انضم إلينا
اغلاق
مخدرات الرأسمالية المفضلة.. ترفع الإنتاجية وتزيد التركيز لكنها تدمرنا

مخدرات الرأسمالية المفضلة.. ترفع الإنتاجية وتزيد التركيز لكنها تدمرنا

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

قد لا تبدو صباحات رائد الأعمال والمبرمج دايف آسبوري مختلفة للوهلة الأولى عن صباحات أي شخص آخر. يستيقظ دايف من النوم ويصطحب أطفاله الصغار إلى المدرسة، ثم يعود للمنزل ويعد لنفسه الفطور المُكوّن من قهوة وزبدة. بعدها، يتجه لغرفة مكتبه، ويمد يده لأحد الأركان ويسحب كبسولات عديدة من علب تبدو كعلب أدوية، ثم يبدأ في العمل. [1]

إلى هنا، يبدو كل شيء عاديا، إلى أن نكتشف أن الكبسولات التي يتناولها ليست أدوية في الحقيقة، بل مخدرات. لا يمكننا أن نعدّ تعاطي دايف لتلك العقاقير أمرا غريبا، فطوال تاريخ الإنسانية، وقبل حتى أن توجد الحضارات، رافقت المواد المُخدّرة الإنسان. فعلى ما بها من أضرار قد تؤدي بالفرد إلى التهلكة، وجد البعض فيها مهربا من هموم الحياة وأثقالها، وإن كان الثمن الذي سيدفعونه لقاء هذا باهظا.

الغريب في الأمر حقا هو أن ما ينشده دايف، وغيره الكثيرون، من تناول نمط معين من المخدرات هو النقيض التام لكل هذا؛ فهو لا يود عند ابتلاعه تلك العقاقير في كل صباح أن يهرب من واقعه، بل عكس هذا تماما؛ يود أن ينغمس أكثر في هذا الواقع ويتلاعب به لصالحه، يود أن يصير أكثر ذكاء، أكثر إنتاجية، أكثر ثراء. فالمخدرات التي يتناولها دايف ليست حشيشا ولا أفيونا، كما أنها لا تشبه أي مخدر آخر مألوف، دايف يتناول نوتروبكس (nootropics)، أو ما يُعرف بالمخدرات "الذكية".

  

  

داخل عالم المخدرات "الذكية"

لم يدر بخلد الكيميائي سي. سي. جرجيا يوما أن الكلمة التي اخترعها كاسم لعقار البريستام الذي ركّبه في معمله أحد أيام عام 1964 ستصير شائعة إلى هذا الحد بعدها بستين عاما. تسمية هذا المُركّب جاءت من دمج الكلمتين الإغريقيتين "نوس" والتي تعني المخ، و"تروبين" التي تعني "ليّ"، وصنّع في معمله أول عقار يأمل أن ينجح في ليّ دماغ من يستخدمه. [2]

كأي دواء آخر، صمم جرجيا البريستام كعلاج، وكان يأمل أن يساعد عبره المرضى الذين يعانون من أمراض دماغية تُؤثر على المخ والإدراك، مثل ألزهايمر في كبار السن، واضطرابات الكلام لدى الأطفال. لكن معظم متعاطي النوتروبكس الآن هم غالبا أفراد أصحاء تماما لا يعانون من أي خلل دماغي، ولا يهدفون لعلاج أنفسهم من مرض ما. [3]

يختلف متعاطو المخدرات الذكية أيضا عن متعاطي أي نوع آخر من المخدرات، فهم ليسوا فئات مهمشة أو شبابا "ماجنا" يتناول جرعة المخدر في أوكار معتمة أو حفلات صاخبة؛ متعاطو النوتروبكس هم بعض من طلاب أرقى الجامعات في العالم، وبعض من أصحاب ألمع العقول التقنية في وادي السيلكون، معقل صناعات التكنولوجيا في سان فرانسيسكو بأميركا. فعبر تناول عقاقير معظمها في الأساس مصنوع من أجل من يعانون من اضطرابات إدراكية نتيجة لإصاباتهم بأمراض عقلية، يرنو أولئك الطلاب النجباء والمبرمجون اللامعون إلى تعزيز قدراتهم على التعلم والتركيز والتفكير بشكل إبداعي ليصيروا أكثر ذكاء، وهو ما يبدو أنه يحدث بالفعل تحت تأثير تلك العقاقير.

  

لكل عقار آثار جانبية تتراوح في حدّتها، من أشياء خفيفة كالإصابة بالصداع إلى أعراض في مثل حدّة المرض الذي تناولتها من أجله

مواقع التواصل
   

تصف فيبي، طالبة التاريخ في إحدى الجامعات المرموقة بإنجلترا، تأثير النوتروبكس عليها في حوارها مع الغارديان وتقول: "تساعدك تلك العقاقير على العمل، فتستطيع معها أن تذاكر لوقت أطول بلا تشتيت. تشعر بالرغبة في الذهاب للمكتبة من تلقاء نفسك، ولا تود حتى أن تأخذ استراحة غداء. تنظر في الساعة، لتجد أنها صارت السابعة مساء، لكنك ما زلت قادرا على المواصلة". ويصف جوني، طالب في الجامعة نفسها، أول تجربة له مع العقاقير ويقول: "انتابني شعور غريب، أتذكر أنني جلست في الامتحان وأخذت أفكر: "هذا مريع! يا إلهي! أشعر كما لو أنني سأفقد الوعي"، لكنني في الوقت نفسه كنت أستطيع أن أتذكر كل شيء، فقرات كاملة تذكرتها كلمة كلمة. كان ذلك رائعا".[4]


يبدو كل هذا رائعا حقا، أن تتناول بضعة أقراص في الصباح فتعطيك قدرة خارقة على العمل والتفكير. لكن، كما يعرف أي شخص سبق وتناول دواء، فلكل عقار آثار جانبية تتراوح في حدّتها، من أشياء خفيفة كالإصابة بالصداع إلى أعراض في مثل حدّة المرض الذي تناولتها من أجله، وتوجب تناول عقاقير إضافية لمداواتها. فما الآثار الجانبية للنتروبكس يا ترى؟

لا توجد دراسات كافية تجيب عن هذا السؤال، لكن تجربة الكثيرين مع النوتروبوكس على المدى البعيد لم تكن مبشرة بالخير أبدا. تروي الكاتبة والصحفية كيت ميلر قصتها مع تلك العقاقير التي بدأت تناولها وهي بعد طالبة في السنة الأخيرة من الجامعة، لتستمر معها بعد دخولها حياتها المهنية. في البداية، بدا كل شيء رائعا، وجدت أنها تستطيع التركيز لساعات طويلة وأن تعمل دون تعب حتى أوقات متأخرة في الليل، ومع كل هذا، تمكّنت من الاحتفاظ بحياة اجتماعية جيدة. لكن بعد وقت ليس بالطويل، أفصح الوجه القبيح للنوتروبكس لها عن نفسه: تحولت كيت إلى مدمنة.

تروي كيت في مقالها في النيويورك تايمز عما مرت به: "كنت أخدع نفسي حينما فكرت أنني أستطيع البقاء متوازنة أثناء تناول تلك العقاقير، عندما ظننت أن منافعها تفوق أضرارها. بدأت أزيد الجرعات التي كنت أتعاطاها، وبعدها، وجدت نفسي أقضي ليالي طويلة أتقلب في السرير والنوم يجافيني، عقلي يتسارع وقلبي يدق بعنف. وعندما أستيقظ في صباح اليوم التالي، أول شيء أفعله كان مد يدي لتناول الحبوب مجددا. بدأ جسمي يعتاد على تلك العقاقير، ومن ثم فقدت تأثيرها، فأخذت أزيد الجرعة. كنت أتناولها إن وجدت نفسي أتثاءب بعد أن أغلق المنبه. تحولت إلى حطام، دائما غاضبة وفاقدة لقدرتي على التواصل مع العالم".

وصلت كيت لنقطة وجدت عندها أن حياتها تنهار على المستويات كافة، وهنا، جاء قرارها أن تتوقف عن تعاطي تلك العقاقير نهائيا. لكن ما لم يخبرها به أحد هو أن التوقف في حد ذاته سيكون عسيرا، فالنوتروبكس، كغيرها من المخدرات، تترك متعاطيها في بداية الإقلاع عنها أعزل أمام وابل من أعراض انسحاب مؤلمة. تقول كيت: "وجدت نفسي أنام خلال الاجتماعات ولم أعد أستطيع أن أنهي عملي قبل موعد التسليم. كما بدأت أشعر بالجوع الشديد وبدأت آكل بشراهة. تركني هذا الاضطراب في كيمياء مُخي هشة وحساسة للغاية، ولم تفعل زيادة وزني وتأخري في العمل سوى أن زادا الطين بلة. كان من الصعب عليّ أن أفهم حينها أن ما أمر به هو أعراض انسحاب، فإن أحدا لم يحذرني من أعراض تلك العقاقير الجانبية"[5].

أما فيبي وجوني، الطالبان اللذان ساعدتهما النوتروبكس في فترة الامتحانات، فسرعان ما لاحظا تأثيرها السيئ عليهما بعدها بفترة بسيطة؛ بدأت فيبي تشعر بألم شديد في بطنها، وشعر جيمي أنه صار يعتمد عليها في كل شيء أكثر من اللازم، فبات يتناولها في كل صباح دون أن يكون في حاجة حقيقية إليها. لكن لحسن الحظ، وقبل أن يمرا بتجربة كيت السيئة، أقلع الطالبان عن النوتروبكس تماما بعدها. وحتى دايف آسبري، رائد الأعمال الذي يتناول كميات مهولة من النوتروبكس في كل صباح وأسس شركة لتصنيع قهوة ممزوجة بتلك العقاقير، فقد أصابته النوتروبوكس بحساسية شديدة إزاء بعض الأطعمة كان يتناولها بشكل طبيعي طوال حياته.

وفي بحث في مجلة "كلينيكال نيوروساينس" العلمية، وجد الباحثان فريد طالح وجين آجلوتي أن العديد من عقاقير النوتروبكس تسبب أعراضا جانبية تتراوح في حدتها وخطورتها بين الإصابة بالإسهال والصداع والدوار والأرق، وحتى فقدان الذاكرة واضطرابات في الهوية وقصور في الجهاز الحركي. كما تضمن البحث دراسة حالة لأربعة أفراد تتراوح أعمارهم بين 17 و28، أودت بهم النوتروبكس إلى غرفة الطوارئ في المشفى بعد أن أصابتهم بانهيار عصبي.[6] وهنا، نجد أنفسنا أمام سؤال أهم: لماذا قد يلجأ أشخاص في الغالب ذوو مستويات عالية من الذكاء لعقاقير قد تضيف إلى ذكائهم هذا أبعادا أعمق، لكنها في المقابل قد تصيبهم بآثار جانبية لا يعرف مدى خطورتها أحد؟ [7]

اختراق الجسد: إلى أي مدى ستذهب لتصير ناجحا؟

ينظر "مخترقو الأجساد" (biohackers) إلى أجسامنا كما قد ينظر المبرمج أو المهندس إلى حاسوب يبحث عن طرق لتطويره

Pixels
 

  
لا يجد تيم فاريس، رائد الأعمال ومؤلف كتب التنمية البشرية الشهير، أي غضاضة أو خوف حقيقي حيال الآثار الجانبية طويلة المدى للنوتروبكس. ففي حديثه مع السي إن إن، بعد أن بدأ بالكلام عن كمية الضغوط التي يتعرض إليها رواد الأعمال اليوم، اختتم حواره قائلا: "تماما مثل لاعب أولمبياد على استعداد أن يفعل أي شيء، حتى لو قلل عمره خمس سنوات، ليفوز بالميدالية الذهبية، ستفكر في أي عقاقير قد تتناول لتصبح أكثر ذكاء". [8]

    

ويذهب جيف وو، مهندس البرمجيات الذي أنشأ شركة متخصصة في تصنيع النوتروبكس، إلى الشيء نفسه، فيقول: "الإبداع والأداء العقلي العالي هما الطريقتان الوحيدتان اللتان تستطيع عبرهما النجاح في وادي السيلكون. فأنا أُشبّه العاملين في مجالي التقنية والشؤون المالية بالرياضيين المحترفين، قد تكون الطريقة الوحيدة لنجاح فريقك أو منتجك أو مشروعك هو أن تحظى بميزة نسبية عن المنافسين (ستوفرها لك النوتروبكس)". والأمر لا يقتصر على الصناعات التقنية فقط، فيضيف وو: "أن تصير أكثر ذكاء وأكثر قدرة على الإنتاج هو أن توافق معايير العصر الحديثة للنجاح".[9]

إن بدا لك استعداد البعض لابتلاع عقاقير لم تُجْرَ عليها أبحاث كافية من دون المعاناة من مرض حقيقي فقط من أجل زيادة قدرتهم على الإنتاج شيئا غريبا، فأنت لم تسمع بالمصطلح والممارسات التي تنضوي تحتها تلك العقاقير وغيرها الكثير من الممارسات الغريبة: إنه اختراق الجسد، أو "biohacking".

   

هل يوجد بعد ذلك السعي الحثيث وراء النجاح أي نوع من السعادة؟ أم أن القمة ليست أكثر من صورة براقة لشيء في الحقيقة خاوٍ وبارد ووحيد؟

مواقع التواصل
   

ينظر "مخترقو الأجساد" (biohackers) إلى أجسامنا كما قد ينظر المبرمج أو المهندس إلى حاسوب يبحث عن طرق لتطويره، يحاولون عبر وسائل تتباين في تطرفها، من الصيام المتقطع، إلى حقن أنفسهم بالخلايا الجذعية، أن يجعلوا أجسادهم وأدمغتهم أفضل، أقوى، أكثر صحة. قد لا يبدو هذا للوهلة الأولى شيئا سيئا، فمن منا لا يود أن يكون أفضل نسخة ممكنة لذاته؟ لكن المثير حيال هذا أن رغبتهم في تطوير أجسادهم وأدمغتهم تقف عند الحد الذي يجعل هذه الأجساد وتلك الأدمغة أكثر قدرة على الإنتاج، ولا يتخطاها إلى مناحٍ حياتية أخرى، حيث لم يفكر أحد من مخترقي الأجساد مثلا في ابتكار عقار تصير عبر تناوله أكثر استعدادا لمساعدة الآخرين في مِحَنهم. وفي السياق نفسه، فأمام العدد الكبير من الأشخاص المستعدين لتعاطي النوتروبكس لزيادة قدرتهم على الإنتاج، وجد عالم الأعصاب أندرس ساندبرج في دراسة أجراها أن 9% فقط من الناس على استعداد أن يتناولوا عقارا يجعلهم أكثر تعاطفا مع الآخرين أو أكثر طيبة.

هذا التعاطي المتزايد للنوتروبكس والاستعداد للتلاعب بتكوين الجسد نفسه من أجل زيادة الإنتاج هو في حد ذاته عرض لمرض حضاري يغلف عالمنا اليوم: إنه الهوس بالنجاح لقاء أي ثمن. تقول كارول جادوالار الصحفية في الغارديان عن هذا: "في الستينيات، عُرفت المهدئات بكونها المساعد الصغير للأمهات. أما اليوم، فالنوتروبكس هي المساعدات الصغيرة للرأسمالية. محض عَرَض آخر لعالم تسيطر عليه المنافسة ويبحث فيه الكل عن ميزة نسبية تضعه فوق الآخرين". [10] ويقول عالم الأعصاب أنجان شاترجي: "لا يعرف الناس اليوم منذ لحظة ميلادهم وحتى موتهم سوى الجري في سباق جرذان حثيث. يسيطر علينا شعور أن هناك عددا محدودا من الجوائز في الأفق وأن الجميع يتنافسون عليها. الوضع صعب، وتجد نفسك على استعداد أن تفعل أي شيء حتى تحقق الفوز". [11]

ففي هذا العالم المحكوم بالآلات والأرقام، صار من المتوقع منّا أيضا أن نصير آلات: ماكينات تستيقظ في الصباح وتعمل بلا كلل حتى يهبط المساء، وكل شيء في النهاية محكوم بالأرقام. مدى نجاحك مرتبط بكمِّ ما تنتجه في كل يوم، والذي ستتم ترجمته في نهاية الشهر إلى كمِّ ما تجنيه من مال. ولم يعد راتبك أو ثروتك محض وسائل توفر لك حياة كريمة، بل صارت نوعا من الهوس، كل شخص يود أن يصير ناجحا في ثقافة حديثة لا تُقدّر سوى القيم المادية، وتصم من يرسب في اختبار جني المال بالفشل. في مثل تلك الثقافة، ليس من الغريب أن نجد أشخاصا على استعداد أن يبتلعوا عقاقير مجهولة الآثار الجانبية في سبيل أن يصيروا أفضل. أفليس هذا بشكل أو بآخر ما تفرضه علينا جميعا الثقافة الحديثة اليوم، العمل حتى الاحتراق وفقدان بعض من أبسط مُتع الحياة فقط حتى نعيش بشكل لائق ونهرب من وصمة الفشل؟ ويبقى السؤال مطروحا: هل يوجد بعد ذلك السعي الحثيث وراء النجاح أي نوع من السعادة؟ أم أن القمة ليست أكثر من صورة براقة لشيء في الحقيقة خاوٍ وبارد ووحيد؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار