انضم إلينا
اغلاق
شرير، طيب، جاهل، أحمق.. هل يمكن معرفة الشخصية من ملامح الوجه؟

شرير، طيب، جاهل، أحمق.. هل يمكن معرفة الشخصية من ملامح الوجه؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"من كانت جبهته صغيرة فهو جاهل"

"الحاجب كثيف الشعر يكون صاحبه كثير الهم والحزن"

"من كان أنفه غليظا ممتلئا فهو قليل الفهم"

"العين الشبيهة بعيني البقر تدل على الحماقة"

"من كان نحيف الوجه فهو مهموم بالأمور لأن كثرة الأفكار توجب اليبوسة"

  

ما سبق، تعد مجموعة من الاقتباسات(1) من أحد أشهر وأهم الكتب في تاريخ الفراسة، وهو كتاب "الفراسة" لفخر الدين الرازي، الإمام الموسوعي الذي عاش في النصف الثاني من القرن السادس الهجري. يزخر الكتاب باقتباسات شبيهة تحاول، بحد تعبير المؤلف، أن تكون استدلالا على الأخلاق الباطنة عبر استخدام الأحوال الظاهرة. لقد كان هذا النطاق، بجانب البحث عن أوضاع النجوم وارتباطها بأحوال البشر، رائجا في تلك الفترة، وما زال كذلك إلى الآن.

   

لا بد وأنك استمعت يوما ما إلى جمل شبيهة بتلك: "أصحاب الوجه الطويل أفضل من يتولون القيادة فى المؤسسات الكبيرة"، أما "أصحاب الجبهة العريضة فيتسمون بالذكاء ونسبة عالية من الثقة في النفس"، لكن "احذر من الوجه قليل اللحم ذي العظام البارزة، فهو شخص غير أخلاقي ولا يتبع القيم والمثل العليا"، وربما اقتنعت أنه يمكن بالفعل أن نقيّم شخصية إنسان ما عبر ملامح وجهه، لا ينتشر ما يسمى بـ "علم الفراسة" في أوساط الأحاديث الدارجة فقط، بل تحوّل إلى كتب ومقالات ومساقات بمئات الدولارات ومواقع إلكترونية كاملة. لكن، هل يمكن حقا التنبؤ بأحوال الناس عبر ملامح وجوههم؟!

    

صفحة من كتاب الرازي يكتب فيها العلاقة بين بعض الصفات الجسدية وشخصية الإنسان (مواقع التواصل)

    

الإنسان كآلة فحص

حسنا، دعنا في البداية نوضح أننا، كبشر، نمارس بالفعل نوعا من فراسة الوجه في حياتنا اليومية، لكنها إلى حد بعيد ساذجة حينما تتصل بالشخصيات وتركيبها. على سبيل المثال، كان كلٌّ من راندي ثورنهيل، عالم البيولوجيا من جامعة نيوميكسيكو، وستيف غانغستيد، متخصص علم النفس من الجامعة نفسها، قد عكفا(2) على دراسة التفضيلات الخاصة بالنساء تجاه تماثُل جسد، ووجه، وأقدام، وأذني، ويدي الجنس الآخر، في التجارب عُرضت صور وتصميمات ثلاثية البُعد لمجموعة من الرجال على الخاضعات للتجارب، ثم سُئلن عن الرجال الأكثر جاذبية.

  

هنا، جاءت النتائج لتشير إلى أن المتطوّعات لم يُفضّلن تلك التماثلات الواضحة في الوجوه فقط، بل امتد الأمر للنماذج ثلاثية البُعد والتي لم يظهر التماثل فيها واضحا للعينين المجردتين، بمعنى أن قدرة السيدات على إدراك التماثل كانت أكبر من وعيها بهذه القدرة، ويشير ذلك -من وجهة نظر علم النفس التطوري- إلى أن البشر، بغرض الوصول إلى أفضل فرصة ممكنة مع الجنس الآخر من أجل التزاوج وإعطاء نسل ذي حالة صحيّة جيدة، قد طوّروا قدرات دقيقة لفحص وجه وجسد الطرف الآخر باعتبارها انطباعات عن سلامة جيناتهم، تلك التي لا يمكن أن يتم فحصها بسهولة.

    

   

نحن إذن آلات فحص طبيعية للوجوه، عند هذه النقطة يمكن أن نتأمل قليلا أحد التحيزات الإدراكية الشهيرة الذي يسمى بـ "تأثير الهالة"(3) (Halo Effect)، والذي يقول إن تأثّرنا بإحدى صفات شخص ما يؤدي إلى مبالغة في تقديرنا لصفات أخرى خاصة به، أحد الأمثلة هنا هو عندما يلاحظ الواحد منّا أن الشخص الموجود في صورة ما جذّاب أو مهذب أو مهندم، فيفترض تلقائيا أنه شخص جيد أو جدير بالثقة أو طيّب القلب أو مرهف الشعور.

    

إحدى أشهر التجارب(4) في هذا النطاق جرت في السبعينيات من القرن الفائت عندما جمع باحثون من جامعة مينيسوتا 60 طالبا وطالبة وعرضوا عليهم ثلاث صور، الأولى لشخص جذّاب، والثانية لشخص متوسط الجاذبية، والثالثة لشخص أقل جاذبية، ثم طلب إليهم جميعا إعطاء انطباعات عن 27 صفة شخصية للثلاثة، صفات كالإيثار والانفتاح والثقة والطيبة والذكاء العاطفي، إلخ، كذلك طلب إلى الجميع إعطاء انطباعات عن مستقبل هؤلاء الثلاثة، هل سيكون أكثر سعادة؟ هنا جاءت النتائج لتقول إن الخاضعين للتجارب أعطوا درجات كبيرة في الصفات الشخصية للأشخاص الأكثر جاذبية، كذلك توقعوا لهم مستقبلا أكثر سعادة، تجارب أخرى وجدت علاقة بين جاذبية الشخص وتصور الناس عن ذكائه أو قدراته في مجالات كالسياسة. 

  

إلى اليسار بائس وإلى اليمين غضوب (تصورات أحد كتب الفراسة القديمة عن الوجه) (مواقع التواصل)

    

بالتالي، فإن مقدار جاذبية شخص ما قد يؤثر بالفعل على تصوراتنا عنه، يمتد ذلك بدرجة واسعة من العمق استطاع معها أليكس تودوروف، من جامعة برينستون، قبل نحو ثماني سنوات، أن يحصرها5 في مجموعة من الأنماط التي نتتبعها نحن البشر بشكل تلقائي حينما نرى شخصا ما لأول مرة، كل ما نحتاج إليه هو فقط جزء من الثانية أمام وجه هذا الشخص ليعمل دماغنا بشكل فوري على تصنيفه بحسب النماذج الجاهزة المحفوظة في جنباته.

 

على سبيل المثال، نحن نتعامل مع أصحاب الوجه الطفولي على أنهم جديرون بالثقة، لكنهم -بالنسبة لنا- ليسوا أكفاء، في المقابل نتعامل مع أصحاب الذقن المربع على أنهم أكثر عدوانية، كذلك نتعامل مع أصحاب الوجه العريض على أنهم أكثر انبساطا، بينما أصحاب الوجه الطويل الرفيع على أنهم انطوائيون. بعد تجاربهم على عدد كبير من المتطوعين وضع تودوروف ورفاقه هذه الصفات في نماذج محاكاة رياضية للأنماط العامة للبشر في عدة نطاقات كالكفاءة، الثقة، الانبساطية، الخوف والعدوانية، الاهتمام، القدرة على الهيمنة، إلخ. (تأمل جميع الأنماط في المصدر بالتعليقات)6. لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الرئيس: هل يعني ذلك أن أصحاب الوجوه الطفولية هم أشخاص جديرون بالثقة حقا؟

 

هل صاحب الوجه البريء.. بريء حقا؟

  

هناك بعض الأشياء المحتملة بحكم طبيعة الأمور، هرمون التوستيرون على سبيل المثال(7)، حينما يكون مرتفعا عن القيمة المتوسطة في الرجال فإنه يتسبب في أن يصبح الوجة دائريا، كذلك يكون الشخص أكثر رغبة في الهيمنة والعدوانية حينما يكبر، من جهة أخرى فإن بعض التجارب(8) قد تمكّنت من رصد حالات يتمكّن فيها الناس من رصد صفات متعلقة بالانفتاح والانبساط في شخصية الآخرين الذين يتأملون وجوههم للمرة الأولى.

  

لكن ذلك ليس كافيا، فعلى الطرف الآخر من تلك التجارب، فإن عددا أكبر من الدراسات قد فشل في إيجاد علاقات واضحة بين الوجه وطباع الشخصية أو الميول الجنسية أو الطبقات الاجتماعية أو التوجهات السياسية، حيث كانت النتائج(9) دائما تقع بين 50 إلى 60% ما يعني نسبة قريبة إلى المصادفة الطبيعية، لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا النطاق لا تتعلق بكم التجارب الذي يؤيد أو يعارض، بل بطبيعة إدراكنا نحن البشر لوجوه الآخرين، بمعنى أوضح، إذا كنّا نتعامل مع الشخص صاحب العيون الضيّقة والحواجب المنعقدة كرقم ثمانية على أنه يُمثّل تهديدا، ألا يجعله ذلك يُمثّل تهديدا؟

  

بحسب(10) تجارب تودوروف ورفاقه، فنحن لا نضع الآخرين في قوائم فقط، بل نتصرف وفقا لهذه القوائم أيضا. من وجهة النظر تلك، سيتمتَّع السياسيون ذوو الوجوه التي تُبدي المهارة بفرصة أكبر للانتخابات، لأن عددا أكبر من الناس سيختارونهم بناء على تلك الأنماط، أما أصحاب الوجه الأكثر قدرة على الهيمنة فسيلقون قبولا في وظائف أخرى كالإدارة والوظائف العسكرية، أما أصحاب الوجه الطفولي سيتقدمون بصورة أكبر في مهن الرعاية الصحية كالطب، بذلك لا يمكن لنا بسهولة الربط بشكل سببي بين الوجه والشخصية، لأننا -من الأساس- من ألحقنا الوجه بالشخصية، أي إننا وجّهنا الشخصية لتنطبق على توقعاتنا على الوجه.

    

  

من جهة أخرى فقد يكون الأمر معاكسا لهذا الوضع. على سبيل المثال(11)، قد نجد أيضا تمثيلا لأصحاب الوجه الطفولي في فئات أكثر عنفا كالعمل العسكري أو الجريمة، بجانب فئات أكثر مهارة كالعمل الأكاديمي أو التعليم في العموم. هنا، قد تكون المشكلة أن يحاول صاحب الوجه الذي يعطي إشارات "بريئة" للآخرين، على سبيل المثال، تكذيب فكرة الناس عنه، فيضغط على ذاته في اتجاه العمل الأكثر عنفا أو ثقلا في العموم، كنوع من التعويض الزائد. بالتالي، فإن المشكلة التي تواجهنا حينما نحاول ربط الوجه بالشخصية أكثر عمقا مما يمكن أن نتصور، لأنه حتّى بفرض وجود علاقة، فهي غير سببية.

  

في الواقع، فإن الوسط العلمي -حتى سنوات قليلة- تعامل مع ما يسمى بـ "علم الفراسة" (physiognomy) على أنه علم زائف بالكامل. وبالنسبة لما تواجهه يوميا من أحاديث عن الفراسة، فالأمر كذلك فعلا، كل تلك الكتب والمساقات التي تحكي عن علاقة -بهذا الوضوح الذي نراه في الاقتباسات الموجودة بالأعلى- بين الهيئة والشخصية لا تستند إلى أي قواعد علمية وهي -ببساطة- غير صحيحة، جُلّ ما في الأمر أنه قد تكون هناك علاقات أكثر "عمومية" تتحقق فقط في حالات متطرفة من السمات الشخصية، لكن النسب الضئيلة للنجاح ليست كافية لصنع كل تلك المساقات والكتب بالطبع.

   

الفراسة في العصر الرقمي

قد يكون التعميم، بالفعل، هو الهدف من الأساس في أننا نتأمل أصحاب الوجوه الكبيرة والعيون الضيقة على أنهم غير محببين، لقد عاش البشر -قبل ثمانين إلى مئة ألف سنة- في بيئات وعرة، كان هدفهم فقط هو إيجاد الطعام وتجنب المخاطر، و"الغرباء" من ضمن تلك المخاطر. لهذا السبب، بحسب علم النفس التطوري، ربما طوّرت أجهزتنا النفسية أدوات لإعطاء أحكام سريعة، لكنها غير صحيحة بالكامل، من أجل حل المشكلات الطارئة. على سبيل المثال، حينما يتقدم شخص غريب منك بسرعة. في تلك الحالة، لا حاجة لنا إلى وضع تحليل كامل للوجه ثم النقاش مع هذا الغريب، بل يحتاج دماغك إلى إشارات أكثر عمومية من أجل التصرف اللحظي، الهرب بسرعة مثلا.

    

  

هذه الإشارات قد تكون ببساطة: "وجه كبير، إذن يمكن أن يضرب بقوة" أو "حواجب منعقدة بطبعها، إذن فهو يشعر بالغضب بسهولة"، إلخ، رغم أن تلك التعميمات قد تكون صادقة في الحالات المتطرفة، فإنها ليست كذلك في معظم الحالات. يمكن أن نرى تلك الفكرة بوضوح أكبر في حالة التحيزات الإدراكية، خذ مثلا ما يسميه لي روس، من جامعة ستانفورد، بـ "الواقعية الساذجة"(12)، وهو ميلنا للتعامل مع آرائنا على أنها وقائع وليست مجرد آراء. حاليا، يُمثّل هذا التحيز نقطة ضعف مربكة لحياتنا، لكن قبل ثمانين ألف سنة لم يكن كذلك، لأن الحياة كانت أكثر بساطة من الحاجة إلى تحليلات معقدة، لكن ما احتجنا إليه من أجل البقاء في تلك البيئات الخطرة -كي لا ننهار نفسيا- هو قوّة داخلية تخبرنا أننا على صواب ولذلك يجب أن نتّبع حدسنا.

  

في الحقيقة، فإن هذا النطاق -"الفراسة"- لم يكن محط اهتمام للبحث العلمي على مدى عقود عدة، لكن تجارب تودوروف ورفاقه أعادت إحياءه، بجانب صدمة جديدة تماما أتت من مكان مختلف لم يتصور أحد أن يتدخل لإعطاء رأي في هذا المجال، حدث ذلك في العام 2017 حينما طوّر مايكل كوسينسكي من جامعة ستانفورد خوارزمية(13) يمكن لها كشف الميول الجنسية للأشخاص من الصور الخاصة بهم، ضمن 35 ألف صورة نجحت الخوارزمية في اكتشاف "مثليي الجنس"، من صور وسائل التواصل الاجتماعي، بنسبة وصلت إلى 91%، نعم، إنها كما قرأت!

  

ليس ذلك فقط، بل إن كوسينسكي ورفاقه يزعمون(14) قدرتهم على تطوير ذكاء اصطناعي أكثر قدرة على تحديد بعض المعايير الأخرى كالتوجه السياسي، ومعدلات الذكاء، يرى كوسينسكي أن الوجه البشري هو كتاب مفتوح مسكون بالمعلومات، قد لا نكون أكثر قدرة على استخراجها، لكن آليات التعلّم العميق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تكون أكثر قدرة على إيجاد الأنماط من البشر، لكن السؤال هنا هو: هل تمكّن الذكاء الاصطناعي بالفعل من إيجاد علاقة واضحة بين ملامح الوجه والتوجه الجنسي؟

     

تخيّل أن يأتي يوم تقف فيه أمام الكاميرا، فتُمنع من دخولك إلى مكان ما، لأن وجهك يعطي إشارات عدائية

مواقع التواصل 
   

للأسف، الأمر ليس بتلك البساطة، فالذكاء الاصطناعي هنا لا يحلل فقط ملامح الوجه كطول الأنف أو شكل الجبهة أو بروز الأذن، لكنه أيضا يحلل الوضع الذي يتخذه الشخص في الصورة، المشاعر التي تبدو على وجهه أثناء التقاطها، الملابس التي يرتديها في الصورة التي يحب أن يراها الناس على وسائل التواصل الاجتماعي، بالتالي فإن تلك النتائج قد تكون صحيحة، لكنها لا تعني علاقة بين ملامح الوجه والتوجه الجنسي بقدر ما تعني أن صاحب التوجه الجنسي المخالف لجنسه البيولوجي قد يميل، بدرجة ما، إلى اتخاذ وضع يشبه الجنس الآخر.

   

الأمر لا شك يدعو للتأمل، هل ستتمكن تقنيات التعرف على الوجوه بالفعل من إيجاد علامات تربط بين شخصية الإنسان وملامح وجهه؟ ربما يحدث ذلك يوما ما، خاصة وأن البحث العلمي في هذا المجال نشط جدا لأغراض استخباراتية واقتصادية، تخيّل أن يأتي يوم تقف فيه أمام الكاميرا، فتُمنع من دخولك إلى مكان ما، لأن وجهك يعطي إشارات عدائية أو لأن اتساق أذنيك مع الفارق بين طول وعرض وجهك يشير إلى أنك لست كفئا لهذه الوظيفة. هذا "الهراء" يمكن أن يصبح حقيقة يوما ما، فقط إذا تعاملنا مع البشر على أنهم كائنات بسيطة يمكن توقع كل شيء في حياتها بمجرد صورة، لكننا أكثر تعقيدا من ذلك، وهذا هو السر الرئيس في فشل الفراسة في معظم الأحيان بحيث تكون أقرب للمصادفة منها إلى المهارة.

   

نيلسون ذو الوجه الطفولي

في النهاية، فإن ما تراه في الكتب أو على الإنترنت من مدّعي الخبرة في "علم الفراسة"، هذه المساقات المنتشرة في دولنا العربية والتي غالبا ما تقع داخل "باكدج" للتنمية البشرية وعلوم التأمل واختراق المجال الطاقي، هو علم زائف لا توجد أي دلائل عليه، كعادة تلك الأنواع من الادعاءات فإنها تعتمد على كتب قديمة يتحدث هؤلاء المدربون عنها وكأنها "أسرار قيّمة حازها الأقدمون"، بينما الأمر هو أقرب ما يكون لقراءة الطالع أو مواضع النجوم لحظة الميلاد أو غيرها من الخرافات.

   

في كتابه "الفراسة عند العرب"، يقول الدكتور يوسف مراد إن الأمر المتعلق بالفراسة، والذي بدأ قديما في اليونان ثم انتقل إلى أرض العرب، ربما كان ذا علاقة باعتقاد تناسخ الأرواح، حيث إن الكتابات الأولى فيها كانت تصف وجه الشخص بالنسبة للحيوان القريب منه، فيكون الشخص ذا وجه قريب من وجه الكلب أو الأسد أو الخنزير مما يدفع الكاتب لتصور أنه يمتلك صفات من تلك الحيوانات، كالعطف أو الإخلاص أو الشجاعة، إلخ، وهو ما فتح الباب لاحقا لتأملات أكثر تعقيدا بناء على الأفكار الأولية نفسها.

   

نيلسون ذو الوجه البريء (مواقع التواصل)

    

هل حقا صحيح أن أصحاب الوجه الطفولي هم أشخاص بريئون كالأطفال؟ عند هذه النقطة يمكن أن نتأمل حكاية لافتة للانتباه عن "نيلسون ذو الوجه الطفولي"(15) (Baby Face Nelson)، إنه اللقب المثير للانتباه الذي حمله سارق بنوك شهير يدعى ليستر جوزيف جيليس، وكان شابا صغير السن ذا ملامح بريئة وهادئة ساعدته في سرقاته، تضمنت مسيرته الإجرامية بجانب البنوك هربا من السجن وقتلا لعدد من عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، لاحقا لقّب "نيلسون" بالعدو رقم واحد للحكومة الأميركية وقتل في ما يُعرف بـ "معركة بارينغتون" مع الشرطة.

   

"كيف يمكن لشخص بهذه الجاذبية أن يلعب دور مصّاص دماء؟"، كان هذا هو السؤال الذي شغل الملايين في العالم أجمع بعد نزول فيلم "لقاء مع مصّاص دماء" (Interview with the Vampire: The Vampire Chronicles (1994) إلى السينما في العام 1994، قبل هذا الفيلم كان المعروف هو أن مصّاصي الدماء هم أشخاص قبيحون لهم ملامح حادة، أما مصاص الدماء في هذا الفيلم الذي لقي قبولا واسعا فهو أحد أكثر وجوه هوليوود جاذبية، براد بيت.

  

براد بيت ذو الوجه الجذّاب كمصاص دماء (مواقع التواصل)

     

غيَّر هذا الفيلم كثيرا من مفاهيم الناس عن العلاقة بين ملامح الوجه البريء والطيبة، من تلك النقطة انطلقت مجموعة كبيرة من الأفلام والمسلسلات التي يظهر فيها الشرير بريئا متخفيا في ثوب أناقته كما فعل الذئب في الحكاية الشهيرة "ذات الرداء الأحمر"، وصولا إلى النسخة الأخيرة من فيلم "الجميلة والوحش" بطولة إيما واطسون. لكن على الرغم من ذلك، فإن البشر ما زالوا واقعين تحت "تأثير الهالة" الشديد، تعجبهم المظاهر إلى حد المرض في بعض الأحيان، سيقولون "إذا كان أحدهم جميل الشكل.. فلا بد أنه طيّب أيضا".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار