انضم إلينا
اغلاق
"على حافة 100 ألف حالة".. هل سيستمر فيروس كورونا خلال الصيف القادم؟

"على حافة 100 ألف حالة".. هل سيستمر فيروس كورونا خلال الصيف القادم؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

قبل عدة أعوام، وبينما كان يتحدث في أحد المؤتمرات الأمنية في ميونخ، قال بيل غيتس(1) أن العالم -على غير ما يبدو للوهلة الأولى- ليس متجهزًا بعد لتفشي وباء على درجة من الخطورة، وأضاف الملياردير الأميركي واسع الشهرة أنه على دول العالم أن تنفق على البحث العلمي الخاص بهذا النطاق كما تنفق على صناعة السلاح، وإلا قد يتمكن وباء سهل الانتشار من قتل ثلاثين مليون إنسان خلال عام واحد فقط. 

   

عالم جديد بالكورونا!

مع ظهور "كورونا الجديد" في ديسمبر الماضي لم يكن أحد بالفعل ليتوقع أن يتخطى(2) عدد الإصابات الـ 76 ألف حالة مع أكثر من 2000 حالة وفاة، بينما نتحدث، ورغم أن نسب الوفاة قليلة، مقارنة برفاق سابقين لنفس الفيروس، مثل المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (SARS) وفيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS)، إلا أن معدلات انتشاره الواسعة تدفعنا للتساؤل عن مستقبل كورونا مع كوكبنا كله، لاسيما الصين. هل سيستمر مستقبلًا؟ هل سيبقى معنا؟ هل -على الأقل- سيستمر للصيف القادم؟

      

     

في الواقع، فإن أحدًا -على عكس ما يمكن أن تراه منتشرًا على وسائل التواصل- لا يمتلك الكم الكاف من المعلومات الذي يشير إلى أن الفيروس سيتوقف نهائيًا في الصيف القادم، يُحتمل بالفعل أن ينتهي هذا النوع من الفيروسات بحلول الصيف في نصف الكرة الأرضية الشمالي، لكن(3) إذا تأملنا الأمر قليلًا لوجدنا أن فيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS) أصاب السعوديين في شهر أغسطس، بينما كانت الحرارة في أقصاها.

   

لذلك، فإنه من المتوقع أيضًا أن يستمر كورونا الجديد في الصيف القادم، مع درجات منخفضة من الانتشار، ومع انخفاض درجات الحرارة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي فإن ذلك يفتح الباب لفرص انتشار أكبر هناك، ما يعني حاجة ملحة في أستراليا والجنوب الأفريقي وأميركا الجنوبية لاتخاذ إجراءات احترازية صارمة، وهذا بالفعل يحدث في كل دول العالم تقريبًا كما تلاحظ.

    

في كل الأحوال، فإن ما يشغل الباحثون في نطاق الصحة العامة هو اللحظة التي سيسجل فيها فيروس كورونا الجديد أعلى معدلات إصابة يومية، لأن ذلك يعني أنه بعد تلك النقطة سيكون في طريقه للانخفاض، وعندها يمكن بدرجة من اليقين تقييم مستقبله مع الصين، والعالم ككل، لكن هناك الكثير من المشكلات التي تواجهنا في هذه المرحلة، لفهم تلك النقطة دعنا نقارن بين انتشار "سارس" في العامين 2002 و2003 وانتشار كورونا الجديد الآن.

      

كورونا ضد سارس

  

بحلول العام 2004، كان سارس قد انتهى، وخلال العام السابق لتلك الأحداث كانت هناك بالفعل إجراءات غاية في الفاعلية لعزل المرضى قبل انتقال الإصابة منهم إلى آخرين، لكن بالنسبة لـ "سارس" فإن البشرية كانت على قدر واسع من الحظ لأن صديقنا، الفيروس الذي يقتل حتّى أكثر من عُشر المرضى، كان ينتقل من مريض لآخر بعد ظهور الأعراض(4)، ما يعني أنه كان هناك بعض الوقت لدى مقدمي الرعاية الصحية لاكتشاف الحالة وحجزها قبل أن تنقل العدوى لغيرها.

  

أما بالنسبة لكورونا الجديد، فإن تلك ليست هي الحالة للأسف. في الواقع، ومع تقدم عدد الحالات، بات واضحًا للعلماء أن مدى عمل الفيروس الجديد واسع جدًا ويشمل حالات(5) لا تظهر بها أية أعراض أو فقط بعض من التهاب الحلق، ما يعني أنه يمكن أن ينتشر بدرجات أوسع بكثير مما قد تفترض الحكومات أو متخصصي الصحة العامة على حد سواء.

  

لهذا السبب، إلى جانب أسباب أخرى تتعلق بأن الحكومة بالطبع لن تتمكن من تأكيد كل الحالات المصابة في الصين، مع مخاوف من درجة من التعتيم، كانت دراسة قد صدرت(6) مؤخرًا في دورية "ذا لانسيت" الطبية الشهيرة لتتوقع أن عدد المصابين في يوم 27 يناير كان حوالي 76 ألف حالة، بينما تم الإشارة إلى هذا الرقم في 19 فبراير على أنه حالات مؤكدة، ومع حساب نسب التصاعد من يوم 27 يناير فإن ذلك يعني أن عدد الإصابات كان قد تخطّى حاجز عدة مئات من الآلاف بحلول اللحظة التي تقرأ فيها هذا التقرير.

   

وبناء على آلية إحصائية ابتكرها باحثون من كلية لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة(7) فإنه بوصولنا إلى نهاية فبراير يمكن لكورونا أن يصل لذروة إصاباته مع عدد كلّي يساوي 500 ألف حالة، وذلك في ظل أكبر حجر صحي في التاريخ، حول ووهان والمدن المحيطة. بالطبع نتحدث هنا عن عدد الإصابات في الصين بشكل رئيسي. أما خارجها(8) فإن الأجواء إلى الآن مطمئنة بعض الشيء، عدد حالات الإصابة هو 1100 تقريبا وعدد حالات الوفاة أقل من 15 فقط بحلول نهاية يوم 21 (فبراير/شباط). رغم ذلك فإن الوضع في إيران تحديدا يدفع للقلق، 4 حالات وفاة و18 إصابة معلنة بحسب وزارة الصحة الإيرانية، مع مخاوف من التعتيم من قبل السلطات الإيرانية، وها هي هناك تقف على حدود الوطن العربي.

    

الصين كحجرة مغلقة

  

في تلك النقطة، ولفهم السبب في تنوع انتشار الإصابة بين الصين وخارجها، دعنا نتعرف على اصطلاح مهم جدًا من عالم الصحة العامة، إنها(9) "الدلالة آر" R-nought، صاحبة الرمز الأشهر R0، والذي تراه كثيرًا هذه الأيام إذا كنت مهتمًا بالأمر وتتابعه. تشير تلك الدلالة إلى عدد الأشخاص الممكن إصابتهم بالمرض بسبب شخص واحد مصاب خلال مدة حضانة المرض، تقدم أفلام السينما هذا الرقم كشيء ثابت مخيف جدًا، فإذا كان هذا العدد 5 مثلا فلابد وأن كل شخص سيصيب 5 ثم يصيب كل منهم 5 آخرون، وهكذا حتى نهاية العالم. 

    

لكن تلك الدلالة، في الواقع، هي رقم مرن يعتمد على معايير كثيرة، فقد يكون المرض مرتفع القدرة على الانتقال إلى الآخرين، مثل الحصبة مثلا والتي تحمل قيمة تساوي 12، لكننا نمتلك أدوات لمقاومة الانتشار سواء بعزل المريض أو برفع مقاومة جسمه أو لأي سبب آخر، في المقابل من ذلك فإن الإنفلونزا الإسبانية التي قتلت 20 مليون شخص مطلع القرن الفائت كانت ذات قيمة تبدأ من 2.4.

    

القيمة الخاصة بـ "الدلالة آر" تختلف مع الزمن وعدد السكان المعرضين للإصابة ووسائل التعامل وعدد واسع جدًا من المعايير التي تجعل من تحديث الرقم ضرورة أساسية بأهمية الحصول عليه أصلا. بالنسبة للكورونا الجديد يعتقد(10) العلماء أنه رقم ما بين 1.5 و3.5. بالنسبة للدول خارج نطاق الصين فإن هناك -على حد علمنا- قدرات عالية على الحد من الانتشار. أما في الصين نفسها، فإن بعض متخصصي هذا النطاق يرون أن العدد قد فاق حد إمكانية احتواء كورونا الجديد.

    

  

هيروشي نيشيورا، متخصص علم الأوبئة من جامعة هوكايدو، ينضم لهذا الفريق، فهو يرى(11) أن الصين لن توقف الحياة الدولة بشكل كامل لوقت طويل، وبعد انتهاء الأعياد سيعود الناس إلى عملهم مرة أخرى ما يفتح فرصًا أفضل لكورونا من أجل الانتشار، ومع الوضع في الاعتبار أن الصين لديها -من الأساس- أدوات اختبار قليلة جدًا مقارنة بعدد السكان، ما يشير إلى أن عدد المصابين أكبر بكثير من المعلن عنه، وكذلك لأن نسبة كبيرة من الإصابات لا تحمل أعراض، فإن صديقنا يتوقع، في المجمل، وصول عدد الحالات المصابة إلى نصف تعداد السكان في الصين تقريبًا، أي حوالي 650 مليون إصابة.

  

وبحسب دراسة صادرة في نهاية يناير، بدورية "نيو انجلاند جورنال أو ميدسن"، فإن فحص(12) نمط تصاعد الإصابة في أول 425 حالة من الكورونا الجديد يشير إلى أن أعداد المرضى تضاعفت بالكامل كل أسبوع، يفتح ذلك بابًا لاحتمالات واسعة بالفعل، لكن في تلك النقطة لابد وأن نتوجه إلى سؤال آخر، فإذا كان من الممكن بالفعل لعدد الإصابات أن يرتفع إلى حد مئات الملايين، ما هو عدد الوفيات المتوقع؟

   

إنفلوانزا إسبانية جديدة؟!

هنا يمكن قليلًا أن نتفائل، حيث كان المركز الصيني لمكافحة الأمراض واتقائها قد أصدر قبل أيام أكبر دراسة(13) من نوعها بنيت على بيانات قرابة 72 ألف حالة مؤكَدة إلى جانب عدد من الحالات المصابة لكن دون أعراض، وجائت النتائج لتقول أنه -على عكس ما بدا للوهلة الأولى- فإن كورونا ذا أثر متوسط على أكثر من 80% من الحالات، بالضبط كنزلة برد طبيعية فما أقل، مع 14% من الحالات قيمت على درجة من الخطورة، وفقط حوالي 5% من الحالات التي تعد حرجة، ومنها تخرج الوفيات، وهي في معظم الأحوال تكون موجودة بالمستشفى.

      

  

كذلك، فإنه قد ظهر أن الفيروس لم يتسبب في أية حالات وفاة في الأطفال، على الرغم من إصابات الأطفال في سن صغيرة جدًا تصل إلى عدة أيام، كذلك فإنه بدا واضحًا أن نسبة الوفاة ترتفع مع ارتفاع عاملين، الأول هو السن، كونك أقل من 40 سنة يجعل الاحتمال أقل من 0.2%، ويرتفع مع حلول الثمانينيات من العمر، والثاني هو الأمراض القلبية الوعائية كالضغط وقصور القلب وغيرها. لكن في كل الأحوال فإنه -على مستوى عالمي- حتى الـ 1% تعني عشرات الملايين البشر.

    

من جهة أخرى، فإن العمل البحثي على فهم فيروس كورونا قد تطور كثيرًا، في الواقع لقد صدرت قرابة المائة ورقة بحثية حول الأمر منذ بدايته، وكان الباحثون من المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم NIH قد تمكنوا، فقط قبل عدة أيام(14)، وبسرعة لافتة للانتباه، من الوصول إلى تسلسل الحمض النووي الذي يُنتج أحد البروتينات الهامة المسؤولة عن قدرة الفيروس على إصابة البشر، ما يعني إمكانية مستقبلية، ونتحدث هنا عن شهور قليلة، على اكتشاف لقاح جديد للفيروس يمنعه من الارتباط بالخلايا البشرية.

  

لكن في كل الأحوال، فإن ما نمتلكه هو الكثير من الاحتمالات المبنية على القليل جدًا من البيانات المتاحة، هناك احتمال أن تتمكن الصين من القضاء على كورونا الجديد وينتهي الأمر بحلول نهاية العام الحالي، وهناك احتمال أيضا أن يستمر كورونا الجديد بالتواجد كإصابة موسمية تتكرر كل عام، سواء في الصين أو العالم ككل، فعلى الرغم من القيود الدولية المفروضة على السفر من وإلى الصين، لا أحد يعلم من أين ستأتي الضربة القادمة، ويمكن أن تتأمل الوضع الإيراني كأحد تلك الاحتمالات(15).

 

أن يتحول الأمر إلى ما حدث في حالات الإنفلونزا التي قتلت مليون شخص في كل من حوادث (16،17) عامي 1957 و1968 هو أيضًا احتمال قائم لكنه ضعيف، وذلك لأننا بالفعل -كبشر في العموم- قد تعلمنا الاستجابة بصورة أفضل لأوبئة كتلك، في الواقع فإن التعامل مع كورونا الجديد، من وجهة نظر عملياتية، كان أفضل من سارس، إلا أن الفيروس نفسه كان ذا خصائص مختلفة، يعيدنا ذلك إلى مقولة بيل غيتس التي ذكرناها من قبل، يجب أن يتجهز العالم بشكل أفضل لما هو أخطر، لأنه ممكن.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار