتشير سارة بايلي، متخصصة الأنثروبولوجيا من جامعة نيويورك، في حوار لها(8) مع مؤسسة ناشونال جيوجرافيك، إلى أن هذا النوع من الخلط يدعم ما يسمى بفرضية التطور الفسيفسائي (Mosaic evolution)، والتي تقول إن الصفات المختلفة تتطور بمعدلات زمنية مختلفة، بمعنى أن التغير يحدث في بعض أجزاء الجسم دون تغير متزامن في الأجزاء الأخرى، أحد الأمثلة هنا هو تطوير أسلاف البشر للقدرة على المشي على قدمين قبل أن يحدث أي تغير واضح في الجمجمة، وبالتالي حجم الدماغ، بفترة طويلة.

      

كهف كالاو، حيث اكتشف إنسان لوزون، وهو مزار سياحي شهير (مواقع التواصل)

      

الأمر إذن معقد، خاصة وأن 13 عظمة، كما قلنا قبل قليل، لا تنبئ بالكثير، أضف إلى ذلك أن الفريق البحثي لم يتمكّن، إلى الآن، من استخراج الحمض النووي الخاص بإنسان لوزون بسبب تأثيرات الرطوبة الموجودة في الكهف، والتي قد تتلف أي حمض نووي، ما يضع الباحثين في موقف يتطلب المزيد من البحث عن بقايا أخرى لإنسان لوزون لكي نتمكّن من الحصول على إجابات لكل تلك الأسئلة.

    

مستقبل مفتوح

وما يمكن أن نؤكده، في تلك الجوقة من الاحتمالات الواسعة، هو أن معرفتنا بتاريخ أسلاف البشر تتقدم يوما بعد يوم، خاصة في السنوات الثلاثين الأخيرة، بعدما استطعنا تطوير كم هائل من الأدوات الدقيقة التي تمكّننا من كشف واستخراج وفحص وتحليل التركيب الجزيئي الخاص بعيّنات أسلاف البشر بصورة لم يتوقع متخصص في هذا الفرع المعقد أن تحدث أبدا، تأمل -على سبيل المثال- ما تحدثنا عنه في هذا التقرير من مكتشفات كلها جاءت بعد العام 2000.

    

لكن على الرغم من ذلك، فما نعرفه إلى الآن قليل جدا مقارنة بما نحتاج إلى معرفته عن تاريخنا، وما تؤكده الأبحاث هو أن سلوك الصورة المعاصرة من البشر لمّا يظهر فجأة(9)، بل تطور عبر الزمن، فمثلا نتصوّر أن نقطة الانطلاق الأولى كانت قدرة أسلافنا على السير على طرفين فقط، ما أعطاهم الفرصة لاستخدام الطرفين الإضافيين، بذلك ستكون الخطوة المتوقعة القادمة هي أن تستخدمهما لفعل شيء، للتحطيم مثلا، هنا نقول إنك -الآن- تستطيع أن تستخدم الأدوات.

      

نموذج لجمجمة اكتُشفت في جزيرة أندونيسية نائية. وقد وجد العلماء الأستراليون نوعًا جديدًا من البشر بحجم الهوبيت الذين عاشوا قبل 18000 عام في جزيرة نائية (رويترز)

    

سمح ذلك لأسلافنا بتطوير القدرة على استخدام الأصابع بشكل أكثر تحررا وقوّة، ينطلق ذلك كله عبر مجموعة جنس الهومو بالتدريج، فتظهر القدرة على أكل اللحوم، بعدها سيكون من المتوقع أن يتأثر الدماغ بسبب الحمية الجديدة، فيزداد حجما، من هنا تظهر القدرة على التفاعل الأكثر ذكاء، والذي بدأ بصورة اجتماعية متدرجة مرورا بدفن الموتى ووضع الورود على قبورهم، وصولا إلى الفن. في كل فقرة من فقرات "تاريخنا" يظهر شيء جديد مفيد، لكنه يأتي مع الكثير من الأسرار والأسئلة الغامضة.

  

هل سنصل يوما ما إلى وضع تفسير كامل صلب لتاريخنا على هذا الكوكب؟ ربما، فعلى الرغم من كل التحديات التي تواجه هذا النطاق البحثي، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى إمكانات واعدة. يوما بعد يوم ينضم مئات الباحثين الجدد إلى نطاقات كتلك، والتي أصبحت تجد صدى واسعا في الأجواء العامة والمتخصصة على حد سواء، يفتح ذلك الباب للعديد من الفرص، فمع اتساع رقعة التعاون وتبادل المعرفة، خاصة في العصر الرقمي الذي نخوض غماره، تتسع في المقابل إمكاناتنا، وقد نجيب يوما ما عن سؤالنا الرئيس: "من نحن؟".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار