انضم إلينا
اغلاق
"قلق الكورونا".. كيف تُنقذ نفسك من التوتر الشديد بسبب الوباء؟

"قلق الكورونا".. كيف تُنقذ نفسك من التوتر الشديد بسبب الوباء؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

حسنا، تجهَّز لأجواء أكثر عنفا. ما زالت المشكلة التي يواجهها البعض هي أنه لا يتمكّن من تصديق الوضع الجديد الذي يُواجهه كل مواطن في العالم، يشعر كأنه في حلم ما أو أن أحدهم فقط يود أن يُداعب الآخرين بنكتة سخيفة، لكن تقبُّلك لهذا الوضع سريعا سيُفيد كثيرا في إنقاذك وإنقاذ من تحب، بدأت الكثير من دول العالم، بما في ذلك الدول العربية، في اتباع سياسة العزل الاجتماعي، والتي تعني إبعاد الناس عن بعضهم بعضا قدر الإمكان من أجل قطع السلسلة الخاصة بانتشار الفيروس.

  

إجراءات مثل إغلاق المدارس ومنع التجمعات غير كافية، مطلوب أيضا من الناس أن يمكثوا في منازلهم قدر الإمكان، يكون الخروج في هذه الحالة فقط للضرورة القصوى، مع إجراءات التأمين المعتاد كغسيل اليدين بالماء والصابون(1) لمدة أكثر من 20 ثانية في المرة الواحدة، هذه الإجراءات ليست إجبارية، لكنها شيئا فشيئا ستصبح طبيعة الأشياء من حولك، يعني ذلك أنه قد تمر أيام دون الحاجة إلى الخروج من المنزل، ومع وجودك على الإنترنت طوال الوقت ستضاف مشكلة جديدة إلى كورونا الجديد، إنه القلق.

     

أرفف فارغة في المحلات بعد إقبال الناس على الشراء بسبب تخوفهم من فيروس كورونا (رويترز)

  

لا بد أنك تشعر بذلك الآن، هذا التوتر الشديد جدا الذي يصل إلى درجة الرعب، الأخبار الجديدة كلها كارثية، مقدمة هذا التقرير نفسه كانت كارثية بالنسبة لك وما زالت تتصادم مع قناعاتك بأن كل شيء قد يصبح جيدا غدا لسبب ما، توم هانكس يُعلن إصابته بالكورونا، ميركل تقول إن 60-70% من الألمان سيصابون بكورونا الجديد، بوريس جونسون يطلب إلينا أن نتجهَّز لفراق الأحباب، وجوه المسؤولين في التلفاز مكفهرة، ويبدو أننا قد نظل في هذه الحالة لعدة أشهر، فماذا نفعل لنتخلّص من هذا الضغط العصبي الشديد؟

   

تكنيك لتخفيف القلق

في تلك النقطة دعنا نبدأ بالتحدث عن بعض الحقائق، لأنها -بكل بساطة- أول دافع لتخفيف القلق، إذا تأمّلت الأمر قليلا لوجدت أن كورونا الجديد لا يمكن بحال مساواته بالطاعون الأسود مثلا، الجائحة التي قتلت 30-50% من المصابين، لا يمكن حتّى -إذا تحدثنا عن نسبة الوفيات- أن نقارنه بسارس الذي قتل 10-11% أو ميرس الذي قتل 34% من مصابيه، في تلك النقطة دعنا نتأمل دراسة صدرت من المركز الصيني لمكافحة الأمراض واتقائها قبل عدة أسابيع، إنها أكبر دراسة(2) عن كورونا الجديد إلى الآن، فقد بُنيت على بيانات قرابة 72 ألف حالة مؤكَّدة.

      

       

جاءت نتائج تلك الدراسة لتقول إن كورونا ذو أثر متوسط على أكثر من 80% من الحالات، بالضبط كنزلة برد طبيعية فما أقل، مع 14% من الحالات قُيّمت على درجة من الخطورة، وفقط نحو 5% من الحالات التي تُعَدُّ حرجة، ومنها تخرج الوفيات، وهي في معظم الأحوال تكون موجودة بالمستشفى، أضف إلى ذلك أن هناك نسبة من الحالات التي لم تذهب للمستشفى وآثرت البقاء في المنزل، ما يعني أن هذه الأرقام أقل من المكتوب. من جهة أخرى، فإن الفيروس لم يتسبّب في أية حالات وفاة في الأطفال تحت تسع سنوات إلى الآن، ونتحدث هنا عن نحو 150 ألف حالة، على الرغم من إصابات الأطفال في سن صغيرة جدا تصل إلى عدة أيام.

  

ما تفعله الدول الآن هو إجراءات لتخفيف معدل الحالات اليومية قدر الإمكان كي تتمكّن المستشفيات من رعاية الحالات التي تتطلب الرعاية الصحية(3)، لأنه مع انتشار الفيروس بقوة -وهو ينتشر بسرعة هائلة- يمكن أن ينهار النظام الصحي، وهنا يجب عليك الحذر لأن نسبة الخطورة سترتفع باطّراد مع عدم وجود طبيب للمتابعة مع ظهور أعراض متطورة مثل ضيق النفس أو بدايات الالتهاب الرئوي.

  

أهم أعراض القلق بسبب هلع كورونا الجديد هي قلة النوم، وضعف التركيز، والمزيد من الخوف من كل شيء، مقبض الباب الذي لمسته قبل قليل والكتاب والشطيرة والرجل الذي مرّ بجانبك، في تلك النقطة دعنا نوضح أنه على الرغم من أن الإصابات عبر الأشياء، وليس الأشخاص، محتملة، فإنها لم تُرصد إلى الآن، لذلك ضع تركيزك على العزل، لأنه أفضل الحلول، في الوقت نفسه ابدأ بتنمية روتين جديد لحياتك.

    

عمال يرتدون أقنعة واقية ينظفون الجزء الداخلي من حافلة عامة وسط مخاوف من انتشار مرض فيروس كورونا المستجد (رويترز)

    

ابدأ الآن

أول شيء، اقطع(4) سلسلة الأخبار، أسوأ شيء في هذه الحالة أن تتبّع أخبار كورونا الجديد بشكل مستمر، سيتسبّب ذلك في حالة من التوتر والضغط العصبي الشديد، خاصة مع الأخبار الزائفة والتي تنتشر بكثرة هذه الأيام، يجب أن تبدأ بأخذ وقت مستقطع من حين لآخر، خلاله يمكن أن تُمارِس أي شيء يُحسِّن من حالتك، مثل مشاهدة فيلم أو ممارسة هواية كالقراءة أو حديث مع صديق، التواصل مع الآخرين -في الواقع- هو إحدى أهم الطرق لتخفيف التوتر الشديد الناتج عن حالات الأوبئة العالمية مثل كورونا الجديد، خاصة إذا كنت تشعر بالحزن أو القلق، أخبرهم عن ذلك وتناقشوا في الأمر.

  

بالإضافة إلى ذلك، فإن أحد الأعمدة الرئيسية للمزاج الجيد هو الأكل الصحي وممارسة الرياضة، في الغالب ستقضي الكثير من الوقت في المنزل خلال الفترة المقبلة، لذلك سيكون إدراج الرياضة والطعام الصحي ضمن روتينك اليومي أمرا مؤثرا جدا، فكرة الروتين نفسها مهمة لأنها تُشعرك أنك مطالب بفعل شيء ما، كأن تستذكر مساقا بعينه مثلا أو تعمل في المنزل، وهذا مهم لحياة نفسية صحية على مدى عدة أشهر.

  

أما المتخصصون من الجمعية الأميركية لعلم النفس(5) فيعرضون عليك بعض التمارين المهمة القادمة من عالم العلاج المعرفي السلوكي، يبدأ الأمر بأن تفحص مخاوفك بشكل دائم وقبل أن تتطور، اهدِف إلى أن تكون واقعيا في تقييمك للأمر، اعتمد في هذه النقطة على الحقائق التي أسلفناها قبل قليل وكرّرها على ذاتك. في الواقع، نميل نحن البشر إلى التقليل من شأن قدر مرونتنا على التعامل مع مشكلات كتلك، وفي المقابل نميل إلى التعظيم من شأن الخطر نفسه، أعِدّ نفسك دائما لنقطة الاتزان وركّز قدر إمكانك على ما يمكنك فعله لا ما يمكن أن يسوء.

      

رجل إيطالي يعزف في الشرفة بعد إجراءات الحكومة الإيطالية للحد من انتشار فيروس كورونا (رويترز)

  

يمكنك أيضا اختيار تنزيل تطبيقات الهواتف الذكية التي تُقدِّم بعض تمارين التعقّل والاسترخاء. على سبيل المثال، تُرشّح جمعية علم النفس الأميركية تطبيق "PTSD Coach" للهواتف الذكية، وهو تطبيق مجاني يحتوي على مواد تُمكِّنك من بعض المهارات مثل التكيف والمرونة، مثل تمارين التنفس العميق والصور الإيجابية واسترخاء العضلات وغيرها، أضف إلى ذلك أن شعورك بالملل الشديد يمكن أن يتقلّص مع تأكيد ذاتي بأن ما تفعله يخدم الجميع، وأنك بذلك تُساهم في إنقاذ شخص آخر.

  

ماذا عن الآخرين؟!

من جهة أخرى، نعرف أن نسبة الوفاة ترتفع مع ارتفاع عاملين، الأول هو السن، كونك أقل من 40 سنة يجعل الاحتمال أقل من نصف في المئة، ويرتفع مع حلول الثمانينيات من العمر، والثاني هو الأمراض المزمنة، كالسكري أو الأمراض القلبية الوعائية والأمراض الرئوية والسرطان، يُضيف ذلك قدرا كبيرا من التوتر والضغط العصبي على أصحاب تلك الفئات، ونتحدث هنا عن الوالدين والجد والجدة.

  

هنا يجب أن نبدأ بطمأنتهم بأن نعرِّفهم بالحقائق، والتي تقول إن العزل حل مثالي، وإن أحد أفراد المنزل من صغار السن سيقوم بأداء المهام الخارجية، وقبل أن يصل إليهم سيُطهِّر نفسه بالماء والصابون وأية أدوات أخرى، كذلك فإن التواصل معهم والحديث المستمر وفتح قنوات الاتصال الإنترنتية مع الأقارب في مناطق أخرى سيفتح بابا للتهدئة. في تلك النقطة من حديثنا عن الأقارب والأحباء، ربما يجب أن نتأمل فئة مهمة جدا عادة ما ننساها، ماذا عن الأطفال؟!

   

نسبة الوفاة من فيروس كورونا ترتفع مع ارتفاع السن (رويترز)

   

يتلقّى الطفل القلق من الأخبار ومن توتر أبويه، ويظهر هذا النوع من القلق عادة في صورة بكاء أكثر من المعتاد، أو ضعف تركيز، قد يتطور الأمر إلى تبول لا إرادي أو انسحاب من الأنشطة التي عادة ما يهتم الطفل بها. للتعامل مع توتر الطفل، حتى وإن كان الأمر غير ظاهر لك، ابدأ بتغيير صورته العقلية عن الأمر عبر وسيلتين أساسيتين، الأولى هي توضيح الأمر، ما الذي يعنيه "كوفيد-19"؟ على يوتيوب ستجد الكثير من الفيديوهات الإرشادية للأطفال.

   

الوسيلة الأخرى(6) هي أن تظهر ثابتا أمامه، تحدث معه بطريقة واضحة ولا تُخفِ شيئا، قل مثلا: "هناك بالفعل مشكلة، لكننا نتعامل معها، كذلك الأطباء ورجال الدولة يتعاملون معها، أنت في أمان"، هذه التوجيهات البسيطة قادرة على تطمين الأطفال، وترتفع فاعليتها إذا أبعدناهم قدر الإمكان عن التلفاز والإنترنت، كذلك مع تطوير روتين يومي ممتع لهم.

   

الجلوس في المنزل لفترات طويلة يتسبب في الكثير من الإحباط والملل، لذلك ابتكر آليات لأحاديث عائلية ممتعة، شاهدوا معا فيلما عائليا، ابتكر ألعابا ممتعة لهم، وبالطبع احرص على أساسيات المزاج الجيد للأطفال، الطعام الصحي وممارسة الرياضة، إلى جانب إدماجهم في أي مساقات إلكترونية مهمة، لأن شعور الطفل بأن الحياة منتظمة وأن هناك ما يجب عليه فعله يقلّص القلق بصورة واضحة.

   

  

كلنا واحد

حسنا، تُعلِّمنا هذه الأزمات أن مصالحنا الخاصة لن تتم إلا مع تحقُّق مصالح الآخرين، يجعلنا ذلك نُفكِّر فيهم بدرجة من الإيجابية، وترى منظمة الصحة العالمية(7) أن إحدى أهم طرق التكيّف مع الحالات الوبائية هي أن تكون دائما داعما للآخرين، وأن تعمل -مع الآخرين- على نشر المحاولات المشرقة للتعامل مع المرض، وتجارب الناجين والمقاومين في كل مكان بالعالم، وإنجازات العلم مع اقتراب التوصّل للقاح فعّال، قدر الإمكان كن إيجابيا لأن ذلك يرفع من قدرة المجموعة على التكيف مع القلق. وأخيرا، لا تكن عنصريا، إذا مرض أحدهم "بكوفيد-19" فإنه غير مسؤول عن ذلك، لا تعامله بدرجة من الدونية إن أمكن، بل قدِّم له قدرا واسعا من التعاطف في إطار الممكن ضمن وسائل الوقاية.

 

قارئنا العزيز، نواجه هذه الأزمة كفريق واحد، كاتب المقال، وشاب عشريني يُغني في شرفة إيطالية، ورجل يُصلي بمسجد في ربوع سوريا، وامرأة تُجهِّز الطعام لأطفالها في مطبخ مصري بسيط، وطبيب يبذل كل الجهد الممكن لإنقاذ حياة أحدهم في مستشفى بريطاني، وشاب مغربي يدعو الناس للبقاء في المنازل ليل نهار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعجوز ألمانية آثرت أن تجلس قليلا مع أحفادها لتعلّمهم بعض النكات كي تكسر الملل الناتج عن إجراءات العزل الاجتماعي، كل الإنسانية تكافح معك.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار