انضم إلينا
اغلاق
"كارل ساجان".. هل نحن غبار نجوم حقا؟

"كارل ساجان".. هل نحن غبار نجوم حقا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"لا يوجد سوى الذرات والفضاء الفارغ، أي شيء آخر هو رأي"

(ديمقريطس "450-370 قبل الميلاد")

 

في المحاضرة الأولى(1) من مساقه الأوسع شهرة في تاريخ الفيزياء، يقول ريتشارد فاينمان، الفيزيائي الحاصل على نوبل، إنه إذا حدث وواجهت البشرية كارثة عظيمة سوف تفني كل شيء نعرفه، وكان مُقدّرا لجملة واحدة فقط من كل إنتاجنا الحضاري أن تمر للأجيال القادمة بحيث تحتوي في أقل قدر ممكن من الكلمات على أكبر قدر ممكن من المعلومات، فإن أفضل جملة لتأدية ذلك الغرض هي الفرضية الذرية: "كل شيء يتكوّن من ذرات".

  

الذرات السخيفة!

قد تبدو لك جملة بسيطة، ربما ترى أن هناك ما هو أهم أو أكثر احتواء على المعلومات منها، وأنه إذا وضع الاختيار بيديك لكنت اخترت شيئا آخر، لكن الوصول إلى هذه الجملة أخذ من تاريخنا البشري ما يقرب من 2300 سنة، بداية(2) من "ديمقريطس" الذي قال إن كل شيء يتكوّن من وحدات صغيرة متشابهة حتى وصلنا إلى نموذج "دالتون" ثم تجارب "طومسون" أواخر القرن التاسع عشر. لقد أخذنا كل ذلك الوقت للتأكد من وجود الذرات، لأن الذرات -ببساطة- سخيفة، فحينما تحاول تصور حجمها تهرع فورا إلى الرفض، كيف -مثلا- يمكن أن تصدق أنك في النَّفس الواحد تسحب مليون بليون بليون ذرة أكسجين؟ كيف تصدق أن تلك الشعرة التي نضرب بسُمكها المثل يساوي قطرها ما مقداره 500 ألف ذرة كربون متجاورة؟

    

    

الأمر مثير للدهشة إن تأملت قليلا، كل شيء حولك يتكوّن من ذرات، تختلف تلك الذرات وتتنوّع بحسب عدد البروتونات الموجودة في نواتها. الهيدروجين، على سبيل المثال، يحوي بروتونا واحدا في نواته، الهيليوم يحوي بروتونين، الليثيوم ثلاثة، البريليوم أربعة، وهكذا تستمر العناصر في الارتفاع وتترتب في الجدول الدوري(3) الذي درسناه في المرحلة الإعدادية حسب عدد البروتونات، وبما أننا نعرف أنه لا يمكن أن يوجد "نصف بروتون"، فإن ذلك يعني أن هذا الجدول الدوري يحوي كل شيء ممكن في هذا الكون. تركيب جسمك، وتركيب السدم والنجوم والمجرات نفسها، هو الشيء نفسه، حفنة من الذرات.

    

    

في تلك النقطة ربما يسأل البعض: كيف جاء ذلك كله؟ نحن نعرف أن أفضل النظريات لدينا تقول إن الكون قد بدأ قبل 13.8 مليار سنة بانفجار عظيم(4) تسبّب في ظهور كل ما نعرفه الآن، بما في ذلك المكان نفسه وربما الزمان، لكن لفهم الكيفية التي تكوّنت بها أجسامنا وسيّاراتنا وأدوات الطبخ، على حدٍّ سواء، دعنا نبدأ من الذرة نفسها، لنفترض أننا نمتلك "فرنا" قادرا على احتواء درجة حرارة مهولة تصل إلى بلايين البلايين من الدرجات المئوية، الفرن الآن بارد في درجة حرارة الغرفة، سنضع به ذرّة ما، أي ذرة، ثم نبدأ برفع درجات الحرارة.

  

لحظة الصفر

في البداية لن يحدث الكثير، لكن ما إن تبدأ الحرارة بالوصول إلى حد الملايين من الدرجات المئوية يحدث أن تنفصل الإلكترونات عن الذرات وتسبح دون قيود تاركة الأنوية النشطة للذرات حرة كذلك، هذه الحالة من المادة تسمى بـ "البلازما"، إذا قمنا برفع درجة الحرارة إلى أضعاف أضعاف تلك الحالة فإن النواة نفسها تتفكك إلى مكوناتها، البروتونات والنيوترونات، والتي ستسبح بحرية أيضا، ومع الاستمرار في رفع درجات الحرارة ستتفكك كلٌّ من البروتونات والنيوترونات إلى مكوناتها الأساسية، وتسمى بـ "الكواركات"، حينما نصل إلى تلك المرحلة فإننا أمام ما نسميه "حساء الكواركات"(5) (Quark Soap)، لكن للوصول إليها فنحن بحاجة إلى أن تتخطى الحرارة حاجز ملايين البلايين من الدرجات المئوية، لكن أين يمكن أن نجد درجات حرارة كتلك؟

   

بالضبط، بعد الانفجار العظيم مباشرة. دعنا الآن نعكس تجربة "الفرن" السابقة، في اللحظات الأولى للانفجار العظيم كان الكون حارا للغاية، حارا للدرجة التي نحتاج فيها إلى 27 صفرا لنكتبها بالأرقام! في تلك الحالة كان كل الكون هو كواركات وإلكترونات سابحة، مع مجموعة أخرى من الجسيمات الأولية، لكن الكون -كما نعرف- يتمدد ويتسع منذ اللحظة الأولى، ومع تمدده تنخفض درجات الحرارة، حينما تفعل ذلك فإن الكواركات لا تتمكن من السباحة بحرية كما كانت، بل تنجذب لبعضها مكوّنة البروتونات والنيوترونات الأولى، نتحدث هنا عن الجزء الأول من المليون جزء من الثانية الأولى من الانفجار العظيم!

   

  

مع انخفاض درجات الحرارة أكثر، بسبب تمدد الكون، تتكوّن الأنوية الأولى، ثم بعد ذلك تنخفض درجات الحرارة بحيث تسمح للإلكترونات بالدوران حول الأنوية مرّة أخرى، الآن لدينا "الهيدروجين"، أول عناصر الجدول الدوري. في تلك الأثناء، وقبل أن تنخفض درجات الحرارة بشكل عنيف، أمكن أن تتحد ذرات الهيدروجين مع بعضها البعض لتصنع الهيليوم، ثاني عناصر الجدول الدوري، إنها العملية التي نعرفها باسم "الاندماج النووي"، وهي اتحاد ذرات مع بعضها البعض لصنع ذرات أكبر، لكن درجات الحرارة في الكون -في تلك الأثناء- كانت تنخفض بسرعة شديدة مما أوقف عملية الاندماج النووي في مرحلة ما.

  

الأمر بالطبع ليس بتلك البساطة، وتحكمه فيزياء معقدة ما زلنا غير قادرين على تطوير صورة نهائية منها، كما أن هناك أسئلة كثيرة غير مجابة عن تلك الدقائق الأولى الأهم في تاريخ الكون كله، لكن ما نعرفه هو أنه بعد دقائق من نشوئه، كان الكون عبارة عن 75% هيدروجين، و25% من الهيليوم، مع بقايا طفيفة للغاية من عنصر الليثيوم، كل الجدول الدوري في تلك المرحلة هو تلك العناصر الثلاثة فقط، وعلى مدى مئات الملايين من السنوات ظل الكون بهذا الشكل.

  

ميلاد العمالقة

  

تكوّنت النجوم الأولى، بحسب آخر الدراسات(6) في هذا المجال، خلال نحو ثلاثمئة مليون سنة من بداية الكون، لا نعرف الكثير عن تلك الفترة التي تسمى بـ "فجر الكون"، لكننا نعرف أن النجوم الأولى ولدت قلب السحب النجمية التي احتوت على الهيدروجين والهيليوم، يحدث من حين لآخر أن تندفع بعض أجزاء تلك السحب لتتراكم على بعضها البعض، ثم بعد ذلك، وببطء شديد للغاية، يزداد حجم وكثافة ذلك التجمع، وبالتالي تزداد درجة حرارة مركزه، يشبه الأمر أن يتكدس عدد كبير من البشر فوق بعضهم البعض في حوادث التدافع، يكون الضغط أشد ما يكون على الشخص الواقع في الأسفل.

  

الهيدروجين هو وقود النجوم، تحتاج إليه لتنمو كسيارة تحتاج إلى البنزين كي تتحرك، بسبب ذلك التدافع للغاز والغبار الزاخر بالهيدروجين في قلب تلك الكتلة المركزية سترتفع درجة حرارة النجم حتى تتخطى عدة ملايين من الدرجات المئوية، حينما يصل الأمر بدرجة الحرارة حتى تصل إلى 10-15 مليون درجة مئوية يكون الوضع ملائما لحدوث اندماج نووي، تبدأ ذرات الهيدروجين في النواة بالاندماج وتتحول إلى الهيليوم، في أثناء ذلك ينطلق قدر كبير من الطاقة في صورة إشعاع وحرارة، في تلك المرحلة نقول إن النجم قد دخل إلى مرحلة "التسلسل الرئيسي(7)"، لقد أصبح نجما يافعا كالشمس، تلك التي تحرق في نواتها، الآن، 600 مليون طن من الهيدروجين وتحوّله إلى هيليوم.

    

حينما ينتهي وقود السيّارة الخاصة بك، تذهب إلى محطة الوقود لإعادة ملء خزّان الوقود، لكن حينما ينتهي وقود النجوم، الهيدروجين في النواة، فإن الأمر ينذر بمرحلة جديدة صاخبة من حياتها، حيث تتجهز للنهاية. في تلك النقطة تنكمش نواة النجم، فكل أربع ذرات من الهيدروجين قد استُهلكت لصنع ذرة هيليوم واحدة وهذا يقلص الحجم. بسبب ذلك الانكماش سوف ترتفع حرارة المركز ويرتفع الضغط بداخله، ما يسمح بمزيد من الاندماج النووي، لكن هذه المرة يبدأ النجم بدمج الهيليوم لتكوين عناصر أعلى في الجدول الدوري.

           

   

في تلك المرحلة، يتكوّن الكربون والأكسجين والنيتروجين، شيئا فشيئا تتكوّن عناصر أعلى في الجدول الدوري، وكلما تكوّن عنصر أثقل ينزل للأسفل ليرسو في مركز النجم، فيكون أشبه ما يكون ببصلة لها عدة طبقات كلٌّ منها يحوي أحد العناصر، النجوم مثل الشمس تتوقف عند حدود الكربون والأكسجين، لكن بالنسبة للنجوم الأكثر ضخامة يظل الأمر مستمرا حتّى نصل إلى الحديد.

  

غبار النجوم

عند تلك النقطة، لا يمتلك النجم ما يكفي من الطاقة للاستمرار في تفاعلات الاندماج النووي وتحويل الحديد إلى عناصر أعلى، هنا ينهار النجم على ذاته في جزء من الثانية مُحدثا انفجارا غاية في القوة لدرجة أننا قد نراه يحدث في مجرات تقع على بُعد عشرات الملايين من السنين الضوئية، نسميه مستعرا أعظم(8) (Super Nova)، مخلفا في المركز ما يسمى "نجم نيتروني"، أما إذا كان النجم عملاقا بما فيه الكفاية فسوف تنهار نواة النجم تماما على ذاتها مخلّفة ثقبا أسود. تتسبب قوة الانفجار وحرارته أن تتحول ذرات الحديد إلى عناصر أعلى، كالفضة والذهب.

       

    

في الواقع، فإن الشمس هي نجم متوسط العمر، ما زالت شابة لذلك تحوي فقط الهيدروجين والهيليوم بنسبة 99%، والباقي للعناصر الأخرى. لهذا السبب، من المستحيل أن يكون مصدر العناصر الموجودة على الأرض هو الشمس. الذهب، على سبيل المثال، ذلك الذي ترتديه معظم نساء الأرض، وبعض الرجال كذلك، لم يتكوّن بشكل محلي، لم يُصنع على الأرض، لكنه نشأ في أثناء مستعر أعظم ما، حدث أن انفجر قبل خمسة مليارات سنة، ثم أطلقته موجات ذلك الانفجار مجنون القوة إلى الفضاء الرحب حتى سكن في مكونات المجموعة الشمسية والتي بدأت لتوّها في التكوّن، في القرص النجمي الدوار المحيط بالشمس اندمج الذهب مع بقية العناصر.

  

  

هل ترى ذلك؟ كل العناصر التي تعرفها تكوّنت بصورة أساسية في الانفجار العظيم أو أثناء انهيار النجوم الضخمة على ذاتها، الأمر ليس بالبساطة التي نحكيها بالطبع، وللنجوم في تطورها مسارات كثيرة (تجدها في التصميم المرفق أعلاه)، لكن الفكرة الرئيسية واحدة، يوضحها كارل ساجان، الفلكي واسع الشهرة، حينما قال ذات مرة، في وثائقي "كوزموس" الشهير: "النيتروجين في الحمض النووي الخاص بنا، الكالسيوم في أسناننا، الحديد في دمائنا، الكربون في فطائر التفّاح، كل ذلك صُنع في قلب النجوم المنهارة، نحن مصنوعون من غبار النجوم".

تقارير متصدرة


آخر الأخبار