انضم إلينا
اغلاق
استعدوا لفقد أحبائكم.. هذه خطة بريطانيا المرعبة لمواجهة كورونا!

استعدوا لفقد أحبائكم.. هذه خطة بريطانيا المرعبة لمواجهة كورونا!

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    
قبل أيام قليلة خرج بوريس جونسون(1) رئيس الوزراء البريطاني إلى شعبه ليطلب منهم، في خطاب أقل ما يقال عنه أنه "الأكثر رعبًا" إلى الآن، أن يتجهزوا لانتشار الوباء، فالأرقام تشير إلى أنه لن يتوقف عن المضي قدمًا في إصابة المزيد منهم، موضحًا أنه ليس كالإنفلوانزا بل هو أخطر تحدي يمكن لجيل ما أن يواجهه، ثم ألقى بقنبلة هائلة على الطاولة حينما أضاف: "الكثير من العائلات، الكثير جدًا من العائلات، ستفقد أحباءها قبل الموعد".
     
   
الوضع في العالم كله ليس ببعيد، ترامب يخرج من المكتب البيضاوي، في مبادرة نادرة، ليقول فيما يشبه خطاب الحرب(2) أنه عليهم أن يتحدوا معًا للمواجهة. ماكرون يتسبب في المزيد من الهلع، أنجيلا ميركل(3) تقول صراحة إن 60-70% من الشعب الألماني سيصابون بالمرض. رئيسة وزراء النرويج تعلن(4) أن الخَطْب جلل ولابد من غلق البلاد بالكامل، أرفف الأسواق في أوروبا كلها تقريبا فارغة، الشوارع تتجهز لأجواء مماثلة، ولا أحد يعلم ما الذي يجب أن يفعله.
  
لكن الاستجابة البريطانية لهذا الأمر تحديدًا لفتت انتباه وسائل الإعلام العالمية خلال اليومين الماضيين، وتسببت في جدل واسع على وسائل التواصل وفي أروقة الجامعات على حد سواء. بعد أن أنهى جونسون حديثه سمح لكبير المستشارين العلميين للحكومة، السير باتريك فالانس، أن يوضح خطة بريطانيا لمواجهة كورونا الجديد، وعلى عكس المعتاد في ظروف كتلك، حيث تكون الإجراءات هي إغلاق المدارس والجامعات ومنع التجمعات قدر الإمكان، قررت الحكومة البريطانية أن ذلك لن يحدث، سيُسمح للمرض بالمضي قدمًا داخل البلاد!
  
   
الجائحة هنا
حسنًا، الأمر معقد للغاية، ما إن ظهرت تلك الخطة إلى العلن، حتّى بدأ البعض في ترديد أن الحكومة البريطانية تلقي بشعبها إلى التهلكة بغرض تجاوز الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتوقعة من الجائحة، البعض الآخر رحب بالخطة يائسًا، حيث يقول هذا الرأي إنه طالما أن الوباء قادم، ولا علاج له إلى الآن، فلنتجاوزه على أية حال بأسرع وقت ممكن ولنبدأ في التفكير في مرحلة ما بعد الوباء، بالإضافة إلى المجموعة المتطرفة الشهيرة التي تقول إنه يجب التضحية بالبعض كي يعيش المجموع.
     
    
لكن ذلك كله، في الواقع، غير دقيق. لفهم تلك الفكرة يجب أن نتأمل بعض البيانات(5)، نقف الآن على حافة الـ 150 ألف حالة، عدد الوفيات تخطى الـ 5 آلاف، لكن الأهم من ذلك هو معرفة عدد الأيام المطلوب مروره قبل تضاعف الأعداد. عالميا، احتاج الأمر 26 يوم، يرجع سبب ذلك إلى أن معدلات الإصابة اليومية يتناقص في الصين، أما في بقية دول العالم فحدّث ولا حرج، معدلات التضاعف وصلت إلى يومين فقط في بعض البلاد، وثلاثة أيام في معظمها.
  
حينما يتأمل متخصصو الصحة العامة نتائج كتلك، فإن أول ما يخطر ببالهم أن الوقت لم يعد مناسبًا للاحتواء، انتهى الأمر تقريبًا ولا يمكن بسهولة أن توقف المرض عن الانتشار. غالبًا، ستأتي الضربة القادمة من مكان لا تتوقعه، عدد التكاثر الأساسي(6) R0 الخاص بكورونا الجديد هو، في المتوسط، ذو قيمة تساوي 3، يعني ذلك أن كل شخص يمكن له أن يصيب ثلاثة أشخاص آخرين، إنه رقم هائل، موظف ما أو طالب ما، سيحمل الفايروس إلى بيته، وإلى السوبر ماركت، وإلى أصدقائه في المقهى، وكل منهم سيفعل المثل.
   
لهذا السبب فإن ما نتحدث عنه الآن، عالميا، ليس إنهاء الانتشار وإنما تسطيح المنحنى(7) flattening the curve، يعني هذا الاصطلاح أن تقوم المنظومة الصحية في أية دولة باتخاذ كل الإجراءات التي يمكن لها أن تخفّض عدد المصابين اليومي قدر الإمكان بحيث يتناسب مع قدراتها وعدد أسرّة الطوارئ في مستشفياتها، إذا كان عدد المصابين المتوقع هو 100 ألف على سبيل المثال، فإن وصولنا لهذا الرقم بحلول نهاية الشهر أفضل من وصولنا له في خمسة أيام، يجب أن تمتلك المنظومة الصحية الوقت للتعامل وإلا ستنهار على ذاتها.
    
    
هناك تجربة واقعية مؤلمة تشرح ما يمكن أن يحدث لو لم تتمكن الدولة من تسطيح المنحنى، ففي الحادي عشر من مارس نشرت(8) الكلية الإيطالية للتخدير والتسكين والإنعاش والعناية المركزة (SIAARTI) إرشادات جديدة للأطباء في مستشفيات الطوارئ الإيطالية، تتضمن المعايير الجديدة: في حالة "طب الكوارث" catastrophe medicine قد يكون على الطبيب أن يقوم باختيار صعب بترك بعض المرضى للموت وعلاج من يمتلكون فرصة أفضل للحياة، هناك نقص هائل في الموارد تواجهه المستشفيات الإيطالية بعد وصول عدد المرضى لأكثر من 15 ألف حالة.
  
المتبع في ظروف كتلك هو أن من يدخل المستشفى أولا يُعالج أولًا، لكن التقرير الأخير يرى(9) أن ذلك غير فعال، ويجب على الأطباء وضع العمر في اعتبارهم، الفئات العمرية الكبيرة قد لا تتحمل المرض مثل صغار السن، لذلك وجب على الطبيب تعديل معياره والبدء بصغار السن كأولوية، ثم كبار السن لو مكّنته الموارد من ذلك، فقط تأمل الأمر قليلًا!
  
مناعة القطيع
أحد أهم إجراءات تسطيح المنحنى، في كل العالم، هي العزل الاجتماعي Social distancing، فنحن لا نمتلك إلى الآن علاج أو لقاح للمرض كوفيد-19، ويأمل الجميع أن تنقطع السلسلة البشرية قدر الإمكان فنتمكن من تخفيض عدد الحالات اليومية، ومن هنا تنبع أهمية إغلاق المدارس والجامعات والتجمعات في العموم، لكن بريطانيا – في خطتها – وان كانت تهدف لنفس الشيء، لا أكثر ولا أقل، فإنها تعتمد للتخلص من المرض على خلق مناعة القطيع(10) Herd Immunity.
    
   
لفهم هذا الاصطلاح، دعنا نفترض أن مدينة ما بها 100 مواطن فقط، هناك مرض معدٍ ينتشر في المدينة، يمكن لكل شخص بها أن يقوم بنقل المرض إلى شخصين آخرين، يعني ذلك فرصة هائلة لتنقل المرض خلال كل الناس عبر سلسلة طويلة من الحالات ضمن تلك المساحة الجغرافية، لكن، ماذا لو كان 60 شخص في المدينة مؤمنين من المرض ولا يمكن لهم الإصابة به أو نقله؟ يقلل ذلك بشكل جذري من انتقال المرض في المدينة لأنه ببساطة يقطع سلسلة الإصابات في نفس المساحة. 
  
حينما يصاب مجموعة من الأشخاص بكورونا الجديد فإن نسبة صغيرة منهم فقط هي التي يمكن لها أن تُصاب مرة أخرى بنفس المرض، حوالي 14% فقط بحسب فحص(11) صيني وآخر ياباني للحالات، يعني ذلك أنه إذا استطاع المرض التوغل في 60% من البلاد فإنه سيعطي هذا الشعب صفة مناعة القطيع، حيث سيكون من الصعب جدًا على حلقة المرض أن تستمر في بريطانيا، وتنخفض معدلاته إلى الإنفلوانزا الموسمية العادية، في تلك النقطة ربما ستتساءل عن ذلك الإجراء، هل يعني هذا أن بريطانيا تدفع بشعبها إلى الكورونا الجديد؟
  
معايير خطرة
في الواقع، تلك الخطة المعتمدة على مناعة القطيع تستند إلى إجراءات إضافية صارمة، نعرف الآن(12) أن أكثر من 80% من المصابين بكورونا الجديد تمر أعراضهم بسيطة دون حاجة لتدخل علاجي في المستشفيات، كذلك فإن معايير الخطورة الواضحة إلى الآن تتعلق بالسن، أولًا، إلى جانب الأمراض المزمنة كالأمراض القلبية الوعائية والسكري أمراض الرئة والسرطان، لذلك قررت الحكومة البريطانية عزل هذه الفئات، أي إبقائها في المنزل قدر الإمكان.
   
  
إلى جانب ذلك(13)، رفعت الحكومة من أدواتها التوعوية، وطالبت المواطنين بالبقاء في المنزل مع ظهور أية أعراض طفيفة من الحمّى أو السعال الجاف، يعني ذلك أن من يتجول في المدينة سيكون فقط من الفئات التي ستتخطى المرض، حينما ينتشر المرض بين تلك الفئات فإنه سيمر بسلام، ثم يعطيها المناعة الكافية لإنقاذ الفئات المعرضة للخطر، والتي سيساعد حجزها على تسطيح منحنى الحالات الجديدة، وبالتالي خدمة البلاد في مساعيها لتخطي الأمر.
  
تعتمد هذه الخطة على عدة معايير أخرى، فالخبراء، من نطاقات متعددة كعلم الفيروسات والمناعة والصحة العامة والنمذجة الرياضياتية يؤكدون أن بريطانيا لن تصل لقمة الموجة الخاصة بكورونا الجديد إلا بعد 14 أسبوع، إنها فترة طويلة جدًا من إغلاق الحياة العامة، وكانت وحدة إضافية قد طورتها إدارة ديفيد كاميرون تسمى(14) "وحدة النكزة" Nudge Unit – وتهتم بإعطاء رأي من عالم علم النفس الاجتماعي والسلوكي - قد أدلت برأي إضافي في هذه القضية. يقترح الأكاديميون في تلك الوحدة أنه مع طول فترة الإغلاق فإن المواطنين قد يستجيبون للتعليمات بسهولة في الأسابيع الثلاثة الأولى، لكن بعد ذلك سيبدأون بالتمرد وتجاوز التعليمات، وهو ما قد يعيدنا إلى حالة ينتشر فيها الفيروس من جديد. 
  
كذلك، اعتمد فريق العلماء الخاص بجونسون على فكرة تقول إن كورونا الجديد ينتشر بالعدوى المباشرة، أي أنه لا يجري في هواء المدينة بالتالي يجب أن تكون في محيط 2 متر من شخص مصاب، ولعدة دقائق، حتى تلتقط الإصابة، يعني ذلك أن التجمعات الكبيرة – في خطرها – كالتجمعات الصغيرة لأن المرض لا ينتشر في كل التجمع، بالتالي فإن تسطيح المنحنى لا يزال ساريًا حتى في التجمعات الكبيرة، ويقصد هنا تحديدًا المدارس والجامعات.
    
  
من جهة أخرى، فإن الأمر يتعلق بعودة المرض في الشتاء القادم بموجة ثانية، في الواقع لا يظن متخصصو الصحة العامة وعلوم الفيروسات أن كورونا الجديد سينتهي عن قريب، بل سيكون أقرب لصورة موسمية من الإصابة والتي تعود في الشتاء كل عام، كذلك نحن غير متأكدون أصلا من أنه – مثل بعض الفيروسات التاجية الأخرى – لا يصمد في درجة الحرارة المرتفعة. قد تكون الموجات التالية أعنف من الأولى في بعض الأحيان، بالتالي فإن الأمر – بحسب الخطة البريطانية – يمتد لحماية الناس في المستقبل. 
  
مغامرة جونسون الكبرى
الوضع إذن، ليس أن بريطانيا تريد أن تلقي بشعبها إلى فم الكورونا، في كل العالم يتعامل الجميع مع الموضوع كمسألة وقت قبل أن يصل الفيروس لنسبة تتراوح بين 60-70% من السكان، إنه فقط خلاف حول آلية تنفيذ مهمة تسطيح المنحنى، بريطانيا لم ترد أن تسطّح المنحنى إلى أكثر مما هو مطلوب، فقط عند الحدود التي تقع بالضبط عند قدرة المنظومة الصحية على تحمل الأعباء الخاصة بالوباء.
     

قال جونسون إنه على العائلات التجهز لفقدان أحبائها، رئيس الوزراء البريطاني يخوض أكبر وأخطر مغامرة في العالم لا شك

رويترز
    
تقول الحكومة البريطانية إن هذه القرارات مُتخذة بناءًا على العلم، والعلم فقط، حيث كانت هناك عدة نماذج من مجموعة من الجامعات البريطانية، وبحسب المجموعة المختارة من العلماء فإن هذه الخطة هي الأفضل لإنقاذ البريطانيين، على الرغم من ذلك ظهر الكثير من التشكيك(15) بها، فهي – من الأساس – تعتمد على تنبؤاتنا لسلوك فيروس لا نعرف الكثير عنه بعد، قد يظهر عرض ما لا ندركه، وقد تصاب فئة ما لم نكن نعلم عنها شيئًا على سبيل المثال.
  
أضف لذلك أن المعايير التي اتخذتها دول مثل الصين، والتي تتضمن أقصى درجات العزل الاجتماعي، كانت ناجحة في مهمتها حتى الآن، فلمَ المخاطرة بأن نجعل تسطيح المنحنى يقف على الحافة عند قدرات المنظومة الصحية على التحمل، ألا يهدد ذلك بسقوط النظام كاملًا ودخول البلاد في وضع شبيه بإيطاليا؟ يصف البعض ما يحدث بأنه يائس أكثر مما هو متفائل بالنظر إلى المستقبل، ويقول البعض الآخر إنه يتعلق بإنقاذ الاقتصاد عبر المخاطرة بأرواح الناس ولهذا السبب من الأساس قال جونسون إنه على العائلات التجهز لفقدان أحبائها، رئيس الوزراء البريطاني يخوض أكبر وأخطر مغامرة في العالم لا شك.
  
في كل الأحوال، فإننا على بعد أشهر قليلة من اختبار مدى صلابة خطة جونسون لإنقاذ البريطانيين من خطر محدق، ونأمل كذلك أن تشهد دولنا العربية نشاطًا شبيها تتشابك فيه العلوم الطبية والإدارية والإحصائية مع القرار السياسي، ذلك لأننا لسنا بمعزل عن الجائحة، الأوضاع تتطور في بلادنا بشكل متصاعد وتلك هي مرحلة يكون الفارق خلالها بين المصيبة والسلامة هو تأخر في اتخاذ قرار ما لعدة ساعات فقط.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار