انضم إلينا
اغلاق
لماذا يجب أن لا نؤمن بوجود "حب من أول نظرة"؟

لماذا يجب أن لا نؤمن بوجود "حب من أول نظرة"؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

لم يكن روبرت، وهو طالب في المرحلة الثانوية بمدرسة كولومبيا في ولاية نيوجيرسي الأميركية، يعلم أن علاقته بالزميلة "مارجريت" سوف تتسبب في كل ذلك، فقد كان دائم التساؤل عن طبيعة ما بينهما. من ناحية، هو يحب الوجود معها، يشاركها الكثير من أسراره، وتكون أول من يرفع سمّاعة الهاتف ليخبرها بأي تطورات في حياته، وكانت هي تفعل بالمثل. لكن من ناحية أخرى، لم يكن روبرت يشعر ناحيتها بانجذاب واضح بحيث يمكن أن نقول إن هناك شيئا ما، من تلك النقطة انطلق صديقنا -كما يقول في إحدى محاضراته بجامعة كورنل- لدراسة أمر لا نعرف عنه الكثير بعد، إنه الحب.

    

    

الأمر معقد حقا، على مدى تاريخنا الطويل كان السؤال عن الحب واحدا من أكثر الموضوعات جدلا وأهمية. ما بين الفلسفة والأدب والفن، والعلم مؤخرا، لطالما كانت الفرضيات تأتي من كل حدب وصوب، وعلى الرغم من ذلك كله فإن الأسئلة عما يعنيه الحب، وعن العلاقات العاطفية في العموم، ما زالت تتصدر محركات البحث بصورة كبيرة، من حين لآخر يدخل أحدهم ليتساءل عن طبيعة علاقته بالجنس الآخر، هل يمكن أن تستمر؟ هل مواجهتنا للمشكلات تعني أنه لم يكن من المفترض أن ندخل في تلك العلاقة؟ هل هو حب حقا؟

  

ثلاثة معايير للحب

يحاول روبرت ستيرنبرج، الذي أصبح فيما بعد أستاذا في علم النفس بجامعة ييل، أن يجيب عن السؤال الأخير، والذي لا بد أنه قد حدث يوما ما وسألته لنفسك، لكنه كذلك يحاول أن يبحث عن إجابات لأسئلة أكثر عمقا على بساطتها. على سبيل المثال: لِمَ يبدو وكأن هناك أنواعا مختلفة من الحب؟ ولِمَ تستمر بعض العلاقات ولا تستمر الأخرى؟ ولِمَ نحب هذا الشخص دون ذاك؟ في الثمانينيات من القرن الفائت طوّر سترنبرج ما يسمى بـ "نظرية مثلث الحب" (triangular theory of love) بناء على نتائج توصل إليها أثناء بحثه في نطاقات الذكاء، تقول نظرية ستيرنبرج أن الحب، لكي يصبح كاملا، يجب أن يحوي ثلاثة أضلاع أساسية تُبنى عليها العلاقات جميعا، هذه الأضلاع هي الحميمية (Intimacy)، والشغف (Passion)، والالتزام (Commitment).

    

تعني "الحميمية" تلك المشاعر المرتبطة بالرغبة في الوجود مع الطرف الآخر والاقتراب منه، نتحدث هنا عن شخص تشعر أنك متواصل معه بدرجة من العمق أكبر من الطبيعي، بمعنى أنك تميل إلى مشاركة هذا الشخص بالمعلومات، سواء كانت بعض أسرارك أو مستجدات الأمور في حياتك أو القرارات التي اتخذتها مؤخرا، وفي المقابل يفعل المثل، تُمثّل الحميمية إذن استثمارنا العاطفي في العلاقة، وترتبط بدعم الطرف الآخر وتقديره وفهمه والرغبة في أن يكون بأفضل حال. عند ذلك الحد فإن العلاقة تكون مهمة، لكنها ليست حبا بالمعنى المفهوم. بحسب ستيرنبرج، إنها مكون للحب وللصداقة كذلك، إن صديقا ما هو شخص ستفعل معه المثل، سواء كان صديقا جديدا تشعر بأن هناك فرصة أكبر للتواصل بينكما، أو كان صديقا مقرّبا خاض معك الكثير.

       

  

في الجانب الآخر يتدخل "الشغف"، ويعني -ببساطة- المشاعر الجيّاشة، وبمعنى أكثر وضوحا فإن الشغف يرتبط مباشرة بممارسة الجنس، أو فقط عملية الانجذاب الجسدي للطرف الآخر، تلك الحالة من الشرارة الجسدية التي تشعر بها في وجوده، يساهم هذا الجانب في تحفيز العلاقات للاستمرار، لكن ذلك بحال لا يمكن أن يُشكّل ما يسميه ستيرنبرج بالحب الكامل، يمكن أن ترى شخصا ما فتشعر أنك قد فُتنت به، هذا هو -بشكل أو بآخر- ما نسميه بـ "الحب من أول نظرة" أو -الاصطلاح صاحب الشهرة الأكبر حاليا- "الكراش"، لكنه لا يعني حبا كاملا أو حقيقيا إلا إذا تضمن شعورا بالحميمية تجاه هذا الشخص، مع مكون ثالث مهم.

  

هذا المكون هو "الالتزام"، حيث يرى ستينبرج إنه لا يمكن لعلاقة حب كامل أو حقيقي أن توجد إلا بوجود القرار الواعي المسؤول للفرد بالبقاء مع آخر، ويُمثّل هذا العامل أهم منجزات تلك العلاقة على مدى طويل، في تلك الحالة فإن هناك نوعين من القرارات التي يمكن لشخص ما أن يتخذها، الأول هو: "أنا أحب هذا الشخص تحديدا"، والتالي هو: "أنا أود لتلك العلاقة أن تستمر"، لكن ماذا لو وجدت فقط أحد تلك العوامل في العلاقة؟ أو اثنين منهما فقط؟

 

حب فارغ!!

هنا تظهر الجوانب المثيرة للاهتمام في نظرية مثلث الحب، فالصداقة، كما تحدثنا قبل قليل، تحوي واحدا (الحميمية) أو اثنين فقط (الحميمية والالتزام) من جوانب تلك النظرية، وكلما تزايد مقدار أيٍّ من العاملين فإن درجة الصداقة ترتفع وصولا إلى الصديق الأقرب (بيست فريند). أما الإعجاب فهو فقط حالة من الحميمية، الشعور بأنه يمكن لك الوجود مع هذا الشخص والتحدث معه، لكنك غير منجذب بعد بشكل كامل ولم تتخذ أي قرارات نهائية بشأنه، أما إذا حدث ووجدت أنك متورط في علاقة ما بدافع التعاطف فقط مع مشكلة يواجهها الطرف الآخر فإن "الالتزام" هو طرف المثلث الموجود حاليا.

      

      

من جهة أخرى فإن "الالتزام" قد يكون بالفعل هو أحد موضوعات العلاقة الرئيسية، في حالات الزواج الإجباري على سبيل المثال (زواج الصالونات في بعض الأحيان)، أو في الحالات التي فقدت فيها العلاقة شغفها وحميميتها بعد سنوات طويلة من الزواج، هنا يبقى الزوجان معا لغرض تربية الأطفال فقط، أو ربما من أجل المظهر الاجتماعي، من دون أي شعور بالرغبة في التواصل أو الانجذاب الجسدي، يوجد هذا النوع من العلاقات بشكل أكبر في المناطق التي يعد الطلاق فيها عيبا أو أمرا مشينا لأيٍّ من الجنسين أو كليهما.

  

من جهة أخرى، يقع "الحب الرومانسي" على الجانب الآخر تماما، فهو حالة يوجد فيها معيارا الحب (الشغف، الحميمية) دون الالتزام، فتكون هناك رغبة في الوجود مع الطرف الآخر، مع مشاعر جيّاشة وانجذاب جسدي، لكن دون حاجة إلى الالتزام، هذا النوع من العلاقات هو الأكثر انتشارا، خاصة بين صغار السن، فالبعض -كما تعرف- سيود أن يتجنب المسؤولية في نهاية اليوم.

  

أما لو احتوى الحب على حالة انجذاب جسدي فقط، دون أي حاجة إلى الالتزام أو حتى إلى الجلوس قليلا وإقامة تواصل الحقيقي بين شخصين، فهو ليس حبا بالأساس، ولكن ما نعرفه بحالة "العشق"، والتي غالبا ما تخبو سريعا ويتوقف الطرفان عن اللقاء. كما ترى، فإنه ليس كل ما نعرفه عن الحب "حبا" بالأساس، قد يكون فقط أحد معاييره الرئيسية ولكنه لم يكتمل بعد، أو ربما لن يفعل.

    

  

من اللافت للانتباه قليلا كذلك أن نتأمل ما يعنيه ستيرنبرج بالحب الأبله، فهو حالة من الالتزام بالوجود مع شخص ما فقط لأغراض الانجذاب الجسدي، وعلى الرغم من وضوح الفكرة فإن هذا النوع من العلاقات يكون مستقبله محكوما بدرجات واسعة من الفوضى، بمعنى أنه يحوي قدرا من العاطفة قد يؤدي بالطرفين إلى اتخاذ قرار بالزواج رغم أنه لا توجد إمكانية واضحة للتواصل بينهما، وهو ما قد يقود بدوره لحالة التزام فقط بوجود أطفال مستقبلا.

  

ما قصّتك الخاصة؟

أضف إلى ذلك أن الأمر لا يتعلق فقط بوجود أحد مكونات مثلث الحب دون الأخرى، ولكنه يتعلق أيضا بنسب وجود تلك المكونات في العلاقة، وهذا هو ما يُنتج أنواع وأشكال الحب المتنوعة بالأساس. فبحسب ستيرنبرج، قد يكون أحد أضلاع المثلث أكثر أهمية من الأضلاع الأخرى بالنسبة لطرفي العلاقة رغم وجود ثلاثتهم معا، أو قد تتطور العلاقة التي بدأت بالتركيز على أحد الأضلاع لتصبح أكثر التفاتا حول ضلع آخر، أو قد تبدأ العلاقة كاملة ثم تتلاشى الأضلاع شيئا فشيئا.

  

يحدث ذلك في بعض حالات الزواج، قد تبدأ العلاقة فقط بالتزام لأن العائلة تفرض هذا "العريس" على تلك "العروسة" والعكس، في بعض الأحيان قد تنمو درجة من الحميمية بينهما ثم تنشأ درجة من الشغف بالطرف الآخر والذي يتطور كانجذاب جسدي وصولا إلى مرحلة الزواج والسماح الكامل بممارسة الجنس، في مجتمعاتنا مثلا والتي لا تسمح به إلا مع الزواج، في حالات أخرى قد تتطور الأمور لانجذاب جنسي بجانب الالتزام الأوّلي ولكن لم يتمكّن الطرفان من التواصل جيدا، أو قد يبدأ الأمر بالالتزام ثم ينتهي بعد 10 إلى 20 سنة بالالتزام مرة أخرى، فقط لغرض أن "تمشي الحياة" بالتعبير الرائج.

    

  

الأمر معقد إذن، كما أن معايير مثلث الحب تتداخل بدرجات واسعة مع بعضها البعض، لكن ستيرنبرج يطور نظريته، بعد نحو عقد من الزمن، ليقول إن هذا التداخل والاختلاف في نسب وجود أضلاع المثلث الثلاثة يخلق ما يسميه بـ "نظرية الحب كقصة" (Theory of Love as a Story)، على مدى حياتنا نتعرض لأعداد كبيرة من القصص المتنوعة التي تنقل مفاهيم مختلفة عن الحب، سواء خلال مشاهدة الأشخاص في العلاقات، أو من خلال مشاهدة وسائل الإعلام، أو من خلال قراءة القصص ومشاهدة الأفلام.

  

في تلك النقطة يتصوّر ستيرنبرج أن كلًّا منا، عبر خلطته الخاصة من أضلاع المثلث، يصنع قصة الحب الخاصة به، ومن المثير للانتباه في تلك النقطة أن ينتقل ستيرنبرج إلى استنتاج آخر يقول إنه من المرجح أن ننجح في إقامة علاقات وثيقة مع أشخاص تتوافق قصصهم عن الحب مع قصصنا، أو أفكارنا عن الحب، لكن المثير للانتباه بدرجة أكبر هو تصور ستيرنبرج أن قصصنا على الحب لا تخصّنا وليست من ابتكارنا بالكامل، بل قمنا بتكوينها عن طريق تفاعلنا مع هذا العالم، سواء من خلال قصص خرافية سمعناها عندما كنا صغارا، أو من فحصنا لنماذج الحب الناجحة التي نلاحظها في محيطنا، الآباء والأمهات والأقارب على سبيل المثال، أو من خلال الأفلام ومنصات التواصل الاجتماعي والفيديو كليب، أو فقط عبر المحادثات مع أشخاص آخرين حول علاقاتهم.

  

يفتح ذلك الباب للعديد من القصص، بعضها يركز بشكل رئيسي على مفهوم العائلة، الرغبة في الوجود بالبيت نفسه مع هذا الشخص وإنشاء عائلة سعيدة، لكن البعض الآخر قد يرتكز على الغموض، في العلاقات التي لا تكشف فيها نفسك للطرف الآخر بشكل كامل، مع وجود الالتزام والشغف، البعض قد يتعامل مع الحب كلعبة يمكن أن تكسبها، أو قد يكون الحب حالة من الإدمان، فيشعر البعض بضرورة وجود رغبة قلقة وملحة في الوجود مع الطرف الآخر، وهكذا -بحسب ستيرنبرج في دراسات تالية- تظهر أشكال مختلفة من قصص الحب التي نريدها أو نعيش بها.

   

  

تجد نظرية ستيرنبرج الكثير من التأييد في الوسط المختص بالبحث في العلاقات، لكنها على الرغم من ذلك لا تُمثّل قاعدة صلبة يمكن الاعتماد عليها لعمل تحليل علمي قوي لأشكال العلاقات بين الجنسين، هناك في الواقع العديد من النظريات في هذا النطاق ولا يمكن الجزم بعد بصوابية أيٍّ منها في مقابل الأخرى، وان كانت نظرية ستيرنبرج تتخذ موضعا جيدا إن قمنا بالترتيب حسب الأهمية. تلك هي إحدى المشكلات المنهجية التي تواجه بعض جوانب علم النفس في العموم، وذلك بسبب مدى تعقّد هذا النوع من الظواهر وتعقّد وحداتها التجريبية الأساسية (البشر) بحيث تكون النتائج دائما إحصائية الطابع.

  

لكن في النهاية، على الرغم من عدم صلابة النظريات في هذا النطاق، واختلافها وتنوعها، فإن فكرة المعايير الثلاثة التي جاء بها ستيرنبرج تدعو للتأمل، حيث تعطينا فرصة جيدة لتقييم علاقاتنا مع الآخرين والبحث عن نقاط قوّتها وضعفها، وربما تعطينا إشارات حمراء إن حدث في أحد الأوقات وتناقص وجود أيٍّ من العوامل الثلاثة في علاقاتنا التي نود الحفاظ عليها، هنا يجب أن نبدأ بالعمل على تلك المشكلات.

___________________________________________________

ملاحظة:

هذا التقرير هو بالأساس قراءة في ورقة ستيرنبرج البحثية بعنوان "A triangular theory of love" والمنشورة في دورية "سايكولوجيكال ريفيو" العدد 93 للعام 1986، الورقة ممكنة القراءة ويمكن لك الاطلاع عليها عبر بحث قصير على الإنترنت.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار