انضم إلينا
اغلاق
الغارقون في الكسل.. لماذا أصبحت ممارسة الرياضة ضرورة لحياة عادية؟

الغارقون في الكسل.. لماذا أصبحت ممارسة الرياضة ضرورة لحياة عادية؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

في الفيلم واسع الشهرة "Wall-E" يعيش البشر حالة من الرفاهية على سفينة فضائية سابحة بين النجوم، فقد تغيرت الأرض ولم تعد صالحة للعمل ككوكب يحمل علامات الحياة، لكنهم على الرغم من ذلك، لم يفقدوا الأمل، وكانوا من حين لآخر يرسلون ببعض الروبوتات للبحث عمّا إذا كانت الأرض قد أظهرت أي إمكانية من جديد للحياة. لكن، وفي أثناء ذلك كله، فَقَد البشر مجموعة من أهم قدراتهم ككائنات حيّة، حيث عوّدتهم التكنولوجيا الجديدة في السفينة الفضائية على حالة من الكسل الشديد، فكُل شيء يُدار بالآلة، حتّى إنهم يستخدمونها عوضا عن المشي، ليصبحوا بمرور الوقت أكثر ضخامة، بلا أي قدرة على الحركة، لكن المثير للانتباه أنهم أصبحوا أكثر بلاهة!

      

    

عالم كسول!

قد تتصور أن تلك الحالة من الدّعة غير ممكنة، إنها فانتازيا أنتجها خيال خصب، لكن دعنا نتأمل قليلا الفارق(1) بين أوضاع البشر في منتصف القرن الفائت، والعالم المعاصر. حينها كان الذهاب للتسوق مشيا على الأقدام، وكان ذلك يستهلك 2400 سعر حراري بصورة تقديرية، لكنه الآن أصبح بالسيارة، ويستهلك 275 سعرا حراريا فقط، كان غسيل الملابس باليد، ويستهلك 1500 سعر حراري، لكن الغسّالة الأوتوماتيكية جعلتنا نبذل فقط 270 سعرا حراريا في المهمة نفسها، هذه مُجرّد أمثلة بسيطة، لكنها إشارة إلى مجموعة من التغيرات الجوهرية التي ربما لا تدرك وجودها، في شتى جوانب المجتمع البشري.

     

بحسب(2) منظمة الصحة العالمية، فإن ثلث البشر -نتحدث هنا عن رقم يقترب من ملياري شخص- لا يؤدون أنشطة بدنية كافية، لكن المثير أن تلك النسبة ترتفع لتصبح نصف البشر في منطقتين من العالم، الأولى هي الأميركتين، الشمالية والجنوبية، والثانية هي هنا في الوطن العربي، وخاصة البلدان المحيطة بمنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، في الواقع فإن ستا من الدول العربية تتربع على قائمة الشعوب الأكثر بدانة في العالم، وهي الكويت، تليها السعودية، ثم مصر، ثم الأردن، تليها الإمارات، ثم قطر.

   

  

أسباب هذه الحالة المعاصرة ليست خفيّة، فكما تحدثنا قبل قليل، لقد عوّضت التكنولوجيا الكثير من مهامنا اليومية التي يُفترض أن نؤديها بأجسامنا، كذلك فإن ازدياد التحضّر بدوره قد أنتج مجموعة من العوامل التي تساعد على إبقائك كسولا، سواء بسبب حركة المرور الكثيفة، أو التلوث البيئي، أو الانخفاض المروّع في أعداد الحدائق وأرصفة المشي والمرافق الرياضية، أو تزايد مظاهر العنف الاجتماعي والسياسي، وفي ظل كل تلك العوامل، أصبح البشر أكثر ارتباطا بالغرف المغلقة، سواء المنزل أو العمل، وهو ما سار بنا في منحنى مظلم.

  

أدى ذلك إلى ازدياد نسب التوتر والقلق والاكتئاب، والاضطراب النفسي في العموم، خاصة في أوساط المراهقين والشباب، أضف إلى ذلك ضغوط الحياة المعاصرة الشديدة، بالإضافة إلى توترات في السياسة العالمية التي دائما ما تلوّح بحروب جديدة إلى جانب تلك التي قُتل خلالها مئات الآلاف من الأشخاص في السنوات السابقة، يوحي ذلك كله بأن البشرية قد تكون على شفا حفرة عميقة للغاية، ويحدد ملامحها شيء واحد فقط، المرض. هنا لا بد وأنك تسأل: "كيف أواجه ذلك كله؟ أنا شاب/فتاة في العشرينيات أو الثلاثينيات من عمري، لا أمتلك الكثير من المال لكي أعيش في كومباوند "صحّي وآمن"، ولا أمتلك فرصة للهرب من كل ذلك الضغط الذي يحيط بي، فما الذي يمكن أن أفعله للخروج من ذلك البئر؟".

    

     

ما العلاقة بين الاكتئاب و"تمرينة مشي"؟!

حسنا، على الجانب الآخر تماما مما طرحناه من اضطرابات، فإن البحث العلمي الخاص بأهمية ممارسة النشاط البدني يتقدم يوما بعد يوم في توسيع الدور الذي يمكن للرياضة أن تلعبه في حياتنا. على سبيل المثال، كانت دراسة جديدة(3) من جامعة فيرمونت، صدرت فقط قبل عدة أيام، قد أشارت إلى أن ممارسة الرياضة بصورة منتظمة ضرورية في مستشفيات الصحة النفسية، بضرورة الأدوية نفسها، بل وأضافت أن الرياضة قد تكون أحد أسباب خروج المريض من المستشفى قبل موعده بفارق زمني كبير.

      

كانت التجارب الخاصة بفريق جامعة فيرمونت بسيطة، لقد قاموا بتصميم صالة رياضية ضخمة بإدارة فريق من المعالجين النفسيين لعمل خطة يمارس خلالها المرضى الرياضة مدة 60 دقيقة بشكل يومي، وكانوا مئة شخص، من حالات عقلية متنوعة كالقلق والاكتئاب والذهان بصفة خاصة، هنا جاءت نتائج(4) اختبارات السلامة النفسية لتشير إلى تحسّن واضح في مستويات الغضب والقلق والاكتئاب وارتفاع احترام الذات والمزاج العام، في 95% من الحالات! هذا التحسن يشبه ما تفعله الأدوية التي تعالج أعراض تلك الأمراض.

   

ليست تلك هي المرة الأولى التي يشار خلالها إلى دور الرياضة في تحسين أعراض الاضطراب النفسي، فقد أشار "برنارد باون"(5) من قسم الطب النفسي بجامعة أديلايد الأسترالية، في دراسة أخرى قبل عام واحد، إلى أن أعراض الاكتئاب تميل لأن تصبح أسوأ في حال امتنع المريض عن ممارسة تمارينه، بل وامتد الأمر للأشخاص الأصحاء، فممارسة نحو ثلاث ساعات من الرياضة مقسّمة على ثلاثة أيام في الأسبوع، بحسب باون، قادرة على جعلك أكثر ابتعادا عن أعراض الاكتئاب، سواء المرضية، أو العارضة بسبب مشكلات العمل.

      

    

الفئران المدمنة على الكوكايين

أما في الجمعية الأميركية للكيمياء فقد أجرى(6) الباحثون تجارب غريبة بعض الشيء، فرغم أنها كانت على الفئران، ما يعني أنها لا تؤكد الكثير من النتائج، فإنها تلفت الانتباه لدور الرياضة في تحسين الأدمغة في العموم، حيث قام الباحثون بحقن مجموعتين من الفئران بالكوكايين لمسافة أربعة أيام متتالية، في بيئة تربطهم بالحاجة إلى الكوكايين فيما بعد، ثم بعد انتهاء الحقن نُقلت الفئران إلى أقفاص لمدة 30 يوما، المجموعة الأولى كانت بأقفاص عادية، والثانية كانت بأقفاص ذات عجلات دوّارة تجري الفئران فيها.

   

بعد شهر من تلك الحالة، أُعيدت مجموعات الفئران إلى بيئة الكوكايين، من المفترض أن تتسبب تلك الحالة في جعل الفئران أكثر رغبة في جرعات المخدر، لكن استجابة المجموعتين كانت مختلفة، فالمجموعة التي مارست الجري على العجلات كانت أقل تفضيلا لتلك البيئة، ترى الدراسة أن السبب هو الدور الذي تلعبه التمارين الرياضية في تخفيف نسب بعض المركبات الدماغية التي تعمل على تثبيت ذكريات الإدمان، ما يجعل الفئران أقل ارتباطا بها.

  

لا نعرف تحديدا الآليات التي تتمكّن الرياضة من خلالها أن تحسن من أوضاع أدمغتنا، يمكن أن يكون السبب هو(7) قدرتها على تحسين التواصل بين الخلايا العصبية في عدد من المناطق المخّية، وكان باحثون من جامعة ميرلاند قد اختبروا تلك الفكرة في عيّنة كبار السن (فوق 55 سنة) خضعت لاختبارات ذاكرة بُعيد تمارين رياضية لعدد من أفراد المجموعة، ثم جاءت النتائج لتقول إن هؤلاء الذين مارسوا الرياضة كانوا أكثر قدرة على التذكر ممن لم يمارسوها.

    

  

لكن الأكثر إثارة للانتباه هو ملاحظة أخرى، ظهرت عبر تقنية الرنين المغناطيسي الوظيفي، في البشر، حينما وُجد أن أربع مناطق دماغية مرتبطة بالذاكرة كانت أكثر نشاطا بشكل واضح، بما فيها منطقة "قرن آمون"، وهي المنطقة التي تنكمش مع تقدم العمر وتكون هدفا لأولى هجمات مرض الزهايمر. كثيرة هي الدراسات التي تربط بين التمارين الرياضية، كالمشي السريع لمدة ثلاث ساعات أسبوعيا، وظهور الزهايمر في عمر أكثر تأخرا من المتوقع، مع تحسّن متوسط للحالات المصابة بالفعل، علما بأن هذا المرض، الذي لا نفهمه بعد، يخترق البشرية يوما بعد يوم، ويتوقع أن تتضاعف نسب الإصابة به ثلاث مرّات على الأقل بحلول العام 2050.

  

عند تلك النقطة، ربما قد تتساءل عن دور الرياضة في عمر الشباب، حيث يبدو للوهلة الأولى وكأن الأمر متعلق بمخاوف الشيخوخة وهو أمر -كما قد تظن بالخطأ- ليس من المفترض أن يشغل بالك الآن، لكن البحث العلمي في هذا المجال يشير إلى أن تأثير الرياضة، كما أوضحنا، لا يظهر على مدى طويل، بل بشكل مباشر بعد كل "تمرينة"، وفي دراسة من الأكاديمية الأميركية لعلم الأعصاب، صدرت(8) فقط قبل عدة أشهر، ظهر أن التمارين الرياضية المنتظمة مثل المشي وركوب الدراجات أو تسلق السلالم تؤدي إلى تحسين مهارات التفكير ليس فقط لدى كبار السن ولكن أيضا في عمر الشباب.

   

مجبولون على الكسل

اللافت في الدراسة الأخيرة هو طبيعة العيّنة، فقد كانوا بين أعمار 20 و67، غير مصابين بأي مرض، ومدة الدراسة نفسها، فقد ظهر تحسّن واضح في أداء المشاركين بالدراسة، في مهام كالقدرة على التحكم في السلوك، ودرجات الانتباه، والالتزام بتحقيق الأهداف، ومهارات التفكير، فقط بعد انتظام دام 3 أشهر في تمارين اعتيادية ليست قاسية ولم تصعد بمعدلات نبض القلب إلى مستوى مرتفع، لقد أدّوا جميعا وكأنما هم أصغر بعشرين عاما من عمرهم المسجل في التجارب، وأظهر الشباب تحسنا كالكبار. 

    

في العالم المعاصر، نحن مجبولون على الكسل، نستخدم التكنولوجيا في كل شيء تقريبا، بداية من السيّارة وصولا إلى الهاتف الذكي الذي يوفر علينا المسافة لمكتب البريد

وكالة الأنباء الألمانية
   

يوما بعد يوم، يخرج لنا البحث العلمي الخاص بالعلاقة بين ممارسة الرياضة وصحتنا العقلية، والعامة، بدلائل قوية تقول إننا نصبح أفضل مع ممارسة الرياضة، يرتفع تركيزنا وقدرتنا على اتخاذ القرارات السليمة، وتنخفض درجات التعكر في أمزجتنا بصورة واضحة، ونبتعد أكثر عن أخطر المشكلات النفسية. لقد قالوا قديما إن "العقل السليم في الجسم السليم"، لكنّ أحدا منهم لم يدرك أننا أصبحنا في حاجة إلى الجسم السليم فقط من أجل حياة طبيعية.

  

في العالم المعاصر، نحن مجبولون على الكسل، نستخدم التكنولوجيا في كل شيء تقريبا، بداية من السيّارة وصولا إلى الهاتف الذكي الذي يوفر علينا المسافة لمكتب البريد وللعمّة في المدينة المجاورة وللعمل نفسه حينما نعمل من المنزل أو ننهي الكثير من مشكلات العمل عبر الهاتف. ومع التوتر المحيط بنا في كل جانب، يطغى هذا الكسل على عقولنا أيضا، حتى أصبحنا أكثر قابلية للاكتئاب والتوتر وتعكر المزاج والقلق من أي وقت آخر في تاريخنا. في المقابل، ترتفع نسب السكري والسرطان وأمراض القلب بشكل غير مسبوق.

  

قال ألبير كامو ذات مرة: "هناك أناس يبذلون جهدا خرافيا، فقط ليصبحوا أناسا عاديين"، حسنا، أصبحنا كلنا ذلك الشخص، أصبح من الضروري أن تمارس الرياضة فتشحذ عقلك قدر الإمكان حتّى لا يصدأ من الكسل، أصبح ضروريا أن تقاوم غرائزك ناحية الوجبات الجاهزة، التي تنتشر بصورة هي الأفظع في تاريخنا، والتواصل عبر تطبيقات الهواتف الذكية، التي نقضي عليها ساعات طويلة بلا هدف، كما أصبح ضروريا أن نتجنب الجدل الفارغ حول كل شيء وأي شيء لمجرد أننا نمتلك رغبة مُلحّة في الكلام لأجل إعلان وجودنا أمام الآخرين. إذا تأملت الأمر قليلا، ستجد أننا نحن البشر، مع امتلاكنا لأدوات تسهّل حياتنا، أصبحت معركتنا هي أن نتحكم في ذواتنا قبل أن نتحكم في العالم من حولنا.

  

ملاحظة مهمة: في حالة وجود أي من الاضطرابات النفسية والعقلية يرجى من القارئ الكريم التواصل مع الطبيب أو المُعالج النفسي الخاص به من أجل تنظيم النشاط البدني بحد أدنى وحد أقصى، من أجل أفضل النتائج، وبسبب خصوصية بعض الحالات.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار