انضم إلينا
اغلاق
يدمنها الكثيرون.. هل مشروبات الطاقة آمنة حقا؟

يدمنها الكثيرون.. هل مشروبات الطاقة آمنة حقا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

حسنا، الامتحان بعد ست ساعات فقط، ولا بد أنك الآن في قمة الإنهاك، فقد درستَ لتلك المادة -الغاية في الصعوبة- لمدة يوم كامل ولم تنتهِ بعد، لا بد أن تنام قليلا، لكن الأرقام كثيرة ويجب أن تضعها في جدول كي تحفظها جميعا، هنا ستتذكر أن الحل، دون نقاش، يتمثل في تلك المشروبات التي "تعطيك أجنحة" من الطاقة، والتي يمكنها أن تساعدك في تخطي تلك الساعات الست الحاسمة التي تتعامل معها وكأنها مهمة عبور خط بارليف!

  

دفعة من الطاقة

هل مشروبات الطاقة آمنة حقا؟ هذا السؤال ضروري، خاصة أن استخدام تلك المنتجات، بتنوعها الواسع، يرتفع(1) يوما بعد يوم في العالم كله، وفي الوطن العربي على وجه الخصوص، لذلك دعنا نبدأ بتأمل النطاق البحثي الذي يحاول فهم أثر تلك "الأشياء" على صحتنا، لا شك أننا سنصطدم للوهلة الأولى بأهم مكوّنات مشروبات الطاقة، إنه ملك القلوب، آسر العقول، سر عظمة القهوة والشاي، المركب الذي يُسمى بـ "الكافيين".

 

فنجان صباحي من القهوة كفيل بضبط مزاج الملايين في هذا العالم، فأنت تستيقظ متأخرا عن موعدك لكنك لم تَنَم بما يكفي، عند هذه النقطة يكون تأثير فنجان القهوة أشبه بالسحر، حيث يَعمد الكافيين(2) الموجود بالقهوة لاحتلال موضع المستقبلات الدماغية الخاصة بمركّب شبيه يُسمى "الأدينوزين"، وهذا الأخير مسؤول عن شعورنا بالخمول والرغبة في النوم، بالتالي يساعد الكافيين على تنبيهنا، أضف إلى ذلك تأثيرا آخر على درجة من الأهمية، وهو أن الكافيين يساعد على إفراز الدماغ للدوبامين، فيرفع ذلك من درجات الشعور بالسعادة والرضا.

   

   

لهذا السبب، فإن العالم يستهلك 100 ألف طن متري من الكافيين كل عام، ما يجعله السلعة الأكثر رواجا بعد البترول، معظم هذا الكافيين يظهر في الشاي والقهوة، لكن مشروبات الطاقة كذلك تتصاعد نسب استخدامها يوما بعد يوم في العالم أجمع، لدرجة تجعلها المشروب المفضل لدى 75% من المراهقين في الولايات المتحدة وحدها، المشكلة التي نواجهها مع مشروبات الطاقة تبدأ من كمّ الكافيين بها، فبينما قد يصل تركيز الكافيين إلى 40 ملليجراما في كوب شاي "ثقيل"، و150 ملليجراما في فنجان قهوة مركز، يمكن أن يتخطى هذا الرقم حاجز الـ250 ملليجراما في بعض مشروبات الطاقة.

 

من تلك النقطة تظهر المشكلات الأولية لمشروبات الطاقة، فرغم أنها قد تكون غير ضارة إذا استُخدمت بشكل متقطع، وهذا هو من الأساس السبب في وجودها بالمتاجر باعتبارها آمنة، فإن معظم مستخدميها ينتظمون عليها شيئا فشيئا حتى تصبح -مثل القهوة- حالة قريبة من الإدمان، ذلك أن الكافيين الذي يحتل مواضع الأدينوزين في الدماغ يدفع بالدماغ لتكوين المزيد من المستقبلات، والتي تحتاج بدورها إلى المزيد من الكافيين، ما يدفع الشخص للاستهلاك منها بشكل مستمر.

  

إدمان جديد

لهذا السبب -وعلى الرغم من أن جرعة الكافيين في عبوة واحدة من مشروبات الطاقة قد تكون غير ضارة بشكل منفرد- كانت هناك، في الولايات المتحدة، أكثر من 10 آلاف حالة ذهاب لمستشفيات الطوارئ(3) في العام 2009 بسبب مشروبات الطاقة، لكن اللافت للانتباه هو أن تلك الأعداد تضاعفت لتصبح 20 ألف حالة في العام 2011، ما يعني أن مشروبات الطاقة مستمرة في إغراء الناس، خاصة الفئات العمرية الصغيرة بداية من 12 سنة مثلا وصولا إلى 25 سنة، لاستهلاكها بصورة أكبر عاما بعد عام.

    

أوصت جمعية القلب الأوروبية، قبل عدة أعوام، بالتوقف عن استهلاك مشروبات الطاقة بشكل مستمر لأن ذلك يرفع من مخاطر الذبحة الصدرية  واضطراب نمط القلب والموت المفاجئ

مواقع التواصل
   

في الواقع، فإن خطورة هذا النوع من الاعتماد على مشروبات الطاقة أبعد مما قد تظن. على سبيل المثال، كانت دراسة صادرة من جمعية القلب الأميركية(4)، فقط قبل عدة أشهر، قد أشارت إلى أن استهلاك ما مقداره 1 لتر من مشروبات الطاقة (3 عبوات صغيرة تقريبا) يمكن أن يتسبب في التأثير على مخطط كهرباء القلب بشكل واضح ما قد يؤدي إلى مضاعفات غير متوقعة في نمط النبض وضغط الدم، وأشارت الدراسة إلى أن معايير الخطورة تبدأ باستهلاك 400 ملليجرام من الكافيين خلال فترة قصيرة.

  

وتأتي هذه الدراسة على رأس تأكيدات سابقة من جمعية القلب الأميركية وعدة مؤسسات أخرى(5،6،7،8) خلال العقد الماضي. على سبيل المثال، كانت جمعية القلب الأوروبية قد أوصت(9)، قبل عدة أعوام، بالتوقف عن استهلاك مشروبات الطاقة بشكل مستمر لأن ذلك يرفع من مخاطر الذبحة الصدرية واضطراب نمط القلب بل والموت المفاجئ، جاء ذلك بعد محاولة من الجمعية لعمل فحص دقيق لأضرار مشروبات الطاقة على أثر ارتفاع استهلاكها بنسبة 30% خلال عامين فقط من 2009 إلى 2013.

    

لكن الأكثر لفتا للانتباه كانت دراسة(10) صدرت من "مايو كلينيك" قبل عدة أعوام جاء فيها أن استهلاك مشروبات الطاقة، من قِبل هؤلاء الذين لا يستهلكون الكافيين بصورة دورية، أكثر خطورة على القلب، حيث قارنت الدراسة بين أثر مشروبات الطاقة في مجموعتين، الأولى لا تتناول الكافيين، والثانية تتناول ما معدله فنجان قهوة يوميا، هنا جاءت النتائج لتقول إن استهلاك مشروبات الطاقة يؤدي إلى تغير أكثر وضوحا في معدل ضربات القلب وضغط الدم، بالنسبة للفئة التي تعرضت مباشرة لمشروبات الطاقة.

  

فئات حرجة

  

من جهة أخرى فإن ما يعطيه مشروب الطاقة من انتباه لا بد أن يأخذه في صورة درجات من القلق والعصبية والأرق، يظهر ذلك بوضوح في الرياضيين، فرغم أن استهلاك مشروبات الطاقة يرفع بالفعل من أدائهم بنسبة 3-7% عند استهلاك ثلاث عبوات، فإن ذلك تسبب في المقابل بارتفاع نسب القلق والتوتر لديهم، والسبب بالطبع هو كميات الكافيين الكبيرة التي تندفع فجأة في أجسام السبّاحين ولاعبي التنس والعدّائين، بحسب دراسة(11) نُشرت في دورية "بريتش جورنال أوف نيوتريشن" قبل عدة سنوات.

   

في الواقع، فإن الأعداد المتزايدة من مستهلكي مشروبات الطاقة، والنتائج الكارثية التي ظهرت على أثر الاستمرار في استهلاكها بنهم وانتظام لدى الكثيرين، دفعت الكونغرس الأميركي للضغط(12) على إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) للنظر بشكل أكثر دقة في درجات سلامة الكافيين، من جهة أخرى كانت الحكومة البريطانية في العام الفائت قد أعلنت(13) أنها تتخذ خطوات جادة من أجل حظر استخدام مشروبات الطاقة بالنسبة للأطفال والمراهقين تحت سن 16 سنة، ليس فقط بسبب آثارها الضارة مع الاستخدام الكثيف، ولكن لأن نسب السمنة بين الأطفال ترتفع بشكل مطرد، خاصة وأن بريطانيا كانت الأكثر استهلاكا لمشروبات الطاقة في أوروبا. عبوة واحدة من مشروب الطاقة قد تحتوي على ما مقداره 10 معالق سكّر في بعض المنتجات.

  

الأطفال والمراهقون هم بالفعل أكثر الفئات تضررا من استخدام مشروبات الطاقة، والسبب الرئيسي في ذلك هو قلة وعيهم، فهم لا يميّزون(14) بين مشروبات الطاقة وغيرها من المنتجات كالصودا أو العصائر، وينبهرون فقط بشكل العبوة، أضف إلى ذلك أن الآثار الطيبة لمنتجات الطاقة، كالتيقظ والشعور بالحماسة، تدفعهم لاستهلاك تلك المنتجات بصورة كثيفة، في المقابل من ذلك، فإن الدراسات التي تفحص تأثير مشروبات الطاقة على الأطفال تحديدا تحمل تحذيرات مهمة.

    

  

فبجانب العُرضة لمشكلات قلبية وعائية، هناك أدلة(15) على أن استهلاك مشروبات الطاقة بين الأطفال والشباب يرتبط بالقلق والاكتئاب والأرق وزيادة النشاط المفرط وعدم الانتباه، لهذا السبب كان راسل فاينر، رئيس الكلية الملكية لطب الأطفال في بريطانيا، قد أشار في مقال نُشر قبل عدة سنوات بالدورية واسعة الشهرة "بي إم جي" إلى أن هذا أمر مقلق، لأن هذا النوع من الضيق النفسي الذي تسببه تلك المنتجات يمكن أن يؤدي إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر مثل تعاطي المخدرات، كما أنه سبب رئيسي لضعف التحصيل الأكاديمي.

  

امنعوها عن المراهقين

لهذا السبب، كان فريق بحثي من جامعة ووترلو(16) قد طالب عبر ورقة بحثية أخيرة رصدت تضاعف نسب مستهلكي مشروبات الطاقة، باتخاذ خطوات جادة للحد من حصول المراهقين على مشروبات الطاقة، وزيادة الوعي العام، والتثقيف حول الأضرار المحتملة لهذه المشروبات، وتقليل كمية الكافيين المتوفرة في كل منها قدر الإمكان.

  

من جهة أخرى، كانت دراسة نُشرت بدورية "نيوترشن إيديوكيشن آن بيهيفيور" قبل عامين قد اقترحت(17) خمس خطوات أساسية يجب اتخاذها من أجل منع الفئات العمرية الأكثر تعرضا للخطر من الوصول لمشروبات الطاقة، وتبدأ بفرض قيود على بيع تلك المنتجات وتوفرها، كذلك تغيير التعبئة والتغليف بحيث تكون بيانات العبوة واضحة، ورفع سعر تلك المنتجات، وتقليل إمكانية رؤيتها في المتاجر (يوصى بألا توضع إلى جوار الكاشير مثلا أو في المناطق التي تراها العين سريعا)، وإجراء عدد أكبر من البحوث حول تلك المشروبات، مع توعية الطلبة بالفارق بينها وبين العصائر أو المنتجات الأخرى وأضرار كل منها.

     

لن نحصل على حياة طبيعية نافعة إلا بالالتزام بحمية غذائية صحية وممارسة الرياضة بشكل منتظم

مواقع التواصل
   

وفي المقابل من هذا الإقبال النَّهم على تلك المنتجات الضارة، فإن ثلث البشر تقريبا، في العالم المعاصر، بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية (18)، لا يؤدون أنشطة بدنية كافية، لكن المثير للانتباه أن تلك النسبة ترتفع لتصبح نصف البشر في منطقتين من العالم، الأولى هي الأميركتين، الشمالية والجنوبية، والثانية هي هنا في الوطن العربي، وخاصة البلدان المحيطة بمنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، في الواقع فإن سِتَّا من الدول العربية تتربع على قائمة الشعوب الأكثر بدانة في العالم، وهي الكويت، تليها السعودية، ثم مصر، ثم الأردن، تليها الإمارات، ثم قطر.

 

يضعنا ذلك في بؤرة الخطر لا شك، ويؤثر على أدائنا في المهام جميعا، سواء كانت جسدية أو عقلية، ورغم أن جميع المتخصصين في هذا النطاق يتفقون أننا لن نحصل على حياة طبيعية نافعة إلا بالالتزام بحمية غذائية صحية وممارسة الرياضة بشكل منتظم، فإننا نهرع في الاتجاه المعاكس تماما، بل والأكثر دعوة للتعجب هو أننا لا نفعل ذلك وحدنا، بل نأخذ أطفالنا معنا إلى طرقات المرض والكسل، لِمَ نفعل ذلك؟ لِمَ نسمح لتلك "الملذات" المعاصرة بالتحكم فينا إلى تلك الدرجة؟

تقارير متصدرة


آخر الأخبار