انضم إلينا
اغلاق
"على أعتاب سيدني".. كيف تصنع حرائق الغابات الأسترالية مستقبلنا هنا؟

"على أعتاب سيدني".. كيف تصنع حرائق الغابات الأسترالية مستقبلنا هنا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

خلال أسبوع واحد من تغريدة على تويتر لإيلين رايلي، الفتاة التي قدّمت مساحة صغيرة من منزلها لإيواء الحيوانات الهاربة من الحرائق الغابات في أستراليا، اشتعلت أجواء التواصل الاجتماعي(1) الأسترالي بعروض مشابهة، وحتّى لحظة كتابة هذا الكلام تم توفير أكثر من ثلاثة آلاف ملجأ للحيوانات في أنحاء أستراليا، ظهرت كذلك عروض سخية كثيرة من مواطنين أستراليين لاستضافة هؤلاء الذين اشتعلت منازلهم، لكن على الرغم من كل ذلك، فإن رايلي ورفاقها الطيبين لم يعرفوا أن الضربة هذه المرة أقوى من كل مرة سابقة.

  

الكوالا ضد الجحيم

حسنا، دعنا نبدأ من حرائق الأمازون التي تسبّبت في حالة جدل عالمي واسع قبل عدة أشهر، خاصة حينما قررت وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) عرض صور لها من الفضاء، في تلك الصور يمكن أن تلاحظ أعمدة الدخان الواضحة خارجة بوضوح كأطراف خيط طويل من الغابات المطيرة التي تُسمى "رئة العالم"، في تلك الأثناء انتشرت تلك الحرائق في نطاق مقداره 2.2 مليون فدان كامل، هل تعرف كم فدانا احتلته حرائق أستراليا إلى الآن؟

      

     

12 مليون فدان تقريبا! حتى لحظة كتابة هذه الكلمات(2)، ونقول ذلك لأن موسم حرائق الغابات الأسترالي ما زال في بدايته، وهو يبدأ من ديسمبر/كانون الأول وقد يصل إلى مارس/آذار، ما يعني أن مقدار المحترق في الأسابيع الأولى من نشوب تلك الحرائق قد تخطّى بالفعل كل الحواجز الحمراء المعتادة في حوادث كتلك. في الواقع، فإن بدايات موسم الحرائق في أستراليا هذا العام قد بلغت بالفعل مستوى لم تصل إليه منذ خمسين عاما، خلال السنوات الفائتة كانت تحدث في أقل من مليون فدان سنويا.

  

ليس هذا فقط ما يدعو للخطر، لكن المشكلة الأكبر هي أن الحرائق ظهرت في كل مكان في الوقت نفسه، عادة ما يبدأ موسم الحرائق في أستراليا في منطقة ما ثم ينتقل إلى أخرى، ثم إلى أخرى، وهكذا. يساعد ذلك البلاد للاستعداد وتوزيع المصادر بصورة أكثر كفاءة للقضاء على الحرائق، أما حينما تظهر الحرائق في كل مكان فإن ذلك يُثقل على موارد الدولة ويمنعها من التصرف بفاعلية خلال موسم الحرائق، وهذا هو ما يحدث في الحالة التي تشهدها أستراليا الآن.

  

بجانب ذلك، فإن الحرائق قد أثّرت بشكل قوي على النظام البيئي الأسترالي، غالبا قد رأيت على وسائل التواصل الاجتماعي صورا مؤلمة، المتأثر من الحيوانات بتلك الحرائق -إلى الآن- هو نحو نصف مليار(3) كائن حي، نعم إنها كما قرأت، النار لا تقتل فقط بشكل فوري، ولكنها تقتل ببطء أيضا، خاصة الفئات من الكائنات الحية والتي لا تتمكّن بسهولة من الانتقال إلى مكان آخر بعد الحرائق، فتضطر للبقاء في بيئة جدباء لفترات طويلة وتموت مع الوقت، هذا النوع من إعادة الهيكلة البيئية يُسرِّع معدلات الانقراض.

    

أحد الحيوانات المتضررة من الحرائق (رويترز)

   

هنا ربما يبرز السؤال الذي يشغل بال "الإنترنت": هل كل تلك الكوارث في أستراليا لها علاقة بالتغيُّر المناخي؟ حسنا، لا توجد إجابات مؤكدة بالطبع، حيث لا يمكن لنا إيجاد صورة مباشرة لرابط كهذا، لكن دعنا نعدد مجموعة مهمة من النقاط التي تؤيّد تلك الفرضية، أول شيء هو -لا شك- موجة الحر الشديد التي تعرّضت لها أستراليا خلال أول يناير/كانون الثاني (هذه الأيام تشهد دول جنوب العالم الصيف لا الشتاء).

  

عالم يشتعل

في الواقع، قد تكون تلك هي الموجة الأعنف(4) على الإطلاق في تاريخ القياس بالنسبة لأستراليا، حيث تجاوزت درجات الحرارة في معظم البلاد حاجز الأربعين مئوية، وبنظرة سريعة على متوسطات درجات الحرارة في الأراضي الأسترالية خلال السنوات الماضية ستجد أن العقد الأخير كان الأكثر حرارة، ومع الحرارة يأتي الجفاف، ومع الجفاف هناك فرصة أكبر لاشتعال وانتشار الحرائق، لفهم العلاقة بين الجفاف والحرائق يمكن أن نبدأ من شجرة مفردة.

  

     

مع الجفاف تُخزِّن الشجرة كمية أقل من الماء، وتنمو ببطء وتُطلِق كمًّا أقل من بخار الماء إلى الجو، يؤدي ذلك إلى المزيد من تساقط الأوراق الجافة الخاصة بها وموت الشجرة نفسها سريعا، ما يُوفِّر بيئة مناسبة لانتشار الحرائق، خاصة أن الحرائق تنتشر بصورة أكبر في غياب بخار الماء الموجود في الجو المحيط بها، والذي يعمل بالأساس على إخمادها حال بدأت، لهذا السبب -وبإدخال معايير تتضمّن أن آثار التغيُّر المناخي تتزايد بصورة غير مسبوقة- فإن هناك توقعات أن ترتفع معدلات حرائق الغابات خلال العقود القادمة، ألا ترى ذلك يحدث الآن؟ لنتأمل معا أكبر حريقين خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

  

طبقا لورقة بحثية(5) صدرت قبل عام واحد بالدورية واسعة الشهرة "نيتشر"، فإن حرائق الغابات المطيرة في الأمازون -على سبيل المثال- ليست حدثا طبيعيا ولكنها اتحاد بين عُنصرين، الأول هو الجفاف الشديد، والذي يتزايد يوما بعد يوم بسبب التغيُّر المناخي، والثاني هو الأنشطة البشرية التي تؤثِّر بالسلب على طبيعة تلك الغابات.

  

الآن دعنا نتأمل حرائق غابات كاليفورنيا(6) في العام 2018، لقد كانت الأسوأ بفارق واضح، وإذا تأملت الأمر قليلا فستجد أنه منذ الثمانينيات من القرن الفائت اتّجه حجم الحرائق وشدّتها التي تجتاح الولاية الأميركية إلى الأعلى بلا توقف، خمسة عشر من أكبر عشرين حريقا في تاريخ كاليفورنيا حدث منذ عام 2000. ومنذ سبعينيات القرن العشرين ازدادت مساحة المنطقة المحروقة في الولاية خمسة أضعاف، في مقابل ذلك ارتفعت متوسطات درجة الحرارة في الولاية نفسها خلال الفترة نفسها. لكن ربما تسأل الآن: ما علاقة ذلك كله بنا هنا في الوطن العربي؟ إنها مشكلة أستراليا وليست مشكلتنا، أليس كذلك؟

   

  

في الواقع، فإن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك، لكن دعنا نبدأ بالأسباب غير المباشرة، والتي تقول ببساطة إن المنظومة البيئية العالمية هي شبكة واحدة. لفهم الفكرة، تخيَّل الأمر كشبكة ضخمة مربوطة بعناية شديدة، يوجد نوع من الكائنات الحية عند كل عقدة في تلك الشبكة، إذا كانت الشبكة صغيرة وانقطعت إحدى العُقَد الخاصة بها فإن ذلك يؤثر بقوة على الشبكة كلها، أما إذا كانت كبيرة وبها ملايين العُقَد فإن ذلك يعطيها درجة كبيرة من القوة والمرونة، هكذا هي الحياة، شبكة مترابطة.

  

حشرة في غابات الأمازون، حيوان ثديي لا تعرف اسمه يتمشى بين حشائش السافانا في منطقة ما في قارة أفريقيا، شجرة في سهول سيبيريا الباردة، كل ذلك يرتبط بك، يؤثر فيك ويتأثر بك، والأهم من ذلك كله أن حياة كلٍّ منكما مرهونة بحياة الآخر، لذلك فإن تلك الكائنات التي تموت في أستراليا الآن، أو الأمازون أو أي مكان آخر في العالم، ترتبط بحياتك هنا، تحميك من التغيرات الوعرة التي تطول الحياة على هذا الكوكب من حين لآخر، خاصة أننا نشهد ارتفاعا لمعدلات انقراض الكائنات الحية بمعدلات عالمية تُنبئ بكارثة.

  

كل شيء مرتبط

لكن بعيدا عن تلك الأسباب غير المباشرة، يمكن لنا أن نتأمل ارتفاع معدلات الحرائق في الغابات حول العالم كمظهر لما يمكن أن يتسبّب به التغيُّر المناخي، فهو -كما نكرّر دائما- لا يعني فقط أن تكون درجة الحرارة 36 فتصبح 37.5 في الصيف، لفهم الأمر دعنا نسافر إلى بلادنا، في سبتمبر/أيلول من العام 2015 ضربت عاصفة رملية شديدة منطقة الشرق الأوسط وصفها الجميع بأنها استثنائية، تسبّبت العاصفة بحالات وفاة وإيقاف الحياة العامة في تلك الدول.

    

حرائق أستراليا تُرى من الفضاء، ناسا (مواقع التواصل)

   

في تلك الأثناء، عكف فريق بحثي من جامعة برينستون(7) على دراستها، لتكشف النتائج أن التغيُّر المناخي، مع عوامل أخرى، كان سببا رئيسيا في تلك المفاجأة المناخية القاسية، فحالات الجفاف التي شملت مناطق عدة في الوطن العربي، خاصة أن صيف هذا العام كان حارا بصورة غير مسبوقة، رفع من كمية الغبار المتاحة ما جعل من المرجح أن يُطرد إلى الغلاف الجوي بكميات أكبر من المعتاد.

   

مع احترار الكوكب، واستمرار مستويات الجفاف في التزايد، ومع الموجات الحارة، ضمن عوامل أخرى حسّاسة استثارها التغيُّر المناخي، يتوقّع الباحثون في هذا المجال أن يرتفع تردّد العواصف الرملية وتزداد شدّتها في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما حدث بالفعل خلال السنوات الـ 15 السابقة. تلك إذن هي الفكرة، التغيُّر المناخي يرفع من معدلات حالات الشذوذ المناخي، وما حدث كحرائق هناك هو وجه العُملة الآخر لأعاصيرنا الرملية والترابية، وموجاتنا الحارة كذلك.

     

  

قبل عدة أشهر، بحسب دراسة(8) صدرت بدورية "جيوفيزيكال ريفيو ليترز"، أعلن باحثون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أنه بسبب تغيُّر المناخ يمكن أن ترتفع درجات الحرارة والرطوبة في المملكة العربية السعودية إلى حدّ أن يواجه الناس أخطارا شديدة في أثناء أداء مناسك الحج، ويعتقد باحثو الدراسة أن المشكلات الأكثر خطورة ستظهر في الفترة من 2047 إلى 2052.

   

من جهة أخرى، فإن هذا الجفاف الذي يضرب منطقتنا كما يضرب أستراليا يتسبّب فيما هو أعمق من ذلك، فمع الاضطراب السياسي يمكن للمسات المناخ -مهما كانت طفيفة- أن تُمثِّل القشة التي قصمت ظهر البعير، فتظهر الحروب بين الدول وداخلها، وترتفع وتيرة الاضطرابات السياسية، ولا حاجة لنا إلى الاستمرار في الحديث عن تلك النقطة فقد أشرنا إليها من قبل في تقرير يضرب مثالا جادا عن العلاقة بين مشكلات الجفاف والاضطرابات السياسية في الوطن العربي بعنوان(9): "حروب المياه: هل أصبح الوطن العربي غير كافٍ لسكانه؟".

     

   

يموت حيوان كوالا مسكين على أعتاب سيدني، ترتفع الحرارة فيسقط أحد عُمّال البناء مغشيا عليه في إحدى القرى المصرية الفقيرة، يهرب مجموعة من المراهقين العراقيين من القرية لمدينة البصرة لأن الجفاف حلّ على الأنهار فتضطرب حياتهم ويقعون في مصيدة الفقر، يموت رجل سبعيني العمر في نيو ثاوس ويلز مختنقا بسبب الدخان الشديد، يبيع الناس في ولاية كاليفورنيا مساكنهم بأسعار أقل لأن مستوى الماء يرتفع، يشتري الناس في مدينة راجشاهي البنغلاديشية الطعام بسعر أكبر من المعتاد لأن المناخ يؤثر على كمّ الإنتاج الزراعي. كل شيء مرتبط، ما يؤثر هناك يؤثر هنا ولكن بصورة مختلفة، كلنا -نحن البشر- نواجه شيئا جديدا تماما، كلنا إيلين رايلي التي تحاول إنقاذ الحياة بمبادرة لطيفة. لكن هل نقدر على ذلك، أم أن ما نواجهه هو شيء لا قِبَل لنا به؟!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار