انضم إلينا
اغلاق
رئة العالم تحترق.. لِمَ يجب أن تهتم بأمر غابات الأمازون؟

رئة العالم تحترق.. لِمَ يجب أن تهتم بأمر غابات الأمازون؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"لأنها رئة الكوكب كله"، تلك هي الإجابة القصيرة عن سؤالك الأول الذي ستلقيه على طاولة النقاش حينما نتحدث عن مجموعة من الحرائق هي الأقسى في التاريخ الخاص بغابات الأمازون المطيرة التي تقع على مسافة تتخطى عشرة آلاف كيلومتر من منزلك، سؤالك الذي سيكون في الغالب: ولِمَ يجب أن أهتم؟ إنه أمر خاص بدولة كالبرازيل أو كولومبيا أو فنزويلا، وأنا هنا، في الوطن العربي، بعيد عن آثار هذه الحرائق، لكنك مخطئ تماما حينما تتصوّر ذلك.

رئة الكوكب

لا تحمل غابات الأمازون اسم "رئة الكوكب" من فراغ1، فمساحتها تساوي نحو ست مرات مساحة مصر، ولكنها مكونة من غابات وأنهار فقط، بمتوسط نحو 400 مليار شجرة، لذلك فإن غابات الأمازون مسؤولة عن ضخ بعض من الأكسجين في سماء الكوكب، لكن في الواقع فإن الأهم من الأكسجين، وهو ما لا يتداوله الكثيرون، هو ثاني أكسيد الكربون، لأنه بالأساس السبب في إطلاق هذا اللقب على غابات الأمازون. ثاني أكسيد الكربون هو أحد أسرار الحياة على سطح كوكب الأرض، للوهلة الأولى تظن أن الأكسجين فقط هو أصل الحياة، لكن هناك عامل آخر مساوٍ في الأهمية، وهو حرارة الكوكب، إذ إن أي كوكب يعمل على امتصاص الحرارة من الشمس ثم إطلاقها للفضاء مرة أخرى، وكلما كان الغلاف الجوي الخاص بالكوكب أكثر كثافة فإنه يعكس جزءا أكبر من الحرارة إلى داخل الكوكب مجددا ويمنع خروجها، في حالة كوكب الزهرة على سبيل المثال فإن الغلاف الجوي كثيف جدا، لذلك فإن درجة حرارة سطحه تتخطى حاجز الـ600 درجة مئوية.

غابات الأمازون بالنسبة لقارة أميركا الجنوبية

مواقع التواصل 
 

ما يحدث هنا هو ما نسميه بـ "تأثير الصوبة الزجاجية2"، وهو ما يخشى العلماء منه حاليا بالنسبة للأرض؛ لأن أحد الغازات التي ترتفع نسبتها في الغلاف الجوي -بسبب استخدامنا المفرط للوقود الأحفوري في سياراتنا ومصانعنا ومحطات الطاقة- هو "ثاني أكسيد الكربون"، والذي يرفع من قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ بالحرارة، هنا يجيء دور غابات الأمازون والتي تساهم في سحب مليارات الأطنان سنويا من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما يساعد على إبقاء الطقس مناسبا للحياة.

من جهة أخرى، فإن الأمر يتخطى حاجز الدور الذي تلعبه غابات الأمازون في الطقس إلى ما هو أخطر وأكثر أهمية في الواقع، وهو ما لم يلتفت له "الترند العالمي". حيث تحتوي تلك المنطقة من العالم على ملايين الأنواع من الكائنات الحية بين نبات وحيوان، وتُمثّل واحدة من أقوى دعائم التنوع الحيوي3 في العالم، ومن المعروف أن التنوع الحيوي هو -ببساطة- أحد أقوى الدروع التي تحمي الحياة على كوكب الأرض من الانهيار لأي سبب، فكلما ازدادت أعداد الأنواع الجديدة في بيئة ما، انتعشت الحياة، وأصبحت أكثر قوة ومثابرة مهما كانت التغيرات البيئية قاسية.

حرائق تراها من الفضاء

تخيل الأمر كشبكة ضخمة مربوطة بعناية شديدة، يوجد نوع من الكائنات الحية عند كل عقدة في تلك الشبكة، إذا كانت الشبكة صغيرة وانقطعت إحدى العُقَد الخاصة بها فإن ذلك يؤثر بقوة على الشبكة كلها، أما إذا كانت كبيرة وبها ملايين العُقَد فإن ذلك يعطيها درجة كبيرة من القوة والمرونة، هكذا هي الحياة، شبكة مترابطة. حشرة في غابات الأمازون، حيوان ثديي لا تعرف اسمه يتمشى بين حشائش السافانا في منطقة ما في قارة أفريقيا، شجرة في سهول سيبيريا الباردة، كل ذلك يرتبط بك، يؤثر فيك ويتأثر بك، والأهم من ذلك كله أن حياة كلٍّ منكما مرهونة بحياة الآخر.

كان هذا فقط هو استعراض خاطف لما تعنيه غابات الأمازون لكل مواطن على هذا الكوكب، وحينما تعرف أن مدينة ساوباولو البرازيلية تحوّلت إلى أجواء ليلية4 في منتصف نهارها خلال الأيام القليلة الماضية بسبب الدخان الصادر من حرائق غابات الأمازون، فإن الأمر لا شك يستحق بعض التأمل، لكنك ربما تتمكّن من تقدير حجم الكارثة حينما تعرف أن وكالة الفضاء والطيران الأميركية "ناسا" كانت قد أعلنت أن الحرائق في غابات الأمازون من الضخامة بحيث يمكن أن تراها من الفضاء.

صورة من وكالة ناسا توضح حرائق الغابات في الأمازون

وكالة ناسا
 

وبحسب5 إعلان المركز الوطني لأبحاث الفضاء بالبرازيل، فإن معدلات الحرائق في غابات الأمازون قد ارتفعت بنسبة أكبر من 80% عن الفترة نفسها في العام الفائت، لتُحقّق رقما قياسيا عالميا وهو نحو 73 ألف حريق منتشر في أجواء الغابة عدة آلاف منها نشبت فقط قبل أيام، لكن المشكلة هنا لا تتضح فقط بالأرقام التي تُعبِّر عن فداحة الكارثة التي تواجهها هذه المنطقة الحرجة من العالم، وإنما حينما نسأل: من الذي يتسبّب في كل تلك الكوارث؟

مجرم وحيد معروف

حسنا، إنها الإجابة المعتادة. طبقا لورقة بحثية6 صدرت قبل عام واحد بالدورية واسعة الشهرة "نيتشر"، فإن حرائق الغابات المطيرة في الأمازون ليست حدثا طبيعيا ولكنها اتحاد بين عنصرين، الأول هو الجفاف الشديد، والذي يتزايد يوما بعد يوم بسبب التغير المناخي، والثاني هو الأنشطة البشرية التي تؤثر بالسلب على طبيعة تلك الغابات، وبالوضع في الاعتبار أن 97% من الأعمال البحثية في نطاق دراسة المناخ تتفق على أن البشر لهم دور أساسي في التغير المناخي، فإن السبب الرئيسي في تلك الكوارث هو الإنسان.



لفهم العلاقة بين الجفاف والحرائق يمكن أن نبدأ من شجرة مفردة، مع الجفاف تخزن كمية أقل من الماء، وتنمو ببطء وتطلق كمًّا أقل من بخار الماء إلى الجو، يؤدي ذلك إلى المزيد من تساقط الأوراق الجافة الخاصة بها وموت الشجرة نفسها سريعا، ما يوفر بيئة مناسبة لانتشار الحرائق، خاصة وأن الحرائق تنتشر بصورة أكبر في غياب بخار الماء الموجود في الجو المحيط بها، والذي يعمل بالأساس على إخمادها حال بدأت، لهذا السبب -وبإدخال معايير تتضمن أن آثار التغير المناخي تتزايد بصورة غير مسبوقة- فإن هناك توقعات7 أن تنتهي غابات الأمازون بنسبة 70% بحلول نهاية القرن الحالي. لا تظن أنها مدة قصيرة، نهاية القرن الحالي تأتي بعد 80 سنة فقط، قد لا نصل إليها إلا إذا شاءت الأقدار أن نعمّر لنحو مئة سنة، لكنها لن تكون بعيدة بالنسبة لأطفالنا وأحفادنا.

من جهة أخرى فإن هناك عاملا اقتصاديا يؤثر بقوة على تلك الحرائق ويدفعها للتزايد، حيث كانت إدارة الرئيس الحالي للبرازيل، مرشح اليمين المتطرف، "جايير بولسونارو" قد انتهجت8 سياسة تفتح منطقة الأمازون للأعمال التجارية، تتضمن هذه الأعمال إزالة الغابات لأجل أغراض عدة، كبناء مناطق صناعية أو مزارع لتربية المواشي أو فقط إزالة العديد من الأنواع لأجل زراعة النوع الواحد من النباتات من أجل إنتاج الزيوت أو بعض الضرورات الأخرى لمنتجات التجميل.

لهذا السبب، كان المركز الوطني لأبحاث الفضاء في البرازيل قد أعلن قبل فترة9 قصيرة أن غابات الأمازون قد فقدت في الصيف الفائت فقط ما يعادل السنوات الثلاث السابقة، وهو الأمر الذي يسهم بشكل مباشر في تزايد الحرائق في غابات الأمازون عاما بعد عام، واصلت الجماعات البيئية الهجوم على الرئيس البرازيلي خلال الشهور السابقة بسبب هذا الأمر، أما الأخير فقد خرج بتصريح أخير -دون أدلة واضحة- ليقول إن الجماعات البيئة تُشعل الحرائق في الأمازون لأجل الحصول على شرعية لأفعالهم.

أين غابتك؟

في كل الأحوال، فإن الأمر -بعيدا عن جوانبه السياسية السخيفة إلى حدٍّ كبير- يتعلق، من جذوره، بالطريقة التي نتعامل بها مع الطبيعة، لفهم تلك الفكرة دعنا نقارن بين نوعين من الناس الذين يتعاملون مع غابات الأمازون، الأول هو أحد السكان الأصليين الذين نشأوا وتربوا على مدى آلاف السنين بين النباتات والحيوانات، نتحدث هنا عن أكثر من مليون شخص مقسّمين في نحو أربعمئة جماعة، والآخر هو شخص قادم من المدينة، كيف يتعامل كلٌّ منهما مع الغابة؟



لفهم الإجابة، يجب أن نعيد صياغة السؤال ليكون: ما موضع الغابة بالنسبة لك؟ لو كنت أحد السكان الأصليين، فإن الغابة هي جزء من حياتك وأنت جزء من حياتها، تعتمد عليها وتعتمد عليك، سوف تتربى طفلا لتعيش مع الطبيعة المجاورة بدرجة من التناغم، فتقدّس النهر لأنه مصدر الماء، الذي هو مصدر الحياة، وتتعامل بدرجة من الروحانية مع الشجرة البسيطة لأنها سر الخير الذي تعيش فيه، تنامى ذلك شيئا فشيئا ليصبح أقرب ما يكون لدستور يتفق عليه الجميع، دستور يطالبك أن تنظر إلى نفسك كفرد في عائلة ضخمة، نقطة من ضمن نقاط متجاورة في شبكة الطبيعة، الغابة ليست أسفلك أو أعلاك، الغابة مجاورة لك. بشكل ما، صديقتك.

لهذا السبب عاش السكان الأصليون لآلاف السنين بين الغابات دون تأثيرات واضحة على حيويتها، بل كانوا يتنقلون مرة كل نحو 20 سنة من أجل ترك مكانهم لكي تعمل الطبيعة عليه، فتعيد إحياءه وتنشر الخير بين جنباته، أما بالنسبة لوافد من المدينة، فالأمر مختلف، الغابة ليست مجاورة له، بل هي جزء من ترتيب هرمي، يقف هذا الشخص في قمته، وتقف الغابة، مع أشياء أخرى، في قاعدة الهرم، لذلك فإن الغابة بالنسبة لهؤلاء هي مصدر نأخذ منه الأشياء ولا ضرورة لنا أن نعطيها شيئا، يتعامل وافد المدينة مع عطايا الطبيعة على أنها هدايا غير قابلة للرد.

ومن هو وافد المدينة؟ أنا وأنت في الحقيقة، الإنسان المعاصر أبعد ما يكون عن ثقافة تحترم الطبيعة، ربما بسبب أنه قد ابتعد عنها فعاش في مدن أسمنتية محاطة بالجدران بحيث أصبحت الطبيعة شيئا غريبا عنه، فظن أنه -بشكل أو بآخر- مُتفرد في تكوينه، منفصل عن مادة الحياة المحيطة به، ثم ظن أن كل شيء قد وُجد فقط ليخدم رغباته أيًّا كانت. حسنا، ربما هذا هو السبب بالأساس في أن هناك غابات تحترق الآن على مسافة عشرة آلاف كيلومتر من منزلك!

عند هذه النقطة، يمكن أن نتذكر فيلسوف البيئة، هينرك سكوليموفسكي، في كتابه الشهير "فلسفة البيئة"، والذي قال فيه إن معاناة الإنسان المعاصر تظهر بوضوح في انفصاله عن ذاته، والذي حدث بسبب انفصاله عن الطبيعة، وعيشه ضمن مدن ملوثة لا تُساعد على ما يسميه "تفتحه الروحي". من وجهة النظر تلك، فإن العودة إلى الطبيعة هي عودة الإنسان إلى نفسه، فهل سنعود إلى ذواتنا يوما ما؟ أم سنستمر في إشعال الحرائق!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار