انضم إلينا
اغلاق
"عباقرة في الخمسينيات".. هل ينخفض الإبداع مع العمر؟

"عباقرة في الخمسينيات".. هل ينخفض الإبداع مع العمر؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

قال ألبرت أينشتاين ذات مرة إن "الشخص الذي لم يقدّم أعظم مساهماته للعلم قبل سن الثلاثين غالبا لن يفعل"، في إشارة إلى أن تلك الفترة التي تبدأ قبل العشرينيات من عمرك وصولا إلى أوائل الثلاثينيات هي فقط ما يحمل كل القدرات الإبداعية الممكنة للمساهمة في أي مجال تحبه، وهي أيضا إشارة إلى أنه يجب على طلّاب العلوم، والفنون والآداب والفلسفات كذلك، في كل مكان بالعالم، أن يبدأوا عملهم البحثي أو الإبداعي في سن مبكرة لاستغلال تلك الفرصة الذهبية، والتي يبدو أنها تأتي مرة واحدة فقط في العمر، ثم تخبو ككل شيء آخر.

  

ضربة العمر

"تجد الفكرة القائلة إن الإبداع ينخفض مع العمر صدى واسعا في الأوساط العامة والبحثية على حد سواء"، يقول بروس واينبرج من جامعة أوهايو، في حديثه مع "ميدان"، يمكن لك فقط تأمل الشاعر الكبير "أرثر رامبو" الذي أبدع أعظم أعماله بداية من السابعة عشرة، ألبرت أينشتاين نفسه، ريتشارد فاينمان أو فيرنر هايزنبرج في مجالات ميكانيكا الكم، لقد طوّر الأخير ميكانيكا المصفوفات في عمر الثالثة والعشرين.

  

هذا النمط في الإنتاج الإبداعي يبدو واضحا، تدعمه(1) وجهات نظر تقول إن الواحد منّا يكتسب قدراته الإبداعية، خاصة في مجالات الرياضيات والعلوم، في وقت مبكر جزئيا، في تلك الفترة لا يزال الفص الجبهي يبني مادة "المايلين" (النخاعين) حول الخلايا العصبية ما يعني نقلا أكثر فعالية للرسائل بين الخلايا العصبية، وهو بدوره ما يؤدي إلى مزيد من الدقة والتركيز، بنهاية الثلاثينيات وبداية الأربعينيات تنعكس تلك العملية، ما قد يؤثر بقوة على قدراتنا الإبداعية.

    

  

من جهة أخرى، يمكن تأمل الفكرة من ناحية سيكولوجية، حيث يرى البعض أن الأمر ذو علاقة بالخبرات التي نكتسبها في الحياة. حينما نقارن بين الأطفال والبالغين، من وجهة النظر تلك، تظهر مفارقة طريفة بعض الشيء، حيث إننا -نحن البشر- نتعامل مع المشكلات بطريقتين، الأولى هي الاستكشاف، وتعني محاولاتنا لتفسير آليات عملها، والثانية هي الاستغلال، وتعني قدراتنا على استغلال الخبرات والمعارف السابقة عن هذا العالم والاعتماد عليها من أجل التوصل إلى أسرع حل ممكن للمشكلات الحالية. 

  

يعني ذلك أنه كلما كبرنا في العمر ارتفعت معدلات استخدامنا لآلية الاستغلال في مقابل الاستكشاف، وبما أن الأخيرة ترتبط -بشكل أو بآخر- بالإبداع، فإن ذلك قد يكون السبب في أننا نطوّر قدرات إبداعية أقل مع العمر، يتصوّر أليسون جوبنيك(2) من قسم علم النفس جامعة كاليفورنيا أن ذلك هو السبب في وجود مرحلة المراهقة في البشر؛ فبينما كانت الطفولة هي مرحلة تعمل بالكامل عبر الإبداع بالاستكشاف، وجب أن توجد مرحلة انتقالية تجهّز عقولنا للعمل بالمهارة الأسرع والأكثر تلبية لاستجاباتنا اليومية، الاستغلال.

  

طبيعة الإبداع

لكن على الرغم من ذلك، فإن الأمر المختص بالعلاقة بين الإبداع والعمر ليس صلبا بهذا الشكل. فبحسب ورقة بحثية جديدة، نُشرت(3) فقط قبل عدة أيّام في دورية "دي إيكونوميست"، يرى بروس واينبرج، أستاذ الاقتصاد الذي يهتم بتحليل تطور أنماط الإبداع العلمي خلال القرن العشرين، في حديث خاص لـ "ميدان"، أن ذلك هو فقط "جزء من القصّة الكاملة"، والتي ترتبط بعدة عوامل أخرى إلى جانب العمر.

  

يميل الاقتصاديون المفاهيميون إلى استخدام الافتراضات والبراهين والمعادلات الرياضية للوصول إلى نتائجهم التي تكون أكثر عمومية

مواقع التواصل
    

خذ مثلا طبيعة العمل الإبداعي. في الدراسة الخاصة بهم، قام واينبرج ورفاقه بتحليل 31 من جوائز نوبل في الاقتصاد، تحديدا قام بفحص طبيعة العمل الإبداعي الرئيسي الذي أنجزه صاحب الجائزة وفي أي فترة من عمره، هنا جاءت النتائج لتقول إن الكثير من الحاصلين على نوبل في الاقتصاد قد حققوا أعظم إنجازاتهم في سن صغيرة (منتصف العشرينيات، 25 و29 سنة بشكل رئيس)، لكن ذلك فقط اقتصر على الأعمال ذات الطبيعة "المفاهيمية" أو النظرية، تلك التي تتطلب تفكيرا خارج الصندوق وكسرا للمنظومة المعرفية القائمة.

  

من جهة أخرى ظهرت دورة ثانية من الإبداع لم يكن أحد ليتصوّر وجودها، وتظهر في منتصف الخمسينيات من العمر (57 سنة في المتوسط)، وترتبط بالإبداعات "التجريبية"، فالأخيرة لا ترتبط فقط بالقدرة على التفكير خارج الصندوق ولكن يتطلب الأمر قدرا واسعا من التجريب والبحث، يجمع هذا النوع من المبدعين المعرفة خلال حياتهم المهنية ويجدون طرقا رائدة لتحليل وتفسير وتوليف هذه المعلومات في طرق جديدة للفهم، الفترات الطويلة من التجربة والخطأ مطلوبة للابتكارات التجريبية المهمة، وهو ما يجعلها تميل إلى الحدوث في وقت متأخر من الحياة المهنية للشخص الحائز على جائزة نوبل.

  

على سبيل المثال(4)، تحديدا في الدراسة التي قام بها واينبرج، يميل الاقتصاديون المفاهيميون إلى استخدام الافتراضات والبراهين والمعادلات الرياضية للوصول إلى نتائجهم التي تكون أكثر عمومية، بينما يعتمد الاقتصاديون التجريبيون على الاستدلال المباشر من الحقائق، لذلك تميل أعمالهم البحثية إلى مزيد من الإشارات إلى عناصر محددة من أرض الواقع، مثل الأماكن والفترات الزمنية والصناعات أو السلع، هذا الفارق يرتبط كما يبدو بالعمر.

     

يميل المبدعون الأكثر نجاحا إلى أن يكونوا مفاهيميين وشبابا في سن الذروة، أو تجريبيين في فترة متأخرة من حياتهم

مواقع التواصل
  
نظري أم تجريبي؟!

يقول واينبرج في حديثه مع محرر "ميدان": "لقد أجرينا تحليلا كميا مفصلا، بالنسبة لهذا الحقل، وفي حقول أخرى بحسب دراسات سابقة لنا، يوضح أن بعض الأشخاص يقومون بأفضل عمل في وقت لاحق من الحياة"، مضيفا أنه لا يُشكّك في أن بعض -حتى الكثير- من الناس يقومون بعملهم الأفضل مبكرا في حياتهم المهنية، لكنه يضيف: "ما نود الإشارة إليه هو الأشخاص المهمون الآخرون الذين يقومون بعملهم الأفضل لاحقا في حياتهم المهنية أيضا".

  

بحسب تلك الفكرة فإنه لا يوجد اعتراض واضح على أن الإبداع الخالص، والذي يعني قدراتنا على خلق أفكار جديدة وثورية بحيث تقفز على الأنماط النظرية السائدة، يرتبط بالعمر، لكن يجب أيضا أن نعيد النظر في طبيعة العمل الذي يقوم به الباحث، بالتالي فمن الأفضل أن يقوم الواحد منّا، إن أراد، بتطوير توجهاته البحثية مع العمر ناحية جوانب تجريبية بشكل أكبر، حيث يميل المبدعون الأكثر نجاحا إلى أن يكونوا مفاهيميين وشبابا في سن الذروة، أو تجريبيين في فترة متأخرة من حياتهم.

     

    

يقول واينبرج في حديثه مع "ميدان": "درست معظم الأبحاث الأخرى في هذا المجال الاختلافات في ذروة أعمار الإبداع بين التخصصات، مثل الفيزياء مقابل العلوم الطبية"، مضيفا: "تجد هذه الدراسات، بشكل عام، اختلافات طفيفة عبر التخصصات، حيث يصل الإبداع إلى ذروته في منتصف الثلاثينيات إلى أوائل الأربعينيات في معظم المجالات"، كان واينبرج قبل عدة أعوام قد توصل(5) إلى نتائج مختلفة عن السائد، في دراسة لأكثر من 525 حاصلا على نوبل في العلوم، فبينما اتفق الجميع على أن الإبداع يتحقق في سن مختلفة داخل النطاقات المختلفة، الفلسفة أو التاريخ أو العلوم في العموم، فإنه وجد أن هذه الفروق ليست كبيرة بالشكل الذي يمكن أن يضع عمرا محددا لكل تخصص، فقط لنقل إن بداية الأربعينيات من عمرك تعني النهاية.

  

لكن إحدى الملاحظات اللافتة للانتباه في تلك الدراسة كانت تقدُّم سن الحصول على نوبل عاما بعد عام، يمكن لنا ملاحظة ذلك الفارق بوضوح عبر مقارنة جائزة نوبل الأخيرة في الفيزياء (الثلاثة أعمارهم أكثر من 60 عاما)، وجوائز نوبل في فترة ثورة النسبية والكوانتم (هايزنبرج وأينشتاين وديراك ونيلز بور) حيث كانت معدلات الأعمار أقل بكثير، الثلاثينيات مثلا، يتفق ذلك مع رؤية واينبرج التي تقول إن الإنجازات النظرية في مجال الفيزياء كانت نظرية في بداية القرن ثم أضحت أكثر ميلا ناحية الأعمال التجريبية، يعني ذلك أن الثورات العلمية تفتح الباب للجميع لكي يبدع، بحسب طريقته في الإبداع، يقول واينبرج في حواره مع "ميدان": "ما إذا كنت قد وصلت إلى ذروتك الإبداعية في وقت مبكر أو متأخر من حياتك المهنية يعتمد على ما إذا كان لديك منهج مفاهيمي أو تجريبي في عملك".

  

استغل الفرصة

من جهة أخرى فإن بعض الدراسات(6) تربط بين خصائص الإبداع وبعض الصفات التي تظهر لاحقا في العمر. على سبيل المثال، كانت لين هاشر من جامعة تورنتو قد وجدت، قبل نحو عشرة أعوام، أن الأشخاص الأكبر سنا يكونون أقل تركيزا في انتباههم على شيء واحد من الشباب، لكن تلك الصفة أظهرت فائدة حينما تتطلب المشكلات درجة أكثر اتساعا وأقل تركيزا من الانتباه، بمعنى أن أصحاب السن الصغيرة قادرون بالفعل على إعطاء أقصى درجات التركيز في شيء واحد والإبداع فيه، بينما يمكن لكبار السن الإبداع في المجالات التي تتطلب التفاتا لعدة نطاقات في الوقت نفسه، أضف إلى ذلك أن الخبرة التي اكتسبها هؤلاء مع العمر تتدخل بقوة لتنظيم هذا التنوع، بذلك يمكن أيضا تفسير دفقات الإبداع التي تأتي متأخرا.

    

  

أما دين سيمونتون، عالم النفس الشهير من "يو سي دافيس"، فيرى أنه على الرغم من وجود إجماع على علاقة العمر بالإبداع، فإن هناك ثلاثة استثناءات تجريبية(7)، الأول له علاقة بطبيعة المجال، حيث يميل العلماء والرياضيون والشعراء الغنائيون إلى نمط إبداعي يظهر في سن مبكرة مع تراجع ملموس كلما ازداد العمر، أما المؤرخون والفلاسفة فيظهر إبداعهم في وقت متأخر، يختلف ذلك بدرجة ما مع رأي واينبرج في أن الأمر لا يتعلق بالنطاق ولكن بطبيعة العمل داخل النطاق، لكن التاريخ والفلسفة بدورها تعتمد على الخبرات بشكل أكبر.

  

أضف إلى ذلك أن هناك استثناء آخر يتعلق بقوة الإنجاز العلمي نفسه، حيث يبدو وكأن هناك نمطين واضحين، نمط "الضربة الثورية" والذي يحدث غالبا مرة واحدة في العمر، يتمركز كل نشاط الباحث فيما بعدها، وغالبا ما تأتي في سن مبكرة، وهناك كذلك نمط آخر أكثر اتساعا ينتج المبدع فيه أعمالا قوية، لكنها ليست ثورية أو ضاربة بالقوة التي تحدثنا عنها قبل قليل، لكنها كثيرة ومؤثرة وممتدة بتردد ثابت تقريبا طوال العمر، فيكون مجمل أعمال هذا المبدع، في أي مجال، هو في حد ذات ضربة ثورية.

  

من جهة أخرى فإن الأمر، بحسب سيمونتون، يتعلق بالوقت الذي تبدأ فيه أبحاثك، فإذا بدأت في سن صغيرة من المؤكد أنك ستصل إلى النتائج في سن صغيرة أيضا، لكن إن تأخرت مشاركتك في المجال فقد لا تتمكن من الإنجاز سريعا، أو قد تتمكن، في حالات أقل، من الإنجاز في وقت متأخر، هذه الاستثناءات ليست قليلة ونجدها واضحة خاصة في مجالات العمل الأدبي والفلسفي، لكنها رغم ذلك لا تزال استثناءات بالأساس.

   

 لا تدع الكسل يتحكم بك، ما زلت صغيرا كي تعيش في حالة البكاء على الأطلال، في العشرينيات والثلاثينيات من عمرك ما زالت هناك فرصة أمامك، فأحسِن استغلالها

مواقع التواصل
   

يقول واينبرج في ختام حديثه مع محرر "ميدان": "يحتاج الأمر إلى المزيد من البحث"، مضيفا أن الفكرة القائلة بحتمية انخفاض الإبداع مع العمر لا تعطي الواقع حقّه، هناك دائما فرصة للمنهجية التي يعمل بها الباحث أن تعطيه دفعات إبداع تالية، أضف إلى ذلك أن الأمر -في النهاية- يتعلق بعوامل عدة لا يمكن بسهولة حصرها في دراسة أو نطاق بحثي كامل، فالإنسان منّا هو تركيبة معقدة من العوامل البيولوجية والخبرات الحياتية، لكننا في النهاية نعرف أن هؤلاء الذين تمكّنوا منذ بداية أعمارهم من بناء منظومة معرفية صلبة ومعقدة كانوا أكثر قدرة في سن متقدمة على الاستمرار، خاصة حينما استمروا في انفتاحهم على الأفكار الجديدة، ما يعني أن الفكرة تتعلق أيضا بحجم الجهد المبذول على مدى سنوات طويلة.

  

هل رأيت من قبل إنفوجرافا بعنوان "هؤلاء فعلوها بعد الستين؟"، يحدث من حين لآخر أن يود أحدهم نشر التفاؤل بحديث عن أن أعمار الإبداع متنوعة وأن هناك عباقرة في كل المجالات ومن كل الأعمار، لكن تلك الدرجة من التفاؤل المفرط قد تكون لها أضرارها أيضا، حيث يستخدمها البعض من أجل الاستمرار في ممارسة الكسل يوما بعد يوم طالما أنه ما زال في العشرينيات من عمره، ويمكن له حتى الخمسينات مثلا أن يبدع، ذلك شيء خاطئ تماما.

  

فعلى الرغم من كل الاستثناءات الممكنة، فإن هناك دائما عاملين رئيسيين، الأول هو تراكم الخبرات، يشبه ذلك أن تكون لاعب جمباز أو حمل أثقال أو شطرنج، كلما تدربت مبكرا يعني ذلك اقترابا من فرص دولية، والثاني يتعلق بالفرص، فرغم كل الاستثناءات تكون الفرص دائما أفضل وأكثر ترددا في سن صغيرة. لذلك لا تدع الكسل يتحكم بك، ما زلت صغيرا كي تعيش في حالة البكاء على الأطلال، في العشرينيات والثلاثينيات من عمرك ما زالت هناك فرصة أمامك، فأحسِن استغلالها.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار