انضم إلينا
اغلاق
ثلاثة يمنيين يطالبون بالمريخ.. مَن يمتلك الفضاء الخارجي؟!

ثلاثة يمنيين يطالبون بالمريخ.. مَن يمتلك الفضاء الخارجي؟!

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

في التسعينيات من القرن الفائت، كان أحد أشهر الأخبار لفتا للانتباه قادما من اليمن(1)، إذ قام ثلاثة يمنيين، وهم آدم إسماعيل، ومصطفى خليل، وعبد الله العمري، بمقاضاة وكالة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا) لأنها سمحت بوضع إحدى مركباتها على كوكب المريخ دون إذن مكتوب منهم، بصفتهم مُلّاك المريخ الحقيقيين، وذلك لأنهم ورثوه عن أجدادهم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، ورغم أن القضية لم تمكث كثيرا في المحكمة، وتنازل ثلاثتهم عنها بعد فترة، فإن العرب ليسوا أول مَن ادّعى ملكية في الفضاء الخارجي.

  

عقد ملكية على زحل

على سبيل المثال، كان الألماني(2) "مارتن يورجنز" قد ادّعى أن القمر ملك لعائلته منذ 15 يوليو/تموز 1756، عندما قدّمه الملك البروسي فريدريك الكبير إلى جدوده تعبيرا عن الامتنان للخدمات التي قدّمتها العائلة للقصر، أما رجل الأعمال الأميركي دينيس هوب(3)، فقد بدأ قبل نحو العقدين من الآن في بيع العقارات خارج كوكب الأرض، وزعمت شركته أنها باعت أكثر من 2.5 مليون فدان في مناطق متفرّقة من المجموعة الشمسية بسعر 20 دولارا للفدان الواحد.

 

من جهة أخرى، فإن أشهر تلك الادّعاءات كانت حينما هبطت المركبة "نير شوميكر" الأميركية على الكويكب "433 إيروس" في العام 2001، حيث تلقّت وكالة الفضاء والطيران الأميركية خطابا مكتوبا من شركة(4) "أوربيتال ديفيلوبمنت" يطلب إليهم دفع 20 دولارا كفاتورة رَكن، فالكويكب -بحد تعبير مالك الشركة جريجوري نمتز- تابع لملكية الشركة، مع تحذير ضد الاستخدام السيئ لسطح الكويكب، كان ذلك بالطبع مدعاة للسخرية في تلك الفترة، لكن دعنا الآن نتعمّق في الأمر قليلا، فهو ليس بالتفاهة الظاهرة.    

  

رسم تخيلي لهبوط المركبة "نير شوميكر" الأميركية على الكويكب "433 إيروس" في العام 2001 (ناسا)

     

لنبدأ مثلا مع كويكب السيد "نيمتز"، مع دراسة متفحّصة لهذا الكويكب(5)، وجدت المركبة "نير شوميكر" أنه يحوي ما يمكن تقديره بـ 20 مليار طن من الألومنيوم، وكميات مماثلة تقريبا من المعادن النادرة على الأرض، مثل الذهب والبلاتين، هل تُدرك كم من المال يساوي ذلك؟ سعر الكيلوغرام الواحد من البلاتين اليوم هو نحو 33 ألف دولار، وتُشير التقديرات إلى أن كويكب بعرض ثلاثين مترا فقط قد يحوي من البلاتينيوم ما قيمته 30 مليار دولار، أما كويكب بعرض خمسمئة متر فقد يحتوي على نصف احتياطي العالم من البلاتينيوم.

   

نحن الآن نعرف أن هناك المليارات من الكويكبات تدور بين المريخ والمشتري، يُتوقَّع أن يكون مليون منها بقُطر أكبر من 1 كيلومتر، كذلك فإن الكويكبات أيضا منتشرة -بدرجة أقل- بين الكواكب الأربعة الصخرية. من ناحية اقتصادية، فإن معظم تلك الكويكبات ذات قيمة كبيرة، الكويكبات(6) من النوع "C" على سبيل المثال تُمثِّل ثلاثة أرباع الكويكبات، وتتكوّن من الكربون بشكل رئيسي مع مجموعة أخرى من العناصر والماء، لكن الكويكبات من النوع "S" أكثر لفتا للانتباه، إذ تحتوي بشكل رئيسي على السيليكون وعدد أكبر من العناصر المهمة كالحديد والنيكل، أما الكويكبات من النوع "M" فهي أنوية كويكبات أضخم تحطّمت قديما وتحوي عناصر عالية القيمة بشكل أكبر.

    

كنوز منسية

مقارنة بالعدد الكلّي للكويكبات، فإن الكثير منها -نسبيا- قد يحوي كميات كبيرة من عناصر مهمة مثل الذهب أو الفضة أو البلاتين، بجانب(7) "مجموعة المعادن البلاتينية" والتي تدخل كأساسات صناعية مهمة، مثل البلاديوم والروبيديوم والإيريديوم، إلى جانب ذلك تحتوي الكويكبات على كميات هائلة نسبية مما نسميه بـ "العناصر الأرضية النادرة"(8)، وهي مجموعة من سبعة عشر عنصرا كيميائيا في الجدول الدوري، تحديدا السكانديوم، الإتريوم، واللانثانيدات، تدخل تلك العناصر التي تحدّثنا عنها في صناعة كل شيء تقريبا، بداية من البطاريات والإلكترونيات وصولا إلى تكرير البترول وإنتاج الطاقة.

       

     

من جهة أخرى، فإن الكويكبات ليست وحدها مصدر الموارد، تأمل معي ذلك الجرم المنير هناك في سماء الليل، حينما وصل "باز ألدرين" إلى القمر، وكان ثاني رجل هبط على سطحه، قال إن ما رآه هو(9) "خراب رائع"، ويعني أنه رأى "لا شيء"، أرض ممتدة قاحلة، بلا ماء أو هواء أو أي مصادر تُذكر، لكن ألدرين كان خاطئا.

  

على سبيل المثال، بجانب احتواء الأملاح المعدنية على سطح القمر على كمٍّ هائل من الأكسجين والسيليكون والماء المثلج، فإن هناك تطلُّعات لإمكانية استخراج أحد نظائر الهيليوم(10) (الهيليوم 3) من القمر، تحوي الأرض من هذه المادة عدة كيلوغرامات فقط، أما تربة القمر فيُعتقد أنها تحتوي على مليون طن منها بسبب التفاعل المباشر مع أشعة الشمس عبر ملايين السنين، يمكن أن يساعد "الهيليوم 3" في تطوير صور أكثر أمنا، وأرخص بفارق واسع، من التفاعلات النووية، وبالتالي توفير قدر هائل من الطاقة سنويا.

    

أضف إلى ذلك أن المريخ مثلا يحوي كمًّا هائلا من الماء، أما لو قررنا الابتعاد قليلا إلى ما وراء حزام كايبر فنحن نتحدث عن كميات هائلة من أشياء كالمنتجات العضوية (الوقود)، والماس الناتج بفعل القوة الضاغطة الهائلة للكواكب الأكثر ضخامة، لكن في تلك النقطة تحديدا لا بد أنك تسأل عن كيفية جلب ذلك كله إلى الأرض، هل يمكن أن تكون التكلفة الخاصة بالحفر والنقل أكبر من قيمة تلك الأشياء؟

  

الذين عدّنوا الفضاء

بالنسبة للكويكبات، تلك التي تمر بالقرب من الأرض كبداية، يرى بعض العلماء أنه يمكن لنا جذب تلك الكويكبات الثمينة لمحيط الأرض ثم استخراج المعادن القيمة منها ونقلها نزولا إلى الأرض، للوهلة الأولى تبدو تلك الفكرة خيالية، لكننا بالفعل نتقدّم يوما بعد يوم في تطوير تقنيات قادرة على الهبوط بسلام على، والتحكم في، الكويكبات التي تدور بعيدا عنا. أما بالنسبة لبعض المعادن، مثل الحديد والنيكل، فقد تتخطى عملية استخراجها قيمتها على الأرض، لكن الفكرة هنا ليست فقط في جلب الأشياء إلى الأرض، بل إرسال الآلات لاستخراج تلك المعادن ثم استخدامها -بشكل مبرمج آليا- لبناء ماكينات أخرى في الفضاء، من أجل رحلات طويلة إلى عوالم المجموعة الشمسية البعيدة، أو من أجل إقامة محطات بشرية دائمة هناك.

     

يتوقع بعض الباحثين من ناسا أنه يمكن مستقبلا جذب الكويكبات لمدار الأرض (مواقع التواصل)

       

للوهلة الأولى تبدو تلك مجرد شطحات فكرية، لكن على الرغم من وجود الكثير من الانتقادات العلمية الموجهة لها فإنها ليست مجرد شطحات حاليا، يمكن مثلا أن تتأمل النشاط المتسارع لشركات(11) جديدة مثل "دييب سبيس إنداستريز" أو "بلانيتاري ريسورسز"، وهي ممولة بشكل رئيسي من دولة لوكسمبورغ، أما وكالة ناسا فقد بدأت بالفعل استثمارات ضخمة في نطاق "تعدين الكويكبات"، بفرض أنها أقرب المشروعات للتحقق في هذا النطاق، فهناك كويكبات كثيرة تمر سنويا على مسافة قريبة من الأرض.

  

من جهة أخرى، فإن التكنولوجيا الخاصة بالبحث عن، واستخراج، تلك الموارد الثمينة قد بدأت بالفعل، يمكن مثلا أن تتأمل التجارب(12) التي بدأتها وكالتا الفضاء الأوروبية والأميركية في منطقة ماونا كيا بهاوي، الأكثر شبها بتربة القمر، لأجل استخراج الإلمنيت (خام الحديد التيتاني) من التربة القمرية ثم استخدامه عبر عمليات كيميائية لإنتاج الماء، ثم فصل الأكسجين من الماء، ويمكن عبر إرسال عدة وحدات شبيهة إلى القمر أن تقوم تلك الوكالات بتوفير الأكسجين لمحطات قمرية مستقبلية.

  

أما إذا تأملت خطاب دونالد ترامب(13)، الرئيس الأميركي، عن العودة للقمر قبل عامين فستلاحظ أنه قد أشار بوضوح إلى أن الزيارة الأميركية القادمة للقمر لن تكون استكشافية فقط، بل ستهدف إلى "حصاد الموارد القمرية" أيضا، في بادرة لإنشاء محطة قمرية تكون نقطة الانطلاق للمريخ يوما ما، أما الجمعية الجيولوجية الأميركية فقد وضعت اهتماما بالأمر وأعلنت أن مهامها تتخطّى حاجز الموارد الأرضية إلى ما يمكن أن يكون مفيدا من الفضاء أيضا، وأن على الحكومة العمل على تنظيم هذا التوجُّه.

   

مَن يمتلك القمر؟

  

لكن بالحديث عن دور الحكومات، لا بد أن هناك سؤالا مُلِحًّا يطرح نفسه الآن على طاولة النقاش: مَن يمتلك الفضاء؟ لفهم تلك النقطة تخيّل أنك صاحب فكرة لشركة جديدة تستخدم طرقا غاية في الذكاء لحصاد الموارد القمرية الثمينة، الآن لا بد أنك تبحث عن مستثمر ليقوم بتمويل مشروعك، لكن حينما يسألك الممول: "حسنا، أود فعلا أن أشارك في استثمار كهذا، لكن ما الموقف القانوني لتلك العمليات التي سوف نجريها؟"، هل تمتلك إجابة دقيقة عن سؤاله؟

  

ليس بالضبط. في الواقع، فإن الأمور ضبابية للغاية في هذا الشأن، فبحسب اتفاقية(14) الفضاء الخارجي 1967 فإن الفضاء الخارجي ومكوناته ليس ملكا لأحد بعينه، بل هو ملك للبشرية جميعا، ومن هنا صدرت قاعدة أخرى، هي الهدف الأساسي لتلك الاتفاقية، تقول إنه من غير المسموح أن تستخدم جهة ما الفضاء الخارجي لأغراض غير سلمية، ويعني ذلك أن تُطلق صاروخا ليقف أعلى الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتي ثم يُلقي بحمولة نووية ما.

      

تصور لمركبة "ميني بي" والتي تُمثِّل المرحلة الثالثة من خطة ناسا لتعدين الفضاء (مواقع التواصل الاجتماعي)

       

بعد ذلك بعشر سنوات تقريبا، جاءت(15) "اتفاقية القمر" والتي أكّدت ما سبق مع مجموعة من البنود الإضافية، لكن المشكلة هي أن اصطلاحات مثل "ملك للبشرية جمعاء" مثيرة للجدل، بمعنى أن شركة سياحة تود الانطلاق بمجموعة من الأميركيين والكوريين الذين دفعوا ملايين الدولارات إلى القمر، أو شركة تعدين تود استخراج كمٍّ هائل من البلاتينيوم من كويكب ما، قد تكون واقعة تحت طائلة القانون بفعلها ذلك، فمن وجهة نظر قانونية يمكن لهذا أن يكون خرقا لمبدأ الملكية الجماعية.

    

في الواقع، يرى بعض الباحثين(16) القانونيين في هذا النطاق أن واحدا من أسباب تأخر انطلاقنا للفضاء هو أشياء كتلك، على سبيل المثال يمكن أن تتأمل قارة "أنتارتيكا"، فالاتفاقات الدولية الخاصة بها شبيهة، أي إنها غامضة ورمادية، ما يمنع المستثمرين من المُضي قُدما في إنفاق الأموال بهذا الاتجاه، الأمر كذلك بالنسبة للفضاء الخارجي، من جهة أخرى فإن هذا قد يؤسس لصراعات مستقبلية حول مصدر أحد الموارد الثمينة بين الدول.

  

في الفيلم الرائع الصادر مؤخرا "آد أسترا"، من بطولة براد بيت، يُشار بالفعل إلى صراع مستقبلي بين الدول وقراصنة القمر على مناطق الموارد في القمر، لا يوجد شيء معاصر يمنع وصولنا إلى تلك المرحلة، فكما تتقاتل الدول حول الغاز والبترول وموارد أعماق المحيطات، يمكن أيضا أن تتقاتل حول تريليونات الدولارات المخزنة في صورة تيتانيوم داخل أحد الكويكبات، لفهم مدى عمق تلك الفكرة دعنا نسأل عن أغنى رجل في العالم.

      

الخير في الفضاء أكبر بكثير مما يمكن أن تظن، وهناك دائما طرق ذكية لجلبه إلى الأرض أو الاستفادة منه بينما هو في مكانه

الجزيرة
       
أغنى رجل في العالم

جيف بيزوس أم بيل غيتس؟ لا، إنه جون دافيسون روكفلر17، ومع تعديل معدلات التضخم فإن صديقنا أغنى بثلاثة أضعاف من بيزوس وغيتس مجتمعين، لعب روكفلر دورا محوريا في تأسيس صناعة النفط، وذلك عن طريق شركة "ستاندرد أويل" التي قام بتأسيسها في عام 1870 في كليفلاند بولاية أوهايو الأميركية، بعد عقد واحد تمكّن روكفلر من السيطرة على تسعة أعشار صناعة تكرير النفط في الولايات المتحدة، ثروة روكفيلر مصدرها كنوز الموارد الطبيعية التي فُتحت أبوابها وأغدقت عليه الثروات من كل مكان.

  

في المقابل من ذلك، ومع نهاية أيام عصر البترول، فإن موارد أخرى تفتح الأبواب للمستثمرين والدول، يقول الفيزيائي الأميركي الشهير نيل ديجراس تايسون إن(18) أول "تريليونير" في العالم لن يكون ملكا من ملوك التكنولوجيا أو البرمجة، بل "مُعدّن كويكبات"، فالخير في الفضاء أكبر بكثير مما يمكن أن تظن، وهناك دائما طرق ذكية لجلبه إلى الأرض أو الاستفادة منه بينما هو في مكانه. الكثيرون يدركون ذلك ويعملون الآن بكدٍّ لتطوير التكنولوجيا للوصول إلى تلك الكنوز القابعة بالأعلى قبل غيرهم، حتى مع احتمالية أن تكون مغامرة غير محمودة العواقب(19) بسبب تعقيداتها العلمية والتقنية.

     

هل ترى أن ما فعله آدم إسماعيل ومصطفى خليل وعبد الله العمري كان أحمقَ؟ لوهلة يبدو كذلك، لكن تلك الطريقة -على بساطتها- كانت دائما ناجحة، لكنها فقط تحتاج إلى بعض القوة. دعنا في النهاية نتذكر ما حدث حينما وصل الأوروبيون إلى أميركا الشمالية، حينها ادّعى الكثيرون ملكيات متفرقة على أماكن متفرقة من القارة حتّى مع وجود أناس يسكنونها (السكان الأصليين). مع الوقت، وباستخدام القوة الغاشمة، تمكّن هؤلاء من وضع أيديهم بالكامل على تلك الأرض.

     

     

في الواقع، أنا أعرف مجموعة من البشر ادّعوا أنهم يمتلكون دولة ما، نعم، إنها كما سمعت، دولة كاملة، ومع العبث والفساد السياسي طوال عقود طويلة أعلن هؤلاء الآن أن أصحاب الأرض الأصليين يمكن أن يعيشوا معهم بسلام فقط إذا قَبِلوا أن يكونوا عبيدا لشبه دولة حبيسة محاطة بالعسكر من كل مكان، لِمَ تظن أن القمر مثلا لن يكون كذلك؟!

تقارير متصدرة


آخر الأخبار