انضم إلينا
اغلاق
ما الذي تركه الجفاف لأطفال السودان واليمن؟

ما الذي تركه الجفاف لأطفال السودان واليمن؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

حينما يُولد طفلك، فإن أول ما تشعر به هو الخوف، إذ يتحوّل كل هذا الحب الذي يتنامى شيئا فشيئا في جنباتك ناحية هذا الصغير، مع مرور الأيام والسنوات، إلى تساؤلات جادة لا تستطيع منع نفسك من الخوض فيها، هل سيتحمّل بؤس هذا العالم؟ هل سيكبر ليصبح طبيبا أو مهندسا أو عالما؟ هل سيكون مستواه المادي جيدا؟ هل سيكون سعيدا في علاقاته الاجتماعية والأسرية؟ هل سيكون لديه أصدقاء مخلصون وزوج محبّ أو زوجة محبّة؟ لكن بعض الآباء في مناطق متفرقة من هذا العالم يسألون بشكل مختلف تماما عما قد تظن.

  

أطفال على حافة الموت

"كمقياس لسوء التغذية، نظرنا في الأمر الخاص بتقزّم الأطفال"، يقول ماثيو كوبر في تصريح لـ "ميدان"، وهو باحث بالمعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية، والذي قاد مؤخرا دراسة (1) تبحث العلاقة بين تصاعد درجات الجفاف، كأحد منتجات التغير المناخي، وتعرّض الأطفال للإصابة بالتقزّم أو اضطراب نقص النمو، وهو تناقص معدلات نمو الطفل الجسدي بسبب سوء التغذية والإصابة المتكررة بالأمراض وعدم الحصول على القدر الكافي من اللعب والتفاعل مع العالم الخارجي.

 

يبدأ التقزّم أثناء الحمل، حينما تتعرض الأم للكثير من الأمراض مع سوء التغذية، ويعرض التقزّم الطفل لمخاطر الوفاة أو الإصابة المستقبلية بأمراض متنوعة بداية من السكّري والأمراض القلبية الوعائية، مرورا بالتأخر العقلي، ثم وصولا إلى بعض أنواع السرطان، وفي كل الأحوال فإن سوء التغذية في الطفولة يترك الشخص في أسوأ حالاته طوال عمره. في العام 2012 كان عدد المصابين بالتقزّم هو 162 مليون طفل، وعدد الوفيات بسببه هو نحو 7 ملايين طفل.

    

   

ويحاول كوبر ورفاقه، في الدراسة التي نُشرت قبل أيام قليلة في الدورية واسعة الشهرة "منشورات الأكاديمية الوطنية للعلوم" (PNAS)، والتي بنت نفسها على ملاحظات من نحو 600 ألف طفل، أن يرسم خريطة توضح أكثر الأماكن في العالم التي يكون الأطفال بها أكثر تعرضا للإصابة بالتقزّم، بسبب انتشار موجات الجفاف بمعدلات غير مسبوقة خلال العقود القليلة الفائتة، ليجد وفريقه أن القائمة تتضمن كلًّا من اليمن، والسودان، وجنوب السودان، إلى جانب الصومال وتشاد وإريتريا. في تلك المجموعة من الدول، فإن الأطفال أكثر تعرضا للإصابة بالتقزّم من أي دولة أخرى على سطح الكوكب.

 

يقول كوبر في حديثه مع "ميدان": "لقد وجدنا أن هناك عددا من العوامل التي يمكن أن تجعل الأطفال قادرين على مواجهة الجفاف، مثل الحكم الرشيد، وتنوع المحاصيل المتنوعة تغذويا، ووجود مستويات أعلى من الموارد للفرد الواحد، والإنتاج الكلي للمحاصيل، والري"، هذه العوامل تتوفر في الكثير من الدول التي تواجه مشكلات مع الجفاف، لكن حينما تتعرض بعض المناطق لأزمات اقتصادية أو اضطرابات سياسية فإن الجفاف يدخل لأرض المعركة ويؤثر بقسوة على الأطفال، يضيف كوبر: "من خلال تقييم كل هذه العوامل من الناحية الكمية، تمكّنّا من تحديد هذه الأماكن الأكثر تعرضا للخطر".

 

العبء ثقيل بشكل خاص في قارة أفريقيا وأجزاء من جنوب آسيا، حيث ينتشر الصراع وتصاب الأنظمة شيئا فشيئا بالهشاشة السياسية بالتزامن مع الجفاف، ما يؤدي إلى المزيد من الصراع، يؤثر ذلك بشكل أكثر خصوصية في أطفال المجتمعات النامية، حيث يعتمد جزء كبير من السكان على الزراعة، وبسبب كل تلك العوامل فإن واحدا على الأقل من كل ثلاثة أطفال يصابون بالتقزّم في هذه الأجزاء من العالم النامي، وما يقرب من نصف الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة تحدث في العموم بسبب سوء التغذية. 

  

في الواقع، فإن الأمر يؤثر على الأطفال بشكل مباشر بحيث يمكن أن تكون منطقة ما متكيفة تماما مع الجفاف لكن أطفالها يعانون، وذلك لأن الأطفال -على الأقل خلال الأيام الـ 1000 الأولى من لحظة الحمل- في حاجة ماسة إلى انتظام الطعام من أجل الحصول على البروتينات والدهون والسعرات الحرارية الكافية لنموهم بشكل طبيعي، أما الكبار -بحد تعبير كوبر في حديثه مع "ميدان"- فيمكن لهم التعامل مع ظروف أكثر قسوة، ومع ضغط الجفاف تضطرب الأمور النشاطات الاقتصادية ما يدفع العائلات بشكل جزئي للانشغال بالكثير من المشكلات ويؤدي ذلك إلى إهمال الأطفال.

   

الأطفال في السودان واليمن وتشاد والصومال وإريتريا هم الأكثر تعرّضا لأزمات التغير المناخي في العالم (مواقع التواصل)

    

يقول كوبر في حديثه مع "ميدان": "ليس من الضروري أن يكون الجفاف مدمرا أو مجاعة كاملة"، مضيفا أن تلك نقطة مهمة يخطئ فيها الكثيرون، "فحتى التغييرات الطفيفة في هطول الأمطار يمكن أن تعني كمية أقل من الأغذية المنتجة، ويعني ذلك أنه سيكون هناك عدد أكبر من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية"، إن هذا الرابط الإحصائي واضح حتّى في أبسط التغيرات، وهو يضع كل طفل كنقطة صغيرة جدا على شكل بياني ضخم يتأرجح بين نقطتين، الأولى منهما تُمثّل الوضع القريب من الطبيعي والثانية تُمثّل مشكلة طبية.

 

جُرح العالم المنسي

في الواقع، فإن المشكلة الرئيسية التي نواجهها حينما نتحدث عن تأثيرات التغيرات المناخية على دول كالسودان واليمن وتشاد والصومال هي أننا نتصور أن التغير المناخي يعني ارتفاع درجة أو اثنتين في معدلات الطقس فتصبح الـ35 درجة مئوية 37 درجة مئوية، وهذا أمر يمكن تحمّله، لكن المشكلة أن التغير المناخي يعني ما هو أكثر من ذلك، فمع كل زيادة في متوسطات درجات الحرارة ترتفع حالات الشذوذ المناخي، كالموجات الحارة والباردة والعواصف الرملية والترابية والجفاف والفيضانات، في التردد والشدة.

 

يقول كوبر في حديثه مع "ميدان": "من المؤكد أن تغير المناخ سيجعل التقزّم أكثر انتشارا في المناطق المعرضة للخطر مع الزمن"، مضيفا أن ذلك سيحدث بسبب زيادة تردد موجات الجفاف، وكانت دراسة صدرت قبل عدة أعوام في دورية "نيتشر" قد أوضحت أن هناك ارتباطا وثيقا بين تزايد معدلات التغير المناخي العالمية، بسبب النشاط البشري، وتزايد الجفاف، حيث كانت تلك الدراسة قد فحصت حلقات جذوع الأشجار لدراسة تأثير الجفاف عليها وصولا إلى 120 سنة مضت.

  

  

لفهم كيفية حدوث ذلك يمكن أن نبدأ من دورة المياه على سطح الأرض، تلك التي تعلمناها في المرحلة الابتدائية، حيث تتبخر المياه ثم تسافر مع السحب ثم تسقط مرة أخرى، لكن مع احترار المناخ العالمي تتبخر كمّيات أكبر من المياه، وبجانب ذلك تزداد قدرة الهواء على الاحتفاظ بتلك المياه، يمكن للهواء عموما الاحتفاظ بما قيمته نحو 7% رطوبة أكثر لكل درجة مئوية من ارتفاع درجة الحرارة، وبذلك فإنه حينما يكون الكوكب أكثر احترارا بمقدار 4 درجات مئوية، مقارنة بعصر ما قبل الثورة الصناعية، وهو رقم متوقع، فستتضاعف قدرة الهواء بمقدار 28٪ على احتمال بخار الماء.

 

ويظهر ذلك الأثر بصورة متنوعة للغاية، بمعنى أنه يعيد تشكيل توزيعات المطر في كل الكوكب تقريبا، فتتناقص معدلات هطول الأمطار في بعض المناطق، ومع ارتفاع درجات الحرارة تفقد التربة الكثير من الرطوبة الإضافية عبر التبخر، ما يعزز من تأثير شدة الجفاف ويطيل من مدة بقائه، وفي المنطقة بين المدارين، الجدي والسرطان، حيث تتلقى البشرية أقوى ضربات التغير المناخي، لا يمكن أن نتوقّع، في ظل عدم وجود حلول واضحة، أي تحسّن ممكن في تلك المناطق.

 

يقول كوبر في حديثه مع "ميدان": "من المعترف به الآن على نطاق واسع أن تغير المناخ يُشكّل تهديدا للأمن الغذائي والتغذية على مستوى العالم"، مضيفا أن هذا الاضطراب المناخي سيؤثر بدوره على إنتاج الأغذية والبنية التحتية الحيوية لتوزيع الأغذية بين المواطنين في بعض الدول، ما يترك بدوره أثرا أكثر وضوحا في الأمر الخاص بتغذية الأطفال، ولهذا السبب حددت كلٌّ من منظمة الصحة العالمية واللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) نقص التغذية كأحد الآثار الصحية الرئيسة المتوقعة لتغير المناخ.

     

الأطفال في البلدان الفقيرة، الذين لم يساهموا في مشكلة تغير المناخ بأنفسهم، يعانون من التغير المناخي، وهذا غير عادل

رويترز
  

ويقع الوطن العربي في منطقة من العالم حيث يؤثر التغير المناخي بأقصى درجاته، رغم أننا لا ننفث إلى الغلاف الجوي إلا فقط 5% من الغازات الدفيئة، يؤثر ذلك في كل شيء يمكن أن تتصوره، بداية من أسعار الطعام ومرورا بالاضطرابات الاجتماعية ثم وصولا إلى الاضطرابات السياسية، وكانت بعض الأعمال البحثية قد أشارت إلى أن الأوضاع المضطربة في سوريا كانت ذات علاقة، هناك جدل حول نسبة تدخّلها، بين الجفاف والحرب الدائرة هناك.

 

نقطة على رسم بياني

يقول كوبر في حديثه مع "ميدان": "الأطفال في البلدان الفقيرة، الذين لم يساهموا في مشكلة تغير المناخ بأنفسهم، يعانون من التغير المناخي، وهذا غير عادل"، موضحا أن هذا النوع من المشكلات يمكن حله، حيث يرتبط انتشار التقزّم في الأطفال، أكثر ما تتعلق، في الدول المعرضة للخطر كالسودان واليمن، بأمرين يمكن العمل عليهما، وهما تنويع الحاصلات الزراعية، والاهتمام بضبط العمل في الإدارات الحكومية، يُمكّن ذلك الفئات الهشة في العموم، والأطفال في الخصوص، من مقاومة آثار الجفاف بدرجة أفضل. 

 

لكن المشكلة الرئيسة هي أن آثار التغير المناخي أقرب ما يكون لدوّامة ضخمة، ما إن يضربك الجفاف حتى يضطرب الاقتصاد، يشغل ذلك الدولة، التي تعاني اقتصاديا من الأساس، ويضعها في حالة من الاضطراب السياسي، فتتراكم المشكلات، ومع ازدياد آثار التغير المناخي تُنهك الدولة فتنخفض قدراتها الإدارية وتصبح أكثر هشاشة من ذي قبل، هنا تنزلق أقدامها في مشكلات أكثر عمقا، وتستمر تلك الدوّامة في التطور حتّى إنه يمكن أن نصل إلى حروب طائفية أو اضطرابات سياسية واسعة، ولهذا السبب لا بد من التدخل.

  

  

يقول كوبر في حديثه مع "ميدان": "يتعين على البلدان الغنية التي تنتج اقتصاداتها الغالبية العظمى من تلوث الكربون الذي يسبب تغير المناخ أن تحول مصادر الطاقة لديها إلى كربون محايد، وعليها أن تفعل هذا في أسرع وقت ممكن"، مضيفا أنه كلما تأخر العالم في تغيير شكل الاقتصاد، فسيكون تغير المناخ أسوأ، ويعني ذلك ارتفاع أعداد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية وحتى الموت، وبحد تعبير كوبر: "ليس من قبيل المبالغة القول إن هناك أرواحا على المحك".

 

هل يمكن أن نعيش في عالم قادر على مواجهة التغير المناخي؟ هذا سؤال مهم، لأن التغيرات المناخية دخلت في مرحلة قد تكون دائمة لفترة طويلة، وحتّى مع توصلنا لحلول جذرية فإن آثار تلك الحلول قد لا تظهر سوى بعد نصف قرن إلى قرن كامل، ما يعني أنه لا بد أن يكون هناك نوع من التعاون الملتزم، بحد تعبير كوبر في نهاية حديثه مع "ميدان"، لأجل أن يمضي العالم في خضم تلك المشكلات الهائلة.

 

لكن الأكثر دعوة للتأمل، في كل تلك الفوضى، هو أن هذا الطفل السوداني أو اليمني أو الصومالي أو التشادي أو الإريتري لا يعرف شيئا، لا يفهم جيدا كيف أن كل قطرة لبن يرتشفها من ثدي والدته، وكل حبة أرز أو بطاطس مهروسة أو جزر مسلوق يأكلها بنهم في عامه الأول أو الثاني، تتأثر بقرارات سياسية لأناس لا يعرف عنهم شيئا، وهم -بدورهم- لا يرونه، تتأثر تماما بحيث يتأرجح هذا الطفل، بينما يلعب بقطعة خشب صغيرة هنا أو هناك، على الحد الفاصل بين الحياة والموت، وفي الجهة المقابلة فإنه مجرد رقم في دفتر، شظية صغيرة في شكل بياني، أو ربما لا شيء على الإطلاق!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار