انضم إلينا
اغلاق
"الوجه الآخر للعبقرية".. هل كان ليوناردو دافنشي مصابا باضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة؟!

"الوجه الآخر للعبقرية".. هل كان ليوناردو دافنشي مصابا باضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة؟!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

"لقد أخطأت في حق الله والبشرية لأن عملي لم يصل لمستوى الجودة المطلوب"

(ليوناردو دافنشي)

    

قد تتعجب قليلا حينما تسمع من ليوناردو دافنشي كلاما عن التقصير أو ضعف الجودة، إنه دافنشي يا سادة! لقد خاض الرجل في كل العلوم والفنون التي انتشرت في زمنه تقريبا، من التشريح للهندسة للفلسفة، ومن الرسم للجغرافيا ثم الموسيقى التي كانت أحد أهم الأشياء بالنسبة له، أطلق عليه البعض لقب "المخترع الأعظم في التاريخ"، ونُسجت حوله مئات القصص الخرافية التي تتحدث عن أسرار سُفلية تتعلق بالجن أو علوية تتعلق بكائنات فضائية تسببت في عبقريته الفذة التي سبقت عصره بمئات السنوات. لكن على الرغم من ذلك كله، فإن هناك جانبا آخر لشخصية العبقري دافنشي ربما لا يعرفه الكثيرون.

   

عبقري في أزمة

يقول الدكتور "ماركو كاتاني"، أستاذ الطب النفسي وعلم تشريح الأعصاب من كلية لندن الملكية في تصريح خاص لـ "ميدان": "أول شيء، يمكن أن نتأمل كلام ليوناردو نفسه"، مضيفا أن صديقنا الفنان العبقري "كثيرا ما تحدث عن أعماله التي لم ينته منها في الوقت المحدد أو التي تركها دون استكمال". بحد تعبير كاتاني، فقد أثّر ذلك بوضوح على تقدير الرجل لذاته وشعوره بضعف إنجازه في الحياة، وهو ما دفعه لتصور أن عدم قيامه بواجبه تجاه الفن هو خطيئة في حق الله والبشرية. يقول كاتاني: "هذه كانت آخر كلماته".

   

يرى كاتاني، في مقال بحثي جديد لافت للانتباه نُشر فقط قبل عدة أيّام في دورية "براين"، أن ما نمتلكه من معرفة تاريخية عن ليوناردو دافنشي يشير بشكل أو بآخر إلى أن الأخير كان مصابا باضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، والذي يظهر بشكل واضح في مرحلة الطفولة لكنه أيضا يمتد ليوجد في عمر الشباب وما بعده، يتميز الاضطراب بمجموعة من العلامات الأساسية التي تضم عدم القدرة على اتباع الأوامر أو السيطرة على التصرفات، مع صعوبة بالغة في الانتباه لشيء واحد فقط، والتشتّت بسهولة لأتفه الأسباب، ودرجات واسعة من المماطلة والتأجيل.

     

     

"الآن دعنا ننظر إلى روايات معاصريه"، يستمر كاتاني في حديثه مع "ميدان"، مضيفا أنه كان هناك اتفاق واضح بينهم في أن: "ليوناردو إنسان موهوب للغاية، ولكن لا يمكن أبدا أن تثق به"، أحد أشهر الأمثلة هنا كان حينما قرر "لودوفيكو إيل مورو"، دوق ميلانو، استخدامه من أجل بناء تمثال برونزي لوالده، تأخر دافنشي وماطل كثيرا لدرجة دفعت لودوفيكو لسؤال رفقائه عن فنان آخر له الموهبة نفسها لاستكمال العمل، لأنه، وهنا نقتبس من لودوفيكو نفسه، "يشك في قدرات ليوناردو على استكمال المهمة الموكلة إليه".

   

ليوناردو ملك التسويف

أما الروائي ماتيو بانديللو، والذي عاصر دافنشي، فقد أشار بوضوح في إحدى كتاباته إلى أن دافنشي كان مضطربا دائما وغير منظم بشكل واضح. أثناء عمله على لوحته الأشهر، "العشاء الأخير"، كان يذهب للعمل على تمثال ما، ثم يضع عليه لمسة واحدة فقط ويتركه عائدا للوحة، فلا يضيف الكثير ثم يستسلم ويذهب بعيدا لأداء مهمة أخرى. في الواقع، كانت لوحة "العشاء الأخير" ذات حكاية خاصة، فقد ضج مشرفو دافنشي من مماطلته وتسويفه، وأخبروا دوق ميلانو الذي استدعاه ليسأله عن سبب تأخر العمل، فتحجج دافنشي بأنه قد بحث عبثا في كل السجون عن وجه شخص عابس وغير لبق ووغد مثالي ليناسب دور "يهوذا" الخائن في اللوحة، فلم يجد.

     

لوحة العشاء الأخير لـ "ليوناردو دافنشي" (مواقع التواصل)

  

بل وكان البابا ليون العاشر، بابا الفاتيكان، قد قال عنه: "ياللأسف! هذا الرجل لن يفعل شيئا أبدا، لأنه يبدأ بالتفكير في نهاية العمل قبل البداية"، بحسب كاتاني فقد استمر دافنشي في الفاتيكان لمدة ثلاث سنوات كاملة لكنه لم يترك شيئا مثل مايكل أنجلو أو رفائيل، من جهة أخرى فإنه من العجيب حقا أن تظهر أعمال دافنشي الأولى في وقت متأخر، فقد استمر في العمل بورشة فنان آخر، وهو أندريا فيروتشيو، حتّى بلغ عمر السادسة والعشرين ولم يكن قادرا بسهولة على الانتقال للبدء في عمله الخاص، على عكس فنانين آخرين تدربوا في الورشة نفسها وتركوها سريعا لبناء عملهم الخاص.

   

يقول كاتاني في أثناء حديثه مع "ميدان": "أضف إلى ذلك أنه إذا استعرضنا السير الذاتية والدراسات الرئيسية التي تحدثت عن دافنشي، بداية من فاساري إلى سيغموند فرويد"، مضيفا: "سنلاحظ إشارة من الجميع إلى سلوك غير منتظم وغير متسق كواحد من السمات الرئيسية لشخصيته". في الحقيقة، يمكن لك بدرجة أكبر من التأمل في أعمال دافنشي المكتوبة أن تلاحظ ذلك بسهولة، فهي صعبة الفهم لدرجة أن البعض تصوّر أنه كان يخاطب شيئا ما غير البشر أو أنه كان يخشى السرقة فقرر تشفير أعماله.

  

لكن ذلك كان لسبب آخر، وهو درجات التشتت الواسعة التي كانت جزءا رئيسا من شخصية دافنشي، فقد كان يضيف جملة أو اثنتين أو ربما فقرة إلى جوار تصميم ما ثم ينصرف عنها سريعا، بعد ذلك يعود لتدوين فقرة أخرى غير ذات علاقة بسابقتها، في الحقيقة لقد كانت أعمال دافنشي المكتوبة، وهي غزيرة للغاية تتخطّى حاجز العشرة آلاف ورقة، مهمة صعبة التفسير بالنسبة للباحثين في هذا النطاق، سواء لهذا السبب أو لسبب آخر يتعلق بأخطاء إملائية كثيرة (إحدى العلامات لحالة قصور الانتباه وفرط الحركة)، والطريف أن تلك المشكلة كانت إلى الآن السبب في معظم الخيالات التي نُسجت عن دافنشي.

     

ليوناردو دافنشي (مواقع التواصل)

   

الرجل الذي لا يهدأ

من جهة أخرى فإن دافنشي لم يُتِم اختراعاته بالشكل الذي تتصوره. في الهندسة على سبيل المثال، كانت معظم النماذج التي صممها، للطائرات والدبابات وأدوات الغطس وغيرها، أوّلية الطابع تحتاج إلى المزيد من العمل لتطويرها، في الحقيقة لو قررنا الآن أن نبني هذه النماذج كما رسمها دافنشي وقتها، فإنها لن تؤدي وظيفتها التي صُمّمت من أجلها، لهذا يشتهر دافنشي بأنه قد استشرف عالما تحكمه التكنولوجيا، لكنّ أيًّا من إنتاجاته في هذا النطاق الهندسي لم تكن لتنجح، كانت في حاجة دائمة إلى التطوير، لكنه لم يهتم بذلك، بل اهتم بشكل أكبر بالانتقال إلى مهمات أخرى وكأنه بحر هائج من النشاط المتنوّع.

  

أما في علم التشريح فقد أضاف دافنشي الكثير عبر تشريحه لجثث الطيور والبشر ونَقل ملاحظاته بدقة شديدة إلى دفاتره، لكن -صدّق أو لا تُصدّق- لم ينشر دافنشي أيًّا من تلك الأعمال لسبب ما، ولو فعل لأصبح أحد مؤسسي علم التشريح الحديث، كذلك فإن هناك ملاحظة مهمة تتعلق بتشارك العمل مع آخرين، فمع التأجيل الدائم والمماطلة والتكاسل الذي اشتكى منه الجميع، كان دافنشي ينفض سريعا عن أي عمل يتشاركه مع أحدهم في حال ترك الأخير هذا العمل، لهذا السبب نجد الكثير من أعمال دافنشي غير المنتهية.    

  

 "الرجُل الفيتروفي" أحد أشهر أعمال دافنشي، لاحظ أنه كان يدون ملاحظاته بكتابة معكوسة من اليمين لليسار، كأنها تظهر في المرآة (مواقع التواصل)

          

للوهلة الأولى، قد تظن أننا نتحدث عن شخص آخر غير ليوناردو دافنشي، رسّام "الموناليزا" و"العشاء الأخير" و"الرجُل الفيتروفي"، أعظم فنّاني عصر النهضة والتاريخ كله، لكنك لا تدرك بعد أنه مع هذه المجموعة من الصعوبات الاستثنائية التي واجهت دافنشي طوال حياته، جاءت مجموعة أخرى من الهدايا الاستثنائية، يقول كاتاني في أثناء حديثه إلى "ميدان": "يمكننا تحديد مرحلتين أساسيتين للإبداع، الأولى هي ما أسميه بـ "لحظة العصف الذهني" حيث يتمخّض الفنان عن أفكار مختلفة وحلول كثيرة ممكنة". 

    

الإبداع من باطن التوتّر

يضيف كاتاني أنه، في أثناء هذه المرحلة، يزداد حماس الإنسان بشدة ويقترن ذلك مع صولات وجولات متنوعة وعميقة بين الأفكار في دماغه، إنها تلك الحالة من "الاندهاش" و"الفضول" و"التساؤل" التي طالما ميّزت المبدعين، ويعد هذا السلوك أيضا نموذجيا في حالات اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة، فالمصابون به يفكّرون خارج الصندوق بصورة أكثر سهولة ويمكن لهم كذلك الخروج بإنتاج أكثر أصالة، وهناك الكثير من الأدلة على وجود تلك الحالة من التجول بين الأفكار في كتابات دافنشي المتناثرة هنا وهناك.

  

أما المرحلة الثانية للإبداع، بحد تعبير كاتاني في أثناء حديثه مع محرر "ميدان"، "فهي عندما يضطر الفنان إلى التركيز على الفكرة المحددة وإتمامها"، تتطلب هذه المرحلة الثانية درجة كبيرة من المثابرة والقدرة على التحمل وإمكانية لا تُصدّق على قمع الحماس لمشاريع أخرى، في هذه المرحلة الثانية وجد ليوناردو صعوبة خاصة، يستمر كاتاني قائلا: "يمكنك أن ترى على سبيل المثال كيف أن ليوناردو الذي كان من المفترض أن يعمل في مهمة ما سيقفز إلى مهمة أخرى، انتباه ليوناردو يُمكن أن يُصرف بسهولة عن اهتمامه الأوّلي ويمّل منه".

      

"الموناليزا" أحد أعظم الأعمال الفنيّة على مر التاريخ (مواقع التواصل)

   

من وجهة النظر تلك، كان دافنشي قادرا على التأمل والدراسة بشكل دائم، ولكن ذلك جاء على حساب فقدان التقدم في المشروعات مع درجة من المماطلة لا هوادة فيها، لكن ذلك التنقل الحاد بين المهام والنطاقات المختلفة، وإطلاق فضوله الجم داخلها، كان ذا فوائد إيجابية بالنسبة لدافنشي الرسّام، فدراسته للتشريح بدقة شديدة ساعدته على الوصول إلى دقة مشابهة في رسم أجزاء الجسم، كذلك فإن تعلّم الهندسة قد أضفى تأثيرا واضحا على قوة لوحاته، خاصة قدراته الواسعة على إتقان المنظور العام للوحات بحيث يجذب انتباه المشاهد إلى نقطة واحدة مع إيحاء غاية في العبقرية بالعمق.

  

بالإضافة إلى ذلك، أضفت الطبيعة العلمية التي تعلّمها دافنشي خلال مسيرته وتأملاته، والتي تتضمن عدة خطوات بسيطة لكن من الصعب بمكان إدراكها والعمل بها: الملاحظة، ثم فرض الفروض، ثم إقامة التجارب للتأكد من صحة الفروض، وهكذا دواليك، أضفت على أعماله طابعا أكثر عمقا وقوّة، بل وربما كان هذا التنقل بين النطاقات في العلم والفن هو السبب الرئيس في عبقرية دافنشي، لقد جاءت بعض أعظم المنجزات البشرية من أشخاص انتقلوا من نقطة إلى نقطة أخرى وقرروا استخدام وجهات النظر السابقة لرؤية هذا العالم الجديد.

  

مفاهيمنا الخاطئة

  

لكن ما سبق، بدوره، يفتح الباب لتأمل أفكار الناس عن اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة، في الماضي كان هذا الاضطراب مرتبطا بفكرة وجود حدٍّ أدنى من تلف الدماغ، أدّى ذلك، بحد تعبير كاتاني في أثناء حديثه مع "ميدان"، إلى فكرة ما زالت مستمرة مفادها أن "هناك ارتباطا واضحا بين قصور الانتباه وفرط الحركة من جهة، والقيم المنخفضة لمعاملات الذكاء (IQ) أو الإبداع من جهة أخرى، ابتعد علم النفس العصبي الحديث عن هذا المفهوم" يوضح كاتاني.

  

في الحقيقة، فإن هناك نسبة من الأذكياء والمبدعين مصابون بهذا الاضطراب. لكنّ الأطفال، والجميع في العموم، قادرون دائما على ابتكار مناورات ذكية، بالضبط كما كان دافنشي يفعل، من أجل تضليلك عن مشكلاتهم الرئيسية المتعلقة بقصور الانتباه وفرط الحركة. في الوقت الحاضر، يربط العلماء اضطراب قصور الانتباه وفرط الحركة بجذور جينية معيبة تنتقل من الآباء إلى الأطفال وتتسبب في تغيير أداء الدوبامين، وهو المادة الأكثر أهمية التي ينتجها دماغنا من أجل مهام التركيز، وليس الذكاء، كل ما يحدث أن البعض قد يواجه مشكلة في المرحلة الثانية من العملية الإبداعية، عندما يكون من الضروري أن يركز في مهمة بعينها.

  

"بحسب حالة دافنشي"، يقول كاتاني في نهاية حديثه مع "ميدان": "فإن الإبداع والإهمال لا يمكن فقط أن يتعايشا، ولكن في رأيي يمكن أن نراهما كوجهين لعملة واحدة"، إنه لمن العجيب حقا أن نتصوّر الإبداع من تلك الوجهة، يبدو الأمر وكأننا في بعض الأحيان قد نمتلك الضدين معا في الوقت نفسه ونوفّق بينهما، أشار نجيب محفوظ ذات مرة إلى حالة شبيهة حينما قال، في خطابه الذي أرسله إلى لجنة نوبل على أثر حصوله على الجائزة، وكان مريضا لم يقدر على الحضور، قال إنه "من حسن الحظ أن الفن كريم عطوف، وكما أنه يعايش السعداء فإنه لا يتخلّى عن التعساء، ويهب كل فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجول في صدره".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار